أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » حكاية الباش مهندسة الجميلة

حكاية الباش مهندسة الجميلة

كلام مؤثر شديد الدقة قالت به المهندسة، وهي المرأة الأنيقة التي بلغت الخامسة والأربعين، من دون أن يسبق لها الزواج، على الرغم من جمالها اللافت وشخصيتها الجذّابة ولباقتها، وخفة ظلها وذكائها الواضح، وحرصها الشديد على لياقتها، بحيث لا تغيب طويلا عن النادي، وتراقب غذاءها دائما، ما يجعل أي رجل عاقل متوازن يرغب في الاقتران بها. تقول الباش مهندسة الجميلة: تقدم لي كثيرون، كان بعضهم ملائما، من حيث العمر والمستوى الاجتماعي والثقافي، لكن النصيب لم يحصل، ولم أرتد الثوب الأبيض حتى الآن، بسبب تعنت عائلتي أحيانا، وأحيانا أخرى بسبب مزاجي الصعب شديد الانتقائية الذي كان يزداد تطلبا، كلما تقدّم العمر بي، ويجعلني أكثر وعيا وانتباها وأقل قابلية للاندهاش بالعريس المحتمل، ما يؤدي بي إلى مزيد من التدقيق. وبالتالي إلى رفض اللجوء إلى أنصاف الحلول، فقط كي تتغير خانتي الاجتماعية من عزباء إلى سيدة متزوجة، بغية الحصول على القبول العائلي والاجتماعي، حيث ما زال الناس ينظرون، بعين الشفقة والرثاء، إلى غير المتزوجات، حتى أن إحداهن قالت لي إن كلمة مطلقة تظل أفضل بكثير من كلمة عانس المقترنة في ذهن العقل الشرقي الجمعي بالقبح والفشل والفراغ والوحدة.

حدث أن مررت بتجربة الحب مع زميل دراسة لطيف ووسيم وطيب القلب، لكنه فقير الحال، لا يملك من أمره شيئا. لم يمنعني ذلك من الوقوع في غرامه، باعتباري امرأة بالغة عاقلة حققت إنجازا أكاديميا، وكذلك نجحت، في عملي، في خلال سنوات قليلة، وبسبب من جدّيتي وإصراري وإرادتي الصلبة، وصلت إلى منصبٍ عالٍ، نافست فيه بشراسة، وتفوّقت على زملائي الرجال، ونلت الموقع الإداري المتميز باقتدار. بهذه الطاقة والقدرة على الوصول إلى ما أريد، كنت أعيش حالة الحب، وعلى استعداد تام للتمرّد على عائلتي العريقة الثريّة، وكسر قوانينها المتعلقة باشتراط المكانة الاجتماعية من حيث الحسب والنسب والتحصيل الأكاديمي والثراء وامتلاك العقارات والحسابات البنكية. بطبيعة الحال، رفضت العائلة الرجل الذي أحب بذريعة عدم التكافؤ الاجتماعي، تصدّى ذكور العائلة لهذا الحب، واعتبروه تهديدا لمكانتها واتهموه بالطمع وبالتسلق، قلت له لا عليك. دعنا نتزوج في المحكمة، ونضع العائلة في مواجهة الواقع الذي نريد، غير أن الحبيب غير المغوار جبن وتردّد، وعجز عن مواجهة هذا الجدار العالي الذي وضعه فكر العائلة المهترئ بيننا. وبدل أن يفرح باقتراحي، ويشرع في إعداد الترتيبات التي من شأنها جمعنا في بيتٍ حلمنا به، أخذ يحسبها (بالورقة والقلم)، ويدرس ببلادة وغباء تبعات اقتراحي الأرعن.

هنا، أحسست أنه لم يحبني بما يكفي للمخاطرة، واكتشفت أني لم أعد راغبة في الزواج منه، حين لمست هذا الجانب غير المطمئن من شخصيته. تألمت وأحسست بالخيبة، ثم عملت على تجاوز حالة الحزن، مراهنة على الزمن الكفيل بمداواة أعتى الجراح.. كرّست كل طاقتي خلال سنوات من الطموح المهني لمزيد من الإنجاز والتميّز. وجدت نفسي في حالة تنافس دائمة تفرضها طبيعة العمل، بحيث جعلتني أنسى احتياجاتي الإنسانية كأنثى، حتى صحوت، في لحظةٍ مباغتة، على حقيقةٍ مريرة، عليّ مواجهتها بواقعية امرأةٍ أوشكت على عبور منتصف العمر، وما زالت تحلم باختبار تجربة الأمومة.

وجدت نفسي في حالة من الحيرة والارتباك، فقدت فيها توازني وزهوي بتحقّقي المهني، وصداقاتي الكثيرة، وحياتي الاجتماعية الحافلة بالأنشطة والأسفار. وصار يوم لقاء العائلة التي أحب عبئا نفسيا كبيراً، حيث أبناء الإخوة والأخوات يحيطون بي بحنو، هاتفين: عمتي خالتي.. وفي الروح غصة كبيرة لا تزول، لأني حرمت بقرار عائلي جائر من سماع كلمة ماما، وهذا سبب كبير لحزن وأسى مقيم، غير قابل للزوال.

المصدر: العربي الجديد – بسمة النسور