أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » قراءة في رواية “أنا الضحية والجلاد أنا” سيرة جوزيف سعادة ذلك الثأر كله، كيف لا يُشفي؟

قراءة في رواية “أنا الضحية والجلاد أنا” سيرة جوزيف سعادة ذلك الثأر كله، كيف لا يُشفي؟

رامي الأمين
هل يمكن كتابة الحرب الأهلية في سيرة ذاتية لأحد سفاحيها؟ قطعاً لا. فالحرب الأهلية اللبنانية أكبر وأوسع وأكثر تشعباً من أن تختصر في رواية أحد المشاركين فيها، لكن جوزيف سعادة ليس مشاركاً عادياً في الحرب. هو أحد صانعيها، وهو دخل اليها من غير باب السياسة. دخل اليها بدافع شخصي: قتل ولده إيلي. لم يكن جوزيف سعادة كتائبياً على الرغم من أنه كان يتجول وفي جيب سترته الأيسر بطاقة ممهورة بخاتم الحزب التقدمي الإشتراكي، وفي جيبه الأيمن بطاقة أخرى صادرة عن حزب الكتائب. كان يحمل البطاقة على سبيل الإحتياط لا أكثر. لكن موت ابنه على يد “مسلمين فلسطينيين” قلب حياته رأساً على عقب، وجعل منه أهم رجال حزب الكتائب وأكثرهم فعالية وبطشاً وإجراماً.

في سيرة جوزيف سعادة الصادرة عن “دار الجديد” تحت عنوان “أنا الضحية والجلاد أنا”، برواية فريديريك برونكيل وفرديريك كوديرك (نقلها الى العربية باسكال تابت وسعيد الجن)، تفريغ للذاكرة من كل محتوياتها التي تقبع على صدر سعادة كبلاطة. هو يتلو فعل ندامته في سيرته الذاتية، برغم قوله لكاتبيها بأنه لم يشعر بالندم يوماً. هي الحرب الأهلية اللبنانية بلسان جوزيف سعادة. الحرب من وجهة نظر كتائبي سابق شارك في جرائم حزبه المضادة على جرائم “المسلمين”. رد فعل غير مبرر على القتل بالإفراط بالقتل حتى الهوس.

تبدأ الرواية من طفولة سعادة في سوريا، مروراً بشبابه وإنخراطه المبكّر في مجال الصحافة الرياضية، واهتمامه برياضة الدراجات والسباقات، وفيها “ارشفة” لأحداث الحرب وارباطاتها الإقليمية والدولية، ومن ثم تدخل الرواية رويداً رويداً في عمق الأحداث اللبنانية مع بلوغ سعادة سناً معينة، وزواجه من لورا، وإنجاب اولاده الثلاثة رولان وإيلي ومايا. عائلة صغيرة تعيش في فرح في فترة الستينات حيث كانت بيروت “تدهش زوّارها بحريتها وكانت أشبه بجملة معترضة وسط محيطها الذي تحكمه الديكتاتوريات العسكرية”. لكن موت ابنه إيلي مع رفاقه على يد مجموعة من الفلسطينيين في زحلة قلب فرحته الى غم. وتحوّل الرجل الذي كان “يحترم الفلسطينيين ويؤيد نضالهم في سبيل العودة الى ديارهم”، الى سفاح هائج يريد الإنتقام بأي ثمن لموت ابنه. كانت هذه نقطة التحول الأولى في حياة سعادة. خاطب صورة ابنه الموضوعة على نعشه بهذه الكلمات وبدأ مسيرته: … “أصدقاؤك عند الباب ينتظرون شارة البدء. وداعاً يا أزعر والى لقاء قريب. في ما بين ذلك لا عليك، سآخذ بثأرك، سآخذ به”. الثأر كان مأربه الأول والأخير. كان يرنو الى الإقتصاص من قتلة ولده. أراد أن يشبع حقده بالقتل. وحده الدم كان قادراً على تبريد النار المستعرة في قلبه وعقله.

مع فرقة البي جين(ب.ج، نسبة الى بيار الجميل)، بدأ التخطيط والعمل مع ابنه رولان للثأر لإيلي. كان مخيم تل الزعتر قريباً من منزله، ومن هناك كان يمارس هواية الصيد، صيد الفلسطينيين. “الصيد غير القتل. القتل شيء آخر مختلف كل الإختلاف. كفاني أول صيد اصطدته لأنزل القتل هذه المنزلة”، يقول.

بداية القتل بدأت مع اختطاف أحد رجال “الجبهة الشعبية”: “امتدت يمناي الى وسطي واستلت الكولت ذا المعدن الرصاصي، حدقت بالمسدس لا بالرجل المكتّف أمامي. طلقة واحدة فجّرت جمجمته فتهاوى”. هذا القتيل الأول لم يشف غليل سعادة. شرس شرساً مرضياً، كما يقول، وكانت حجته أن ليس عنده بعد ما يخسره. صار يبحث مع البي جين عن مسلمين لخطفهم وتصفيتهم، او لمبادلتهم بمخطوفين لدى الجهة المقابلة. لكن سعادة كان يريد الوصول الى قتلة ابنه، وعندما أفاده أحد اصدقائه عن اسم أحدهم، بدأ يعد العدة ليصل اليه. وقع قاتل ابنه في كمين أعده له، لكنه استطاع ان يهرب ولم يعثر بعدها عليه.

لم ينته ألم سعادة عند هذا الحد. خطف ابنه الثاني على يد فلسطينيين أيضاً مع رفاقه. يقوم عناصر البي جين، بطلب من سعادة، بخطف شيعة لمبادلتهم بالمخطوفين الثلاثة. لكنه يكتشف بعد حين ان ولده مات مع رفيقيه. قتل على يد خاطفيه. يقوم سعادة مع البي جين بتصفية الرهائن الشيعة الذين تم خطفهم. يقوم بإرتكاب مجزرة “السبت الأسود” الشهيرة انتقاماً لولده. مئات المسلمين يتساقطون قتلى في ذلك اليوم ولا يهدأ سعادة. لا تشبع كل تلك الجثث نهمه الى الإنتقام. لم يعتمد سعادة مبدأ “العين بالعين والسن بالسن”. صار سفاحاً بكل ما للكلمة من معنى، يقتل الأبرياء ليثأر لبريء. لم يتروّ حتى يجد قتلة ابنه. كان انتقامه أعمى. صار جلاداً، بعدما كان الضحية: “كالمجنون عدت الى المركز وتابعنا انا ورينجو تصفية المخطوفين. ممددين ارضا في بركة دم كانت تأوهاتهم وحشرجاتهم تخبو شيئا فشيئا. غادرت المكان الذي ران عليه وعلى جواره صمت ثقيل… يوم ذاك عدنا لا نشبه البشر في شيء. يوم ذلك اين منا ومن توحشنا الذئاب الكواسر”، وكان المارة من الطائفة الاخرى في ذلك السبت الواقع في السادس من كانون الاول سنة 1975 “يقتلون بلا تمييز. كنا نكدس الجثث في شاحنة مغطاة يتولى امر قيادتها ثم افراغ حمولتها من اعلى احد الجسور شبان اخرون”.

بعد فترة ليست بقصيرة، يقتحم رجال الكتائب مخيم “تل الزعتر” ويعيثون فيه قتلاً وتخريباً، وهناك يعثر سعادة على قتلة ابنه، ويحصل على اذن من قيادة الكتائب باستلامهم. ينتظر أشهراً حتى موعد ذكرى مقتل ولده ليقوم بإعدامهم. في هذا الوقت يمارس عليهم التعذيب والإستجواب، وينقلهم من سجن الى آخر حتى لا يأخذهم منه أحد. يحين موعد قتلهم. يعدمهم شباب البي جين رمياً بالرصاص. مع ذلك لا يرتاح سعادة. كل هذا الدم لم يكفه.

لا شيء يبرر جرائم سعادة. ولا حتى سيرته الذاتية، أو فعل ندامته، الذي لم يتله، بل أكد جواباً على سؤال كاتبي سيرته: “هل تشعر بالندم؟” بأنه لم يشعر بالندم يوماً، “ولو لزم الأمر ان اكرر ما فعلت لفعلته ثانية بفن اكبر”. لا شيء يبرر كل هذا الحقد والقتل العبثي. ليس سعادة وحده من يفقد أولاده ظلماً. لنا ان نتذكّر، على سبيل المثال لا الحصر، عميد الصحافة اللبنانية غسان تويني كيف تعامل مع مقتل ولده الحبيب جبران، وكيف دعا الى دفن كل الأحقاد معه.