أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » قاصرات سعوديات.. زيجات قسريّة والقانون لا يردع

قاصرات سعوديات.. زيجات قسريّة والقانون لا يردع

في كلّ مرّة يظنّ السعوديون فيها أنّ زواج القاصرات بات من الماضي، تظهر حالة جديدة لتشغل الرأي العام وتعيد القضية إلى الواجهة. ولعلّ زواج شيخ في الثمانين من عمره بفتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة في مدينة أبو عريش (جنوب) من الحالات الأبرز التي ضجّ بها الشارع السعوديّ خلال الأشهر الأخيرة. يُذكر أنّ وزارة العدل تدخّلت حينها، بسبب مخالفة مأذون الأنكحة الشروط التي تستلزم موافقة الفتاة على الزواج.

خلال الأسبوع الماضي، تناقل سعوديون غاضبون خبر عقد قران شيخ قبيلة تجاوز السبعين من عمره على قاصر لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها في مدينة تبوك (شمال). على الأثر، تحرّكت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بهدف متابعة القضية، وأجرت اتصالات بإمارة منطقة تبوك في محاولة منها لوقف هذا الزواج. لكنّ ذلك لم يتمّ، إذ إنّ الفتاة أكّدت للجنة التي حققت في القضية أنّها مقتنعة بزوجها الذي يتمتع بصحة جيدة وأنّها سعيدة بهذا الزواج.

إلى ذلك، وعلى الرغم من أنّ أمير منطقة تبوك أمر بوقف أيّ إجراءات تتعلق بهذا الزواج وإحالته إلى المحكمة للبتّ به شرعاً، إلا أنّ المحكمة أجازت الزواج وقد دافع والد العروس مصلح العنزي عن قراره هو وابنته، مشدداً على أنّ هذا أمر خاص ولا علاقة لأحد به.

المشكلة في هذا الإطار هي أنّ كل جهود الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الهادفة إلى وقف هذا النوع من الزيجات، تذهب سدى في ظل عدم توفّر أيّ فتوى دينية تحدّد سنّاً أدنى لزواج الإناث. كذلك، لم تحدّد أيّ قوانين هذه السنّ، وما زال قانون الأحوال الشخصية المعروض على مجلس الشورى السعودي منذ خمس سنوات يراوح مكانه، وسط اعتراض كبير من قبل التيار الديني. وهذا ما يبيح للقضاة تزويج الفتيات دون الخامسة عشرة. يُذكر أنّ ثمّة حالات لم تتجاوز فيها العروس العشرة أعوام. ويقول هنا نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، الدكتور خالد الفاخري، لـ “العربي الجديد” إنّ “المادة 16 من القانون من الفقرة 3 من اللائحة التنفيذية، تنصّ على أنّه قبل إبرام عقد الزواج لا بدّ من التأكد من أنّ ذلك لن يلحق الضرر بمن يقلّ عمره عن 18 عاماً، وأنّه يحقق مصالحه الفضلى، ذكراً كان أم أنثى”. يُذكر أنّ القضاة الذين يعملون بذلك قلّة.

قضايا خفية

قضية أبو عريش لم تكن لتظهر إلى العلن لو لم يتقدّم الزوج الذي دفع نحو 100 ألف ريال سعودي (نحو 27 ألف دولار أميركي) مهراً للقاصر، بشكوى للمحكمة بحجّة أنّها تمتنع عنه، مطالباً بردّ المهر. وهو الأمر الذي دفع القاضي سعود الشمري إلى استدعاء المأذون الذي أجرى عقد النكاح، ومساءلته عن تزويج فتاة قاصر من رجل تجاوز 84 عاماً. كذلك حوّل المأذون إلى التحقيق حتى لا يتكرر ذلك مستقبلاً.

هذه القضيّة، كان لها أن تظهر فيما آلاف الحالات ما زالت مخفيّة. وبحسب تقارير رسمية صادرة عن وزارة العدل السعودية، سُجّلت أكثر من ستة آلاف زيجة لقاصرات في عام واحد، في حين سُجّلت 61 ألفاً و468 زيجة لقاصرات تتراوح أعمارهنّ ما بين 15 و17 عاماً، في الفترة الممتدة من 2007 إلى 2016. إلى ذلك، تبيّن دراسة للمركز الوطني للحوار أنّ مدينتي الجوف وجازان سجّلتا أعلى عدد من عقود زواج القاصرات، وقد تراوحت سنّ العدد الأكبر من هؤلاء ما بين 16 و18عاماً.

جهود قاصرة

منذ عام 2013 تحاول وزارة العدل ضبط هذا النوع من الزيجات التي يشوّه صورة البلاد أمام العالم، لكنّها فشلت في الحدّ من ذلك. وتكشف التقارير الرسمية ثلاثة آلاف و855 زيجة لفتيات دون الخامسة عشرة من عمرهنّ في السنوات الثلاث الأخيرة، فيما سُجّلت خمسة آلاف و822 زيجة لفتيات دون السادسة عشرة، وسبعة آلاف و758 زيجة لفتيات دون السابعة عشرة.

وتوضح رئيسة برنامج الأمان الأسري الوطني السعودي، مها المنيف، لـ “العربي الجديد” أنّ “اتفاقية حقوق الطفل التي وقّعت عليها السعودية قبل عشرين عاماً تُعرّف الطفل بأنّه من يقلّ عمره عن 18 عاماً، وبالتالي يحظر تزويج الفتيات اللواتي تقلّ أعمارهنّ عن عمر الطفولة. لكنّ المشكلة تكمن في الثقافة المجتمعية السائدة التي تشجّع على تلك الممارسة وتزويج الصغيرات”. وتشير إلى أنّ “البرنامج يتحرّك عندما يكون فارق العمر بين الزوج والزوجة أكثر من أربعين عاماً. لكنّ الزيجات التي تتمّ من دون علم أحد كثيرة جداً”.

من جهتها، تؤكد الناشطة الحقوقية الدكتورة هتون الرشيد أنّه “مهما فعلت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أو وزارة العدل لوضع قيود على هذا النوع من الزيجات، إلا أنّها تواجَه بتيّار ديني يرفض ذلك بحجة أنّ وضع القيود مخالفة للشرع”. وتقول لـ “العربي الجديد” إنّ “المشكلة تكمن في العادات والتقاليد السائدة في بعض المناطق حيث العائلات تعدّ بناتها عبئاً يجب التخلّص منه، حتى لو كان لصالح عجوز في الثمانين”. تضيف أنّ “آباءً كثيرين يطمعون في المال أو يريدون تسديد دين ما أو تأتي خطوتهم تلك من باب الوجاهة فحسب، من دون الأخذ في الاعتبار ما يمكن أن يحدث للفتاة من ضرر نفسي وجسدي في حالات كثيرة. فهي تفقد طفولتها وتجد نفسها وقد تأثرت حياتها بطريقة كبيرة من دون أن يهتمّ بها أحد، حتى أقرب الناس إليها”. وتشدّد الرشيد على أنّ “زواج القاصرات ينتشر أكثر في القرى والمناطق الحدودية نتيجة عدم التعليم والثقافة. كذلك فإنّ العادات القبلية في تلك المناطق ترى في الزيجات بين القاصرات وكبار السنّ نوعاً من الوجاهة الاجتماعية”. بالنسبة إليها، “التضارب الديني والتشريعي هو سبب تأخّر كلّ القوانين التي يطالب بها الحقوقيون”.

خلاف ديني

تواجَه جهود الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ووزارة العدل بتيار ديني متشدّد يبيح تلك الزيجات، لذا فإنّ ما نجحتا فيه بعد سنوات من العمل هو وضع شرطَين لإتمام الزواج. الأوّل فحصها من قبل طبيبة لإثبات قدرتها على الزواج جسدياً ونفسياً، وأن يكون عقد النكاح عن طريق المحكمة وليس المأذون. بالتالي، يُمنع كلّ المأذونين من تولّي ذلك إلا بموافقة خطية من قبل المحكمة المختصة.

ويتمسّك رافضو قانون تحديد سنّ الزواج، بأنّ النبي محمد تزوّج من السيّدة عائشة وهي في التاسعة من عمرها، فإنّ أستاذة الشريعة وعضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد، تقول إنّ “الرسول الكريم تزوّج من السيدة عائشة وهي في التاسعة عشرة. يتمسّكون بأحاديث ضعيفة لمنع قانون زواج القاصرات الذي بات ضرورة ملحّة للجميع”. تضيف لـ “العربي الجديد” أنّ “الرسول الكريم رفض تزويج فاطمة حتى بلغت الثامنة عشرة من عمرها، وهذا تأكيد على ما نقوله”. وتشدّد حماد على أنّ “تحديد سنّ زواج الأنثى بثمانية عشرة عاماً يتفق مع الأدلة الشرعية. هذه هي السنّ المناسبة للزواج، إذ تكون الفتاة بكامل أهليتها العقلية والصحية والجسدية. وما يستند إليه علماء وفقهاء كثيرون لإباحة زواج القاصرات متحججين بزواج الرسول الكريم من السيدة عائشة، مبنيّ على أدلة ضعيفة لا ترتكز على دليل شرعي قاطع”.

تجاهل متعمّد

في السياق، تؤكد المستشارة القانونية ريم عجاجة أنّ ارتفاع نسب الطلاق في السعودية يعود بالدرجة الأولى إلى انتشار زواج القاصرات. وتقول لـ “العربي الجديد” إنّ “أولياء أمور كثيرين يتجاهلون بناتهم في الزواج، بحجّة أن لا رأياً لهنّ. وعلى الرغم من المحاولات القانونية لاستصدار تشريع ملزم بذلك، إلا أنّ تحكّم الآباء يجعله مجرّد حبر على ورق لا أكثر، في حين أنّ القضاة الذين يلتزمون به قلّة”. تضيف أنّ “ثمّة نظاماً جديداً ننتظر صدوره للحدّ من ذلك، بالإضافة إلى قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي يحدّد سنّ الزواج. ونتمنى ذلك في أسرع وقت ممكن، لوضع حدّ للتجاوزات ومعاقبة من يرتكبها”. وتعيد عجاجة “صعوبة حلّ المشكلة إلى عادات وتقاليد متغلغلة في المجتمع، خصوصاً حيث الجهل وقلة التعليم”. وتلفت إلى أنّ “ثمّة دراسات قائمة لتحديد سنّ الزواج، لكنّها ما زالت مشاريع قوانين غير ملزمة. لكنّها يجب أن تكون صارمة، فلا يتمّ أيّ زواج دون الثامنة عشرة ولو بقوّة القانون”.

المصدر: العربي الجديد – الرياض ــ خالد الشايع