أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » مذكرات فراس الأسد الحلقة الثانية

مذكرات فراس الأسد الحلقة الثانية

ربما كانت الساعة قد قاربت الثامنة صباحا…

خرج والدي من باب القصر ضاحكا و مرحبا، و راح يسألني عن السرعة التي سرت بها حتى وصلت إلى باريس، و عن السيارة ان كانت بحالة جيدة أم لا، و عن الطقس البارد جدا و لماذا لا أرتدي ملابس مناسبة لهذا البرد… و عن سومر الذي ظل مستيقظا حتى هذه اللحظة ليرحب بأخيه…

و هكذا استمر الحديث عن العائلة و حكايات الأخوة في باريس لحوالي الساعة من الزمن أو أقل..

لم أتحدث عن موضوعي، و هو لم يأت على ذكره أبدا، كان يصمت أحيانا ليرى ان كنت سوف أتطرق إلى ذلك، و كنت أصمت بالمقابل لأعطيه الفرصة للدخول إلى الموضوع بطريقته بعد الانتهاء من الأحاديث المُصنّعة لتلك اللحظة..

بعد ما يقارب الساعة من المشي المتواصل في تلك الساحة الأمامية للقصر، ذهابا و إيابا لعشرات المرات، و هي عادةٌ كان يهواها والدي كثيرا و يمارسها في الكثير من الأماكن، و قد كان لتلك العادة أسباب أخرى غير تلك البديهية و المتعلقة بالنشاط الصحي، و من دون أن يتطرق إلى موضوعي أو أن يلمح إليه.. فجأة مد يده إلي مصافحا و قال: اذهب إلى “باسي” لترتاح و غدا أو بعد غد نلتقي مجددا..!!!

“باسي” هي منطقة في الدائرة السادسة عشرة من مدينة باريس، و هي منطقة معروفة بسكانها من الطبقة الغنية، يوجد فيها بناء ضخم كبير على مقربة من بناء “إذاعة فرنسا”، و “يملك” والدي في ذلك البناء عدد كبير من الشقق السكنية، و كان له فيها في منتصف الثمانينات مكتب يجتمع فيه بشكل دوري مع ضباطه و شخصيات أخرى كانت في عداد “الوفد”، و كان هذا المصطلح “الوفد” يُستعمل من قبل الجميع للإشارة إلى كافة السوريين التابعين للوالد في باريس و الذين كانوا جميعهم يقبضون الرواتب الشهرية منه.. و كان عددهم بالمئات في منتصف الثمانينات!

أصابني الارتباك عندما صافحني و طلب مني الذهاب إلى النوم في باسي!!! و المشكلة أنه لم ينتظر حتى أجيب أو أعقب على طلبه بأي كلمة، قال كلمته و سار باتجاه باب القصر مصطحبا أخي سومر معه..!!!!

لن أتطرق في هذا الموضع إلى طبيعة علاقتي بوالدي، أو إلى طبيعته هو شخصيا، فذلك حديث آخر، و كل ما سوف أرويه هنا يخلو من الشرح حول أحاسيسي و مشاعري و تفاعلاتي مع اللحظات المختلفة و الخلفية السيكولوجية لكل فعل أو رد فعل، هو حديث حياة بدأت قبل خمسة و عشرين عاما و لم تكن قد توقفت بعد.. ما أستطيع قوله اليوم أن هذا الموقف هنا لم يكن مستغربا بالنسبة لي بكل الأحوال..

نظرت إليه و هو يمشي مسرعا باتجاه القصر، و عندما يعطيك والدي ظهره فذلك يعني أن عليك الحذر من استدارته ان استدار إليك مجددا…

طبعا هو اعتبر بأن الساعات التي قضيتها على الطريق إلى باريس كانت كفيلة بتهدئتي و إبعاد تلك الأفكار “السوداوية” عن رأسي، و قد اعتبر أيضا بأن صمتي و عدم ذكري للموضوع في ساعتنا الأولى هو دليل تردد أو خوف، و من هذا المنطلق فقد أراد إعطائي الفرصة للمزيد من التردد على أمل أن تختفي كليا تلك الأفكار المجنونة من رأسي..

كنت أنظر إلى ظهره و لم أكن أرغب باستدارته في تلك اللحظة، و لكن المشكلة أن رغبتي في الرحيل إلى العراق في تلك اللحظة كانت أقوى من أي شيء آخر.. كنت أريد في تلك اللحظة أن أصنع من حياتي شيئا آخر غير الذي كنت فيه..

ناديته بصوت عال ليسمعني… فلم يستدر!

بعد ذلك الصوت.. أصبح الموضوع أصعب بعشرات المرات مما كان عليه قبل لحظة واحدة..

و لكن قراري العراقي كان قد سيطر على مشاعري تماما و لم أكن لأتراجع عنه وقتها بدافع الخجل أو الحرج أو الخوف…

ناديته مجددا… كان صوتي هذه المرة أقرب إلى الصراخ…. و لكنه أيضا لم يستدر!!!!

كنت أستطيع في تلك اللحظة أن أصعد في سيارتي و أذهب إلى حيث أشاء، و لكن المشكلة أن المصافحة كانت على “باسي” و ليست على بغداد!!! كانت تلك المصافحة المفاجئة و السريعة بالنسبة له عبارة عن اتفاق، أو عهد، أو وعد على أقل تقدير، مفاده أنني سوف أذهب لأنام… فقط لأنام.. و لا شيء آخر!!

ألم يكن يكفيني خمسة و عشرين عاما من النوم؟!!!

لم أكن أريد أن أخرق اتفاقا أو أن أخون عهدا، و لم أكن أملك أن أجعله يستدير إلي، فقررت أن أعقد اتفاقا جديدا بنفس الطريقة و بنفس الأسلوب الذي عُقد به اتفاق “الذهاب إلى النوم”..

“أنا ذاهب إلى العراق”…!

لا أعرف ان كان سكان البيوت المجاورة قد سمعوا صوتي وقتها و لكني رفعته بما يكفي بكل تأكيد ليسمعه والدي، كانت الفكرة بالنسبة لي هي إما أن يستدير هو باتجاهي أو أكون أنا قد وضّحت موقفي من اتفاق النوم الأحادي و أعدت الحديث إلى أصله و وضعت نفسي مجددا على الطريق الذي اخترت السير فيه قبل عدة ساعات..

كان والدي على وشك الدخول من باب القصر عندما سمع صوتي و توقف مباشرة..

ما زلت أذكر أن أخي سومر، و الذي ظل طوال الوقت صامتا تماما، و في اللحظة التي توقف فيها والده عند سماع صوتي، ما زلت أذكر كيف استدار إلى اتجاه جانبي و سار بضعة خطوات بعيدا عن والده و هو ينظر إلى الأرض أمامه متحاشيا تماما النظر باتجاهي..

استدار والدي في مكانه و بقي ثابتا هناك، و مرة أخرى نظر إليّ تلك النظرة التي كنت قد اعتدت عليها عاما بعد عام. وقف هناك ينظر إلي بصمت رهيب…

مرت الثواني صعبة جدا..

ثوان لم تكن تشبه الدقائق أو الساعات، لم تكن تشبه الزمن بأي شيء، هي ثوان مصنوعة من عناصر تُناقض الزمن و تعاكسه في الاتجاه..

توقعت في لحظة تفاؤل مصطنعة أن يستدير مجددا إلى حيث كان و يتابع سيره إلى داخل القصر تاركا إياي لقراري و حريتي… و لكنه لم يفعل ذلك!

وضع يده اليمنى في جيب بنطاله… و بدء يسير سريعا باتجاهي!

ساعة من الزمن مضت كانت في حقيقتها دوران حول الزمن، و دوران حول الجوهر، و دوران حول الواقع… ساعة من الزمن كان الهدف منها الغوص في اللاواقع، و نكران اللحظة حتى تمر و كأنها لم تكن..

الآن، و قد هجم الواقع، و انهزم الوهم كليا…

الآن تبدأ ساعة الحقيقة..

و الآن، و فقط الآن..

قد وصلتُ إلى باريس!

رأيت أخي سومر يدخل إلى القصر مسرعاً..

وصل والدي إلى مقربة مني، و من ثم غير اتجاهه قليلا و قال لي و هو يتابع سيره بسرعة و عصبية، و يدعوني للسير إلى جانبه مجددا: امشي لشوف!

أسرعت بالخطى قليلا لألحق به من موقعي المتأخر، و بدأنا مرة أخرى رحلة الذهاب و الإياب في تلك الساحة أمام القصر..

مر على أقل تقدير عشرة دقائق من الزمن لم ينطق بها والدي و لو بحرف واحد، و خلال تلك المدة كنت قد استجمعت شجاعتي لأكسر الصمت و أحاول الانتهاء من كل ذلك لأبدأ رحلتي الأصعب باتجاه بغداد..

“أنا لم أحضر إلى باريس لأنام في باسي، و لم أحضر للسياحة، و لم أحضر للعمل، أتيت فقط لكي أودّعكم و أرحل… و هذا ما اتفقنا عليه في حديثنا على الهاتف”..

كان والدي و منذ سنوات بعيدة، منذ أن قرر ترك عادة التدخين، كان قد عود نفسه على مضغ “العلكة” في أوقات مختلفة، و كان وقته المفضل لذلك عندما يتمشى، مع من هم من العائلة أو المقربين، و يتحدث معهم في أمور شتى.

توقف والدي عن المشي فجأة بمجرد أن أنهيت كلامي، و بصق بعيدا تلك العلكة التي كانت في فمه، و نظر إلي طويلا ثم قال:

– “هل تعلم بأن عمّك حافظ قد أرسل جيشاً ليشارك في الحرب على العراق”..؟!!

أجبت: نعم أعلم..

– “و هل تعلم بأن فرنسا قد أرسلت جيشاً ليشارك في الحرب على العراق”..؟!!

– “نعم أعلم”..

– “و هل تعلم بأن السعودية تعتبر أن المعركة على العراق اليوم هي معركة مصير بالنسبة لها”..؟!!

– “نعم أعلم”..

و هنا قال بسخرية شديدة و أتبع ذلك بضحكة ساخرة:

– “و هل تعلم كيف سيكون رد فعل عمّك حافظ عندما تذهب أنت إلى العراق”..؟!!

أجبت: لن يكون سعيدا بذلك على ما أظن، كما أنت اليوم لست سعيدا بذلك..

و تابعت: و لكن أنا لا أفهم أين المشكلة في ذهابي….؟ تستطيع العائلة أن تتبرأ مني لو أردتم ذلك.. و تنتهي المشكلة عند هذا الحد..!

فقال و هو غير مصدق لما يسمع: و من سوف يقنع عمك حافظ بأنك لم تذهب بالتنسيق معي إلى العراق؟!!!!

فأجبت: أنا مستعد لأفعل أي شيء يساهم في توصيل الصورة الصحيحة له! هل تريدني أن أتصل بالقصر الجمهوري فأبلغهم بأن هذا هو قراري وحدي؟

قال: حتى لو بلعت القرآن.. لن يصدق عمك أنك ذهبت من دون موافقتي!!!!!!

قلت: تستطيع أنت أن تعلن موقفا علنيا مني، تتبرأ فيه من “فعلتي الشنيعة” و تعلن عدم مسؤوليتك عما حدث. أنا عمري خمسة و عشرين عاما و لي كامل الحق بفعل ما أراه مناسبا لحياتي.. و هذا ما سوف يفهمه الجميع!

كان من طبيعة والدي، و هنا أجد نفسي مضطرا للحديث عنها من هذه الزاوية للضرورة، كان من طبيعته أن يستخدم كل هوامشه دفعة واحدة مع من يعتبر أنهم لا يملكون الحق في نقاش أوامره أو في التردد بشأن تنفيذ رغباته، و تحديدا مع الذين لا يملكون الجرأة الأدبية للتشكيك في دقة الكلام الذي يقوله أو للتقليل من جدية التحليل أو المنطق الذي يستعمله، و يكون هدفه الوحيد من خلال استخدام كل تلك الهوامش هو حسم النقاش لصالحه بشكل سريع و إلغاء كل الحجج التي يملكها الطرف الآخر مهما كانت قوية أو منطقية..

و حتى أختصر الفكرة فقد كان والدي يلجأ في حالات مماثلة إلى استخدام مبالغات كبيرة جدا للضغط على محاوره.. و هو على ثقة بأن الطرف الآخر لا يملك الجرأة الأدبية للتشكيك بالمطلق بتلك المبالغات..

و بدأت أصعب مرحلة من ذلك النقاش المرير، و أقول مرير لأنه ليس نقاشا بالمعنى التقليدي للكلمة و إنما كان صراع بين من يحاول كسر إرادة الآخر بأي ثمن و بين من يحاول الصمود ليبقى على موقفه و ينتصر لصوت الضمير الذي كان يصنع ضجيجا كبيرا في عقله و قلبه..

“ألا تخاف على أمك أن تُطرد من بيتها في دمشق”..؟!!!

“ألا تخاف على أخوتك و مصيرهم في سوريا”..؟!!!

أجبته: لا.. لا أخاف، و أنا واثق بأن الرئيس لن يكون لديه أي رد فعل سيء و لن يعطي للموضوع أهمية كبيرة!!

فسأل غاضبا: و من يعرف حافظ الأسد أكثر… أنت أم أنا؟!!!!!!!

فأجبت: أنت طبعا…. أنت تعرفه أكثر مني بكثير، و لكن ليس من المنطق توقع هذه الأمور منه!!!

كما قلت.. هو لم يكن يقصد ما يقوله عن رد الفعل في دمشق و لكن كان ذلك هو أسلوبه لاجباري على الرضوخ لرغبته..

“ان كنت أنا من يعرفه أكثر فأنا من يقرر كيف سيكون رد فعله حينها… و ليس أنت!!”..

“نعم أنت تعرفه أكثر مني بألف مرة و لكن التجربة و الواقع يقولان بأنه لن يفعل أي شيء”..

و هنا بدأت ملامح غضب كبير تظهر على وجهه..

“أي تجربة و أي واقع يا فيلسوف… ماذا يحدث لعقلك؟؟!!!”… “انت شو صايرلك؟!!!”

“مو صايرلي شي… و لكن نزول دبابات سرايا الدفاع إلى شوارع دمشق، و ما حدث بينك و بينه منذ سبع سنوات هو أكبر بمليون مرة من ذهابي اليوم إلى العراق، و مع ذلك فإن بيوتك كلها في سوريا ما زالت هناك، و العائلة كلها في أحسن حال هناك، و أبناؤك يعملون و يمارسون نشاطاتهم التجارية، و لهم مكانتهم في سوريا، و لا يُردّ لهم طلب، و لا يجرؤ مخلوق في سوريا على الاقتراب منهم، و فوق كل ذلك أنت نفسك ما زلت نائبا للرئيس!!! فكيف يمكنك إقناعي أنهم اليوم، أو أنكم اليوم، سوف تدفعون ثمنا لفعل “طائش” أقوم به أنا، لا يؤثر بأي شيء على الدولة السورية، و يكون مدان بالكامل من قبلكم؟؟!!!!!

“طيب، يعني مو فارقة معك أمك و أخواتك بسوريا….. لجهنم الحمرا مو هيك..؟!!”…

“طيب و نحنا هون… كمان لجهنم الحمرا؟؟!!!!!

و يستمر الضغط النفسي على أشده..

قلت: “أنا واثق تماما مما أقول و لا أرى أي خطر على أي واحد فيكم”..

و هنا بدأت المرحلة الأصعب من ذلك الصراع، مرحلة كسر العظم، و هنا بدأ والدي باستخدام هوامشه الأخرى، تلك الهوامش التي استخدمها معي بكل فعالية في السابق و نجح بها نجاحا باهرا..

كان والدي، في عام 1984، قد طلب مني إيقاف دراستي في الولايات المتحدة و القدوم للإقامة و العمل في أوروبا بعدما كان قد خرج هو من سوريا بناء على اتفاق مع شقيقه حافظ بعد الأزمة الشهيرة بينهما، و كنت قد اعتذرت عن ذلك معربا له عن رغبتي في البقاء في الولايات المتحدة و متابعة دراستي هناك. و عندما أصر على طلبه حينها، و شرح لي أسباب حاجته إلى وجودي معه، و هي أسباب سيكون لها مكان بارز في ذكريات قادمة، سألته عند ذلك لماذا لا يطلب من أخي مضر، أو أخي دريد، و كلاهما أكبر مني سناً، لماذا لا يطلب منهما القدوم للسكن و العمل معه في أوروبا؟

و احتراما مني لأخوتي فأنا سوف أختصر هنا إلى أبعد الحدود، و سوف أكتفي بالقول أن والدي عبّر عن غضبه منهما، و بأنه أعلمني بمحاولات عديدة كان قد أجراها معهما لإقناعهما بالمجيء و لكن دون جدوى..

و الحقيقة أن محاولاته تلك لم تتوقف إلا بعد سنوات، و قد كنت شاهدا على العديد من تلك المحاولات، و خصوصا مع أحدهم، و بعضها كانت مؤلمة على المستوى النفسي و المعنوي..

“مضر و دريد تخلوا عني، قاعدين عم يقصّوا دهب بسوريا، و سومر أكبر أخوتك الصغار لساتو في الثانية عشر من عمره….و ما باقي عندي غيرك!!”

“أنت أملي الوحيد…. فلا تتخلى عني”..

لن أخوض هنا في التفاصيل أكثر و لكن مختصر الحكاية أن والدي وقتها كان قد حشرني في زاوية أخلاقية ضيقة، و جعل من قراري، بالرفض أو بالقبول، مسألة مصيرية بالنسبة له و لأخوتي السبعة الصغار الذين كانوا برفقته..

والدي لم يكن رجلا عاديا في سوريا، و قد كبرنا و نحن نرى الناس من حولنا تهابه و تخافه و ترتعد فرائصها لمجرد رؤيته أو سماع صوته. كان لقب “القائد” قد التصق به تماما، و كان الناس يضربون له التحية في كل مكان. كبرنا و كل من كان حولنا يقول لنا بأن حياتهم و حياة أولادهم فداء لسيادة القائد، و بأن القائد فضله على الكبير و الصغير في سوريا، و بأن القائد يخافه العالم أجمع ابتداء باسرائيل و انتهاء بأمريكا.

كان سيادة القائد في تلك اللحظات يطلب مني أنا، ابن الثامنة عشر عاما، مساعدة مصيرية تتعلق به و بأخوتي الصغار. كان يتكلم معي و هو يحضن أختي الصغرى ناتال، ذات الثمانية أعوام، و يحملني مسؤولية الصعوبات و المضايقات التي سوف يعانون منها جميعا ان لم أقبل بالمساعدة و الالتحاق بهم في أوروبا!!

كان حلمي أن أدرس الهندسة في أوروبا أو أميركا، و كان حلمي قد بدأ يتحقق من خلال وجودي في الولايات المتحدة و قيامي بدراسة اللغة الانكليزية في جامعة ولاية كولورادو تحضيرا للمرحلة الجامعية. و كان علي في تلك اللحظة أن أختار بين حلم شخصي في بناء مستقبل أرى فيه سعادتي و حياتي، و بين ما يُقال لي بأنها ضرورة قصوى تحمي والدي و أخوتي الصغار من الأعداء و المتربصين بهم في سوريا و في أوروبا.

عرض علي والدي عرضا و قبلته، و كان الاتفاق الذي سوف أتحدث عنه في مكان آخر!

و سوف أعترف هنا بأن قبولي لذلك العرض لم يكن لقناعتي المطلقة بالأسباب التي قُدِّمت إليّ.. و إنما بسبب الخوف الذي كان يتملكني في تلك اللحظات..

و للتوضيح من دون إيضاح…

أنا أريد أن أكتب عن تلك الحكاية في ذكريات مستقلة تماما لأن فيها كانت البداية لشقاء كبير، و تعاسة كبرى أصابت حياتي بعدما اعتقدت أنني قد وصلت إلى عمر أستطيع فيه النجاة من الألم الذي عشت معه طيلة حياتي قبل ذلك..

أنا لم أكن أملك الخيار حقيقة، فإما القبول….. و إما القبول!

و بالعودة إلى باريس، و إلى حديث العراق، فقد استعمل معي والدي نفس ذلك الأسلوب الضاغط أخلاقيا بشكل كبير..

كان سومر قد عاد للانضمام إلينا بعد فترة من الغياب داخل القصر..

“أنت تريد أن تذهب بنا إلى الجحيم..!!!”..

“ماذا تعتقد أن تكون رد فعل الدولة الفرنسية على ذهابك إلى العراق؟!!!”.. قال والدي بكل ثقة..

كان والدي لديه علاقة قوية جدا مع الدولة الفرنسية و لديه في إطار الطبقة السياسية و الأمنية علاقات شخصية متعددة، و كان جميع السوريين التابعين له في فرنسا يحملون إقامات فرنسية و التي كان يتم الحصول عليها بمجرد الطلب إلى ضابطة اتصال فرنسية، تدعى نادين على ما أذكر، و كانت منتدبة من قبل وزارة الداخلية لدى الوالد للاهتمام بجميع الشؤون المتعلقة به و تأمين ما يلزم على مستوى العلاقة مع الحكومة الفرنسية. و كان لوالدي عدة لقاءات مع الرئيس الفرنسي في حينها فرنسوا ميتيران، و قد حضرت أحد تلك اللقاءات في منزل المرحوم فرنسوا دوغروسوفر و الذي كان صديقا شخصيا و مستشارا للرئيس الفرنسي، و كانت حاضرة معنا في ذلك الاجتماع كمترجمة الآنسة أمل قزعون اللبنانية الجنسية و التي كانت من أقرب المقربين إلى العائلة وقتها و كان لها العديد من النشاطات الإدارية و التجارية معنا في فرنسا و إسبانيا.

كانت فرنسا تتعامل مع والدي بصفته نائبا لرئيس الجمهورية العربية السورية لشؤون الأمن.. و لهذه أسبابها الموضوعية التي سوف أتحدث عنها في ذكريات أخرى.

كان لدى الكثيرين من أفراد “الوفد”، و هم مجموع السوريين التابعين للوالد في فرنسا كما شرحت سابقا، كان لديهم زوجات و أولاد… و كانوا جميعهم مهددون بذلك الجحيم الذي يتحدث عنه والدي..

و كان أخوتي السبعة الصغار يدرسون في مدارس باريس منذ سنوات و لهم حياتهم المتكاملة هناك..

و حتى أصل مباشرة إلى عمق الحديث…

قال والدي: سوف يطردوننا من فرنسا بكل تأكيد، سوف يحملونني المسؤولية المباشرة، حتى و ان صدّقوا بأنك ذهبت من تلقاء نفسك فهم لن يتخذون موقف المدافع عني و لن يستطيعوا تحمل الضغط الإعلامي الفرنسي الذي سوف يقع عليهم لاستضافتهم و تكريمهم لمن يقف علنا ضد بلادهم في حروبها!

و تابع والدي: سوف يحجزون على أموالنا و عقاراتنا و كل أملاكنا هنا، و سوف ترفض كل دول أوروبا استقبالنا حينها، و سوف تتسبب لأخوتك بالتشرد و الضياع…!!!

“قل لي ماذا أفعل بكل هؤلاء الناس الذين يعتمدون علينا هنا… هم و عائلاتهم..؟!”..

كنت أتمشى، و أسمع، و أفكر..

و لم يكن بإمكاني إلا أن ألاحظ أن عدد الحراس، و الذين كانوا قد ذهبوا للوقوف عند البوابة الخارجية للقصر، قد ازداد إلى أربعة..

1

 

2



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع