أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » ظواهر عاطفية بالصحافة السورية

ظواهر عاطفية بالصحافة السورية

عادة، أو في غالب الأحايين، يترافق ارتفاع حروري مع الحب والولاء بسورية، ولأن الصحافة تأريخ ومرآة البلد يتجلى الغرام على الصفحات والشاشات، إلى أن تزول الحرارة فتقلب الميازين ولحد الدهشة، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

في سورية التي يحكمها الأسد، يتحوَّل رائدُ الفضاء الوحيد في سورية، اللواء محمد فارس، بلمح البصر، من نجم عالمي، إلى عميل للإمبريالية والصهيونية العالمية، لمجرد وقوفه إلى جانب ثورة السوريين.

يوم انشقَّ معاون وزير النفط، عبدو حسام الدين، وكان أول مسؤول حكومي ينشق مع بداية الثورة في عام 2011، جاءنا تعميم يتضمَّن توجيهاً للصحف السورية، بضرورة التأكيد على أنه ليس لدينا معاونُ وزير بهذا الاسم!

ووصلت الانقلابات المفاجئة في الصحافة السورية إلى ذقن “أبي جمال” عبد الحليم خدام. في تلك الأيام كان معروفاً في الأوساط الإعلامية السورية أن “خدام” هو الموجه الأول، المسؤول الأول، المراقب الأول لأداء الإعلام والإعلاميين. كان المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بعد كل نشرة أخبار يبثها التلفزيون السوري، ينتظر هاتفاً من أبي جمال، إما للثناء عليه، والشكر له وللعاملين، أو للتقريع واللوم والـ”بهدلة”، وأحياناً الإقالة.

ولكنْ، خدَّام، لم ينجُ من قذائف الإعلام السوري بعد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم عام 2005، وقت تقدم باستقالته من القيادتين القطرية والقومية لحزب البعث، فظهرت نواياه الانشقاقية بالتزامن مع مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، فبدأت الإشارات والتوجيهات تأتينا نحن معشر العاملين في الإعلام السوري، أن: تقصّوا عن ثروة خدام، انكشوا في تاريخه، ألمحوا لتآمره، وعمالته، إلى آخر ما هنالك من عبارات ذات طبيعة توجيهية.

سأشير هنا إلى صحافي قديم، كان يعتبر نفسه محمد حسنين هيكل سورية، ويدعي أنه مظلوم، وأنه لم ينل حقوقه. ومع أنه ليس بعثياً فقد شاءت الأقدار أن يعمل في جريدة “البعث” أربعين سنة متواصلة، ومن دون فاصل منشط.

في مطلع التسعينيات، بدأنا، نحن خريجي كلية الصحافة، نتسلل إلى الجرائد الرسمية الثلاث، بحكم عدم وجود سواها ومنع القطاع الخاص من الاستثمار في حقل الإعلام آنذاك، ولكوننا أغراراً مستجدين فقد كنا نصغي إلى أحاديث الصحافيين المخضرمين وحكاياتهم بشيء من الإجلال، ولكننا، إذ نراقب تصرفاتهم، تعترينا الدهشة، والاستغراب.

فمثلاً، ذات مرّة، دخل إلى مبنى الجريدة زميلٌ لنا من الخريجين الجدد اسمُه غسان، وهو، للأمانة، شابٌ لطيفٌ ومُهذّب. وبالمصادفة، كان، ميشيل خياط، واقفاً بالقرب من المصعد‏، فألقى عليه المحرر الشاب التحية بكل ود واحترام: “صباح الخير أستاذ ميشيل”، وتابع سيره، فصرخ الأستاذ، ميشيل، بصوت رجّت له أعمدة مبنى الجريدة: غسان، وَقِّفْ ! فما كان من غسان، الصحافي المبتدئ، إلا أن توقف وسأله بأدب: “خير أستاذ ؟ شو في؟” فرد ميشيل خياط:

– البلد كلها مضطهدتني، وأنت كمان بتسلم علي هيك، عالماشي؟!

لا يكف الصحافي السبعيني المتقاعد ميشيل خياط، حتى الآن، عن التشكي والتعبير عن المظلومية. فالقيادة الحكيمة كانت تخونها الحكمة في أغلب الأحيان، فتأتي بمحررين تتلمذوا على يديه، وتجعلهم مديرين ورؤساء تحرير، ويُحْرَمُ هو لكونه غير بعثي.

ولكن، هذا كله لم يقلّل من حب ميشيل خياط للأب القائد بشار الأسد (هو أب قائد رغم أنه يصغره بعشرين سنة!)، وغيرته على الوطن. فحينما أغلقت إذاعة “صوت الشعب” بذريعة ضغط النفقات والتفرغ لمواجهة المؤامرة الكونية، طلب الصحافي من مقام الرئاسة التدخل لمنع ضياع الإعلام الوطني، إذ كتب، حرفياً، ما يلي:

“أتمنى أن يتدخل السيد الرئيس بشار الأسد، بكبره، وهيبته، وحكمته، ويضع حداً للهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإعلاميون الوطنيون والإعلام الوطني على يد من يريدون خصخصة الإعلام السوري وإنهاء دوره الوطني والاجتماعي والإنساني”.

فمقام الرئاسة أو الذات الرئاسية بحسب الصحافي الجليل والمظلوم من الرئاسة، خط أحمر، تسقط على حدوده كل مبادئ الديمقراطية وأبجديات الحوار وسعة صدر الإعلامي الكبير، فأنت حبيبنا لطالما تقدس بشار الأسد، والذي شبهه أخيراً بيوسف العظمة، وهاكم أيضاً ما كتب وحرفياً

.

“إنها هويتي ولا وجود لي دونها، عناصرها كثيرة منها، حبي واحترامي وتقديري لمن أرى فيه الآن، “العظمة الجديد”، الرئيس بشار الأسد المدافع بجرأة وشهامة وتفان عن سورية الرائعة، سورية الحضارة والتقدم. وأنا أقف مع الحياة، لأن وقفة الرئيس بشار الأسد خلال ست سنوات هي وقفة الحياة، ووقفة العز الكبرى. إنه الربان الماهر الجريء الشهم الغيري الوطني الشجاع. ومثلما سرنا على درب المجد مع البطل يوسف العظمة، وتغنينا بوقفته الرائعة، ستجد الأجيال السورية القادمة في تاريخها العظمة الجديد البطل بشار الأسد الذي وقف في وجه أشرار العالم على كثرتهم وكثافة ذخائرهم وضخامة تمويلهم وقفة العظمة ذاتها. ولكن التاريخ لا يعيد نفسه، فما فشل العظمة في تحقيقه عندما اندفع إلى روابي ميسلون قد نجح الرئيس بشار الأسد في الوصول إلى جزء كبير منه”.

لن أعقب على تقديس كهذا لشخص سيده الرئيس، أو أشرح المشروح لدور هؤلاء ونتاجهم بصناعة الديكتاتوريين، فما كتبه المضطهد، ميشيل خياط، من حزب البعث بالأمين القطري لحزب البعث واف ولا يأتيه الباطل من أي مكان. فقط، سأشير، ومن منطلق، عود على بدء، أن هذا الخياط ومن خلال معرفتي به وعملي معه لنيف وعشرين عاماً، سيكون أول الشامتين وأكثر الكاشفين لما فعله بشار الأسد بسورية والسوريين، بعد موته أو قتله أو هروبه، فالقصة طبع وتحت الجلد والحب والعاطفة بالصحافة السورية، ثقافة وظواهر مدهشة.

المصدر: العربي الجديد – عدنان عبدالرزاق



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع