أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » عزمي بشارة : قابلته أكثر من عشرة مرات / بشار الأسد ذكي لكنه غير مثقف ولا يقرأ الكتب ويعتبر المثقفين ثرثارين ولايساوون شيئا

عزمي بشارة : قابلته أكثر من عشرة مرات / بشار الأسد ذكي لكنه غير مثقف ولا يقرأ الكتب ويعتبر المثقفين ثرثارين ولايساوون شيئا

حلقة أولى:

• كانت العلاقة بينك وبين الحكم في سورية مثار جدل ونقاش بين من كان ضد هذه العلاقة بسبب طبيعة النظام في سورية، ومن أصبح لاحقًا ينتقد موقفك تجاه الثورة السورية مع أن النظام لم يتغير. وعلاوة على ذلك بُني التحريض الإسرائيلي الموجه ضدك على أساس هذه العلاقة. لنتحدث بالتفصيل عن علاقتك بسورية.

حسنًا، من أين تريد أن نبدأ؟ الأمر مركّب جدًا. كديمقراطي عربي، لم تكن لدي أي أوهام عن النظام السوري. كنت أرى نظام البعث نظامًا استبداديًا. هذه الأفكار قائمة في ثقافتي اليسارية والديمقراطية، واستقيتُها مما كنت أطلع عليه من تجربة بعض الفصائل الفلسطينية مع النظام السوري، ومن تجارب يساريين سوريين ولبنانيين معه أيضًا، ومن القراءة بالطبع. وعمومًا، احتل موضوع العلاقة بسورية مكانًا في وسائل الإعلام، لأنه كان يمثل خبرًا جذّابًا، لكنه احتل حيزًا صغيرًا من وقتي. فعملي الأساس كان نضالًا فلسطينيًا ومحليًا في قضايا عرب الداخل اليومية الكثيرة والمتشعبة بتفاصيلها، وقضايا الاحتلال، إضافة إلى عملي الفكري والبحثي الذي لم يتوقف.

عندما أسّسنا “التجمع الوطني الديمقراطي” كحركة وطنية ديمقراطية، وضعنا في جدول الأعمال الانفتاح على العالم العربي، والتواصل معه ومع اللاجئين في المخيمات الفلسطينية. لكن، ما كان متاحًا في هذا الميدان هو الدول التي صنعت سلامًا مع إسرائيل. وفي هذه الحال، كان تواصل المواطنين العرب في الداخل مع العالم العربي يجري ليس لأنهم عرب، بل لأنهم مواطنون إسرائيليون من عرب 1948، ولأن إسرائيل صنعت سلامًا مع هذه الدولة. وهؤلاء دخلوا العالم العربي كإسرائيليين (أي بجوازات إسرائيلية) بعد توقيع اتفاقات السلام. وكنت أعتبر ذلك تطبيعًا (تطبيعًا مقلوبًا إذا شئت)، وامتنعت فترةً عن زيارة مصر والأردن بهذا الجواز. وطبعًا، ما لبثت أن اعتبرت ذلك موقفًا غير سياسي، فيجب أن نتواصل مع الشعوب العربية في الدول التي صنعت سلامًا مع إسرائيل أيضًا. لكن لا يمكن أن ننكر أن العلاقة كانت تجري من خلال السلام مع إسرائيل. وهذه تناقضات الحياة التي لا بد من العيش معها.

• أي إن الزيارات في البداية ظلت مقصورةً على الدول العربية التي وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل، أي مصر والاردن.

نعم، وكان العرب من أراضي 1948 يزورون مصر والأردن بجواز سفر إسرائيلي، وما زالوا. والسخرية التاريخية، أو المفارقة، أنهم حُرموا من التواصل مع هؤلاء العرب لأنهم عربٌ فلسطينيون، ثم تواصلوا معهم باعتبارهم إسرائيليين. وللأسف، لاحظنا أننا، كعرب يحملون جوازات سفر إسرائيلية، نُعامل في مطار القاهرة أفضل من معاملة باقي الفلسطينيين الذين يحملون جوازات مرور كلاجئين. وفرح كثيرون من عرب الداخل بهذه المعاملة التي تشبه معاملة السائح الغربي “المحترم”، بينما الفلسطيني القادم من غزة يعامل بطريقة مهينة. وهذا في حد ذاته يزيد تأكيد الهوية الإسرائيلية عند الفرد، أو ما وصفته، في مقالاتي في تلك المرحلة، بفخ الأسرلة. ومن باب التذكّر، أنا لم أزر مصر بعد توقيع اتفاق “كامب ديفيد”. من المفترض، في رأيي، أن المصري لا يزور إسرائيل التزامًا بالوقوف ضد التطبيع. ولكنني أيضًا لم أزر مصر لأنني كنت ضد اتفاق السلام وضد التطبيع، وفهمت لاحقًا أن هذا ليس هو المطلوب، ولا بد من التواصل عربيًا. لكن رفض التطبيع ما زال يعني أن المصري لا يجوز أن يزور إسرائيل. وفي أي حال، تبين أن إسرائيل غير راغبة في تدفق العمالة المصرية والأردنية عليها.

ثم دُعيت إلى زيارة سورية مع وفود من أعضاء الكنيست العرب وغيرهم من الشخصيات، وشكّكت في هذه الدعوات، ولم أنضم إلى تلك الوفود التي زارت دمشق. ذهب وفدان من أعضاء الكنيست العرب إلى سورية قبل أن أزورها: مرّة للتعزية بباسل الأسد (كانون الثاني/ يناير 1994)، ومرّة بدعوةٍ عامةٍ لجميع القوى السياسية العربية في الداخل، ولم أشارك فيها. كانت سورية آنذاك في صدد التفاوض مع إسرائيل، وجاء موفدٌ من الجولان، ونظم زيارة وفد من النواب العرب في الكنيست وشخصياتٍ أخرى، ومنهم نوابٌ عربٌ يمثلون أحزابًا صهيونية. رفضتُ أن أزور سورية في عداد وفدٍ من هذا النوع، لأنني كنت أعرف أن السياق العام لتلك الزيارة يتضمّن رسائل سياسية، منها الانفتاح السوري لا على العرب، بل على إسرائيل. ولهذا لم أذهب ضمن ذلك الوفد. ذهب كثيرون إلى سورية، ومن الأحزاب كلها تقريبًا. وكان ذلك بإذن إسرائيلي، واحتفت وسائل الإعلام الإسرائيلية بتلك الزيارات التي رافقها مراسلو وسائل إعلام إسرائيلية (بصفة شخصية!).

• بمن فيهم ضباط سابقون في الجيش الإسرائيلي.

ذهبت شخصيات من الأحزاب العربية اليسارية وغيرها، وذهب عرب أعضاء في الأحزاب الصهيونية، وبينهم أعضاء في حزب العمل، وبعضهم خدم في الجيش الإسرائيلي..

الأعضاء العرب في حزب العمل كانوا ثلاثة؛ إذ كان الهدف من الدعوة هو إيصال رسائل سياسية لإسرائيل، فإن تشكيلة الوفد وتاريخ أعضاء الوفد لم يكونا مهمّين للنظام السوري، بل كان الهدف الوحيد استخدام الجسور الممكنة لدى النظام لإيصال رسائل إلى القادة الإسرائيليين؛ فالدعوة لم تكن عملًا نضاليًا يتضمن، في الحد الأدنى، التضامن أو الانفتاح على عرب 1948. فلو كان ذلك هو الهدف لما دُعيَت بعض الشخصيات العربية المتصهينة. وطبعًا لم أشارك في هذه الوفود، واعتبرت بعض التهريج الوطني الذي رافقها ذرًّا للرماد في العيون، حيث احتفت بها إسرائيل أيضًا. ولاحظ السوريون عدم مجيئي إلى دمشق. وكان سميح القاسم في الوفد الثاني، وكنا نلتقي من حين إلى آخر. ونقل إلي عتب وزير الخارجية السوري فاروق الشرع سؤاله: لماذا لم تحضر مع أنك تمثل التيار القومي العربي؟ ونحن في سورية نتابع مواقفك القومية… إلخ.

بعد ذلك بفترة (1997)، تلقيت دعوةً من مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت للمشاركة في ندوة فكرية. وكان المركز نشر كتابي “المجتمع المدني.. دراسة نقدية”، وتعرّفت إلى مدير المركز، خير الدين حسيب، في مؤتمر عقدته مؤسسة مواطن في القاهرة، بالتعاون مع مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وأصبحنا أصدقاء، ثم نشرت بعد ذلك عددًا من الكتب في المركز. اعتبر السوريون ذلك على ما يبدو فرصةً للقائي. وجرى ترتيب تلك الزيارة بوساطة نائب الرئيس عبد الحليم خدّام. ولم يكن لها أي علاقةٍ بوفود الداخل، إنما كانت دعوةً لباحث عربي إلى ندوة لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. وذهبت إلى دمشق، والتقيت خدّام، ومكثت في سورية، ولم أجتز الحدود إلى لبنان جرّاء مزايداتٍ لبنانية داخلية، وأدركت حينذاك جانبًا من جوانب التعقيدات اللبنانية. لم أطلب زيارة لبنان، بل دُعيت إلى لبنان آنذاك، لكن بعض الأحزاب اللبنانية وقادتها استسهلوا المزايدات السياسية على حسابي. وجميع من زايَد راح في ما بعد يطلب لقائي، لكني كنت متفهمًا التعقيد وسوء الفهم الذي يمكن أن يحصل. ولاحقًا، دعيت إلى لبنان مرارًا.

نعود إلى سورية، التقيت عبد الحليم خدّام مرتين في أثناء الزيارة، كما التقيت فاروق الشرع مرتين في الزيارة نفسها، وتبادلنا الأفكار، وبدأت بعد هذه اللقاءات علاقةً رأيت فيها أنني دخلت، أول مرة، بلدًا عربيًا من دون جواز سفر إسرائيلي، بل بورقةٍ من البلد نفسه (كنت أدخل بوثيقة سفر سورية تعدّ في سفارة سورية في القاهرة، ولاحقًا في عمّان). لقد دعيت بصفتي مثقفًا وكاتبًا عربيًا فلسطينيًا، لا كنائب في البرلمان الإسرائيلي. وهذا فارق كبير بالنسبة إلي. وأعتقد أن الإخوة في سورية تفهموا هذا الموضوع، كما تفهّموا سبب عدم قبولي الدعوة السابقة. ونشأت علاقةٌ من هذا النوع مع شخصياتٍ سورية، فيها تشاور وتفاكر، وقدّرت للإخوة السوريين استماعهم إليّ وسماع آرائي، مع أنني اعترضت على سياستهم الداخلية. لكن، كعربي يعيش في الداخل ويمثل العرب في البرلمان الإسرائيلي، لا أعتقد أن موقعي ذاك كان ملائمًا لجعل نقد الأوضاع الداخلية للدول العربية فوق قضية التواصل مع العرب، علاوة الموقف من الاحتلال وفلسطين. هذا ما كنت أفكّر فيه في ذلك الوقت. وأعتقد أن ذلك الحس كان سليمًا، ولا سيما أنه لم يكن هنالك لحظة حرجة وصدام بين المواطنين والنظام، فالسياسات الداخلية في جميع البلدان العربية كانت استمرارًا لسياساتٍ سادت عددًا من العقود، مع انفتاح نسبي كان نتيجة تأثر الأوضاع الاقتصادية في الثمانينيات، نتيجة تراجع أسعار النفط عالميًا. ولا أدري، ربما كنت مخطئًا.

• لم تكن أحوال العالم العربي آنذاك معركتك المباشرة في أي حال.

لا بالطبع. ففكريًا كنت أكتب عن الديمقراطية والمجتمع المدني، أي ما أنا مقتنعٌ به اليوم أيضًا. كانت أحوال العالم العربي تهمني جدًا في عملي البحثي والأكاديمي، إضافة إلى اهتمامي كعروبي وكفلسطيني، ولم تتضمن كتاباتي الفكرية أي حلولٍ وسط. أما بالنسبة إلى العمل السياسي المباشر، فكانت قواعده في الداخل، بما فيها تمثيل الحركة الوطنية برلمانيًا، مختلفة تمامًا عن العمل السياسي العربي. وكان نشاطي السياسي محصورًا في الداخل. ثم إن إسرائيل نفسها كانت قد بدأت شن حملة تحريضٍ ضدي لمجرّد تواصلي مع العرب كعربي، أي خارج اتفاقات السلام الإسرائيلية – العربية المبرمة. وحاولت أن أبني على العلاقة بالقيادة السورية أمورًا عدة، كأن يكون هناك تشاور سياسي، فيه مقدار من الفائدة لها ولنا. وأعتقد أن القادة السوريين أفادوا جدًا من ذلك في فهم قواعد الصراع ضد إسرائيل (بغض النظر أَطبّقوا هذا الفهم أم لا، فهذا قرارهم، وأنا قمت بواجبي).

 

• كيف تتذكّر لقاءك الرئيس حافظ الأسد أول مرة؟

استحوذ على معظم اللقاء (2 كانون الأول/ ديسمبر 1998) الحديث عن التفاوض وحق العودة، وهل تريد إسرائيل السلام، وكانوا يعرفون موقفي النقدي من مقاربتهم الإيجابية لانتخاب إيهود باراك، والمدى الذي قد تصل إليه إسرائيل في التفاوض… إلخ. وكانت الأسئلة التي وجهها حافظ الأسد إلي تتعلق بتقديري لرغبة إسرائيل في السلام مع سورية. وقلت إن إسرائيل تريد سلامًا بشروطها، والأمر يحتاج إلى ضغطٍ كي تتراجع عن موقفها. والحقيقة أنه كان متمسّكًا باسترجاع الجولان حتى آخر شبر. وكنت تعرفت إلى بشار الأسد في عهد والده، ورأيته مرتين في تلك الأثناء. جلست إلى حافظ الأسد أكثر من ثلاث ساعات، وشرح لي أسباب التدخل السوري في لبنان. وكان من الواضح أنه مهتمٌ بالتاريخ، وبشرح مواقف سورية السياسية لي، حتى التي لم أسأل عنها.

• هل أخبرك الرئيس حافظ الأسد عن “وديعة رابين”؟

نعم، وكذلك أخبرني فاروق الشرع بوجودها.

• ألم يكن مهتمًا بالتاريخ الإسرائيلي؟

كان مهتمًا بالتاريخ اليهودي وببنية المجتمع الإسرائيلي وكيفية صنع السياسة في إسرائيل. وحاولت أن أشرح ذلك قدر الإمكان. كان الجو لطيفًا، وحضر اللقاء فاروق الشرع أيضًا. ربما يفاجئ السوريين كلامي أن الأسد كان لطيفًا ومهذبًا. ولكن، لا علاقة لرأيي في الفارق بين السلوك الشخصي للقادة ودرجة تهذيبهم من جهة، وطبيعة النظام وقسوته ضد المعارضة من جهة أخرى.

 

لنعد إلى العلاقة مع سورية. بدأنا في تقويم هذه العلاقة للاستفادة منها أكثر، وساعدنا المسؤولون السوريون في ذلك. ورأينا أن كبار السن من اللاجئين الفلسطينيين لم يروا أقاربهم في الداخل منذ عام 1948، وأن من الممكن أن نساعد هؤلاء في أن يلتقوا أقاربهم من اللاجئين في سورية. ووافق الرئيس بشار الأسد بعد أن كلّمته في الأمر. واستشرت وزير الخارجية فاروق الشرع الذي أيّد بدوره الفكرة، بعد مناقشة مطوّلة، كما تعاونت الخارجية وسفارتها في عمّان في تقديم التسهيلات. وبالطبع، لم يكن هذا كله ممكنًا لولا تعاون أجهزة الأمن السورية في تسهيل الموافقات والتأشيرات والتسهيلات وغيرها، ولا سيما اللواء بهجت سليمان الذي كان يرئس فرع الأمن الداخلي، ولاحقًا آصف شوكت. وهكذا، فتحنا بابًا عملت إسرائيل المستحيل لإغلاقه، وهو تواصل كبار السن من عرب 1948 (الذين ولدوا قبل النكبة) مع أقاربهم اللاجئين في سورية. وقال لي كثيرون: لو لم تفعل إلا هذا لكفاك فخرًا. وكان يكفيني أن أسمع، من حين إلى آخر، جدًّا أو جدّة وهما يشكرانني بالقول إنهم وصلوا إلى السبعين عامًا أو أكثر، وقد تمكّنوا أخيرًا من رؤية أخ أو أخت بعد ستين عامًا من الفراق، أو “قبل أن أموت”.

تأثرت كثيرًا بما رأيت وسمعت. وكانت سعادتي لا توصف، لأني تمكّنت من مساعدة جيل الأجداد والجدّات في لقاء عائلاتهم قبل أن يفارقونا. في البداية، حصرنا الزيارات بمن ولد قبل النكبة، وكان هؤلاء يرجوننا أن نسمح لأبنائهم بمرافقتهم إلى سورية. وحصلت أمورٌ طريفة، منها أن بعضهم افتعل المرض كي يحضر إبنه أو أخته معه ليعرّفهم إلى أقاربهم. ثم جرت محاولاتٌ لتحويل هذه الزيارات إلى سياحة. سورية جميلة، والناس تحب سورية حقًا، وتنتمي إلى سورية. دمشق وحلب واللهجة السورية والطعام السوري والموسيقى السورية كلها تدغدغ مشاعرهم (ومشاعري). والفلسطينيون جزء من بلاد الشام، وهذه المشاعر طبيعية. وصار مكتبي محجةً لكل فلسطيني في الداخل له أقارب في سورية.

 

• لو افتتحت مكتب سفريات آنذاك!

(يضحك)… لكنّا موّلنا الحركة الوطنية وصحيفتنا من إيراد ذلك المكتب. لكن السفر كان مجانًا بالطبع. وكان المسافرون يحاسبون وسائل المواصلات بأنفسهم. حاولت، قدر الإمكان، تسهيل أمور الزيارة لأكبر عددٍ ممكن من فلسطينيي الداخل؛ لمن كان إلى جانبنا سياسيًا، وغيرهم أيضًا. وشعرت بالرضا عما فعلناه. كان مشهد الناس الذين رأوا إخوانهم وأخواتهم أو أقاربهم مؤثرًا للغاية. قبل أعوام حصل لقاء أقارب (إخوة وأخوات) بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، واهتزت مشاعر العالم. في حالتنا، كان الفراق أطول، واللقاءات التي جرت كانت بين لاجئين وباقين، على الرغم من حالة الحرب.

كان التواصل مع سورية، في هذه الحالة، يمثل أنموذجًا مختلفًا للتواصل الفلسطيني مع العرب، وهو يعني مواجهةً للتطبيع وتجاوزًا له، بل سيرًا معاكسًا له. بمعنى أن العلاقة بالعالم العربي، خصوصًا سورية، لا تمر من خلال “السلام” الإسرائيلي، بل من خلال العلاقة المباشرة بين عربي وعربي، ومن دون استئذان إسرائيل، وإلا لكنا مررنا إلى دمشق من خلال معبر الجولان، وهذا أسهل، لكننا اخترنا تنظيم السفر من طريق الأردن. وآنذاك، واجهتني المحاكم الإسرائيلية بأنني رفضت استئذان السلطات الإسرائيلية، وكثيرًا ما رددت أني لا أحتاج إذنًا إسرائيليًا كي يرى الفلسطيني أخاه، والقضية مبدئية بالنسبة إليّ.

 

 

وبالتدريج والتواتر، صارت لي صداقاتٌ لا حصر لها في سورية، وتعرفت إلى كثير من المثقفين المؤيدين والمعارضين الذين كانوا يحضرون إلى الفندق لمقابلتي، أو إلى الندوات لسماع المحاضرات. وفوجئوا عندما وجدوا أنني مطّلعٌ على ما يجري في سورية بالتفصيل. لكن اعتباراتي كانت مختلفةً بصفتي من فلسطين، ولا أستطيع التدخل في الشأن السوري مباشرة. لكن هذا لم يمنعني من التعاطف معهم، خصوصًا المعارضين السوريين الذين خرجوا من السجون، وبعض الكتاب المعارضين. وتطورت صداقة شخصية حقيقية مع فاروق الشرع الذي أعتبره رجلًا مستقيمًا، وهو عمل في السياسة الخارجية، ولم يشتغل في السياسة الداخلية. وهو، في أي حال، مسؤول جزئيًّا عن سلوك النظام. ولكن، كانت لديّ نزعة لفصل الشخص عن السياسات العامة. والحقيقة أننا، في القضايا السياسية الخارجية، لم نختلف، وهو لم يكن يدافع عن القمع، على الرغم من دفاعه عن النظام والرئيس الأسد بقوة. وعندما كنت أتحدّث إليه عن القمع في سورية، لم يكن يبرّره أو يدافع عنه، بل كان يلمح، أحيانًا، بكلمةٍ من هنا أو كلمة من هناك إلى عدم رضاه، علمًا أن له ولاءً مباشرًا للوطنية السورية التي كان منصب الرئاسة في مركزها، وهي صفة من صفات جيله من البعثيين الذين شهدوا الصراع على السلطة في داخل حزب البعث وبين الأخ وأخيه. ومن الواضح أنه كان مخلصًا لحافظ الأسد. وكانت بعض الأجهزة الأمنية تواجهه بتصريحاتٍ أنتقدُ فيها، ولو بشكل مخفّف، سورية، فكان يدافع عني.
“لم أكن آتي إلى سورية كما يأتي عملاء النظام، وكانت العلاقة على أعلى المستويات. وأعتقد أنني أفدت السوريين بالمشورة، وهم أرادوا أيضًا علاقةً مع مثقف ومناضل يحظى بصدقيةٍ، وتشغله أمور أخرى، فكرية وفلسفية، لا علاقة لهم بها”

• عبّر عن ذلك في كتابه “الرواية المفقودة”.

نعم. وكانت هناك علاقات أخرى؛ فقد تعرّفت إلى آصف شوكت الذي امتلك شهامة لافتة في علاقته بي. لكنه كان ينفذ أوامر النظام في علاقته بالشعب السوري، وكان على رأس جهاز أمن قمعي. طبعًا لم نتفق سياسيًا، ولم نرتّب أي أمور سياسية. وساعَدَنا بهجت سليمان كثيرًا، ولا سيما في المرحلة الأولى، ولاحقًا بصفته سفيرًا في الأردن. وأنا أتحدث هنا عن الحقائق، لا عن الدوافع والسياسات. في الحقيقة، لم يقصر السوريون معي، وكانوا لطفاء جدًا وتعاملوا معي ضيفًا مرغوبًا فيه، وكانت الأبواب كلها مفتوحة أمامي، بشكل ندر أن حصل مع أي صديقٍ لسورية، بمن في ذلك قادة الفصائل الفلسطينية وغيرهم، ولم أشكُ من شيء في هذا المجال. ولا علاقة لموقفي اللاحق من الثورة السورية بكيفية تعاملهم معي إطلاقًا. ولو كانت الأمور مرتبطةً بالبعد الشخصي والعلاقات الشخصية، لاتخذت موقفًا مؤيدًا للنظام. لكن وقوفي إلى جانب الثورة السورية قضية مبدئية تمامًا، ولو لم أكن مبدئيًا لتمسّكت بهذه العلاقات الشخصية التي تضمنت تمجيدًا لي في التلفزيون والصحف السورية. وحُصرت المقابلات من الداخل بعزمي بشارة وحده الذي أصبح مرجعًا في قضية فلسطين. كان ثمّة مبالغة في التقدير والتبجيل، والمبالغات تؤدي إلى الغيرة والحسد، وهي قائمةٌ في مجتمعنا. وفي هذا الجانب، لم تكن لدي مشكلة في سورية، وكنت أتعامل مع الرئيس بشار الأسد مباشرة، ولم أكن آتي إلى سورية كما يأتي عملاء النظام السوري، وكانت العلاقة على أعلى المستويات. وأعتقد أنني أفدت السوريين بالمشورة، وهم أرادوا أيضًا علاقةً مع مثقف ومناضل يحظى بصدقيةٍ، وتشغله أمور أخرى، فكرية وفلسفية، لا علاقة لهم بها. أما القضايا الداخلية السورية، فقد كانوا يستمعون إلى ملاحظاتي بمنتهى الأدب، ويوافقون أحيانًا على ما أقول، ويتذرّعون بأخطاء الأفراد والوزارات أو ثقافة المجتمع. وفي حالاتٍ أخرى لم تلق هذه الملاحظات موافقتهم. ومن الواضح أنهم، في تلك الحالة، اعتقدوا أنني لا أفهم الشأن السوري الداخلي، وأن قواعد الحكم في سورية مختلفة عما يتوقعه شخصٌ مبدئي، وربما اعتقدوا أنني حالم ومثالي. لا أدري.

المهم أنني حاولت بناء علاقة تخدم القضايا المشتركة بيننا. وبطبيعة الحال، هذه القضايا المشتركة ليست العلاقات المصرية – السورية، أو خطط التنمية السورية، وإنما ما نستطيع أن نساهم فيه في الصراع ضد إسرائيل، أخذًا في الاعتبار اختلاف مهمات العرب في فلسطين 1948 عن مهمات الدولة السورية. أستغرب مواقف بعض المثقفين أو السياسيين أو المناضلين الذين تغيّرهم العلاقات الشخصية مع السلطة أينما كانت، فتصبح هذه العلاقة منطلقًا لتبرير سياسات هذه الأنظمة، ثم الدفاع عنها، ثم الدعوة إلى تطبيقها بقسوةٍ أكبر. وبطبيعة الحال، فإن مواقفهم الجديدة تكون نقيض أفكارهم ومبادئهم. المهزلة الأكبر هي عندما يبرّرون عدم اتخاذهم مواقف بحكم المودّة بينهم وبين السلطة. وبعضهم كان يبحث باستمرار عن فرصةٍ للتقرب من هذه السلطات.

• أعرف أنك طالبت بإطلاق سراح بعض المساجين من أعضاء المعارضة السورية.

تحدّثت عن أحوال بعضهم، ولم أنجح طبعًا. لكن في حالات الاعتقال القصير، أو قبل الحكم بالسجن، كانت الاستجابة أكبر. وتوسطت لإطلاق سراح بعض المساجين الفلسطينيين قبيل عيد الأضحى. وقلت حينذاك لياسر عرفات: “هذه الهدية لك”، وهي لم تكن موجهة إليه إطلاقًا. ولكن كي أقرِّب عرفات من القيادة السورية، قلت له إن هذه “الهدية هي لك”. وكنت أحرص على أن أزوره في غزة أو رام الله بعد كل زيارة لسورية، وكان سعيدًا بذلك. وأعتقد أني ساهمت في التقريب بينه وبين الرئيس بشار الأسد. كنت أرى أن التقريب (واعيًا أن كثيرًا من الخصومات العربية – العربية لها بعد شخصي وليس سياسيًا) بينهما سوف يساهم في تحسين أوضاع الفلسطينيين، خصوصًا عندما اتضحت الصورة عندهم أن اتفاقات أوسلو لن تحقق أي شيء، وأنهم لا يستطيعون أن يستغنوا عن عمقهم العربي. لكن الأمر كان متأخرًا بسبب حصار ياسر عرفات اللاحق في مبنى المقاطعة في رام الله. وفي أي حال، استطعنا إطلاق سراح مجموعة كبيرة من الفلسطينيين. لكن هذا ليس مدعاة فخر. فإذا لم يطرح المثقف والديمقراطي مثل هذه الموضوعات، فهناك خلل في مبدئيته.

• إنه واجب دائم أو كما يقول الإسلاميون “فرض عين”.

صحيح. كنت أتحدّث عن الاقتصاد مع الرئيس الأسد، وأتحدّث عن قضايا الحريات، لكنه قلما استجاب لملاحظاتي، وأحيانًا كان يستجيب لي في قضايا فردية. وفي بعض الحالات، كان يستجيب للنصائح التي لا علاقة لها مباشرة بالحقوق السياسية والحريات، مثل تخلّف الإعلام السوري، وتوجه السوريين إلى الإعلام اللبناني، وخطر ذلك في تعميق الطائفية في المجتمع السوري، وطريقة شرح الموقف السوري من القضايا الخارجية. هنا كان يستجيب، لأنها مسألة تتعلق بنجاعة إدارة النظام والدفاع عنه. كان يستجيب أيضًا لكل ما يخدم النظام. ومن الواضح أنه كان متمسّكًا بطريقة الحكم السلطوية الفردية، ومستعدًا للانفتاح اقتصاديًا مع الإبقاء على سلطويةٍ سياسيةٍ من النمط التونسي في زمن زين العابدين بن علي، وهذا ما اكتشفته في أثناء لقاءاتي الكثيرة معه.

• اجتمعت إليه ربما عشر مرات. حسنًا، ما هو الانطباع الذي كوّنته عنه؟

إضافة إلى ما أشرت اليه في الإجابة عن السؤال السابق ورؤيته للحكم في سورية واهتمامه بتحسين الإدارة وتنجيع بيروقراطية الدولة، فأعتقد أنه ذكي، خلافًا لما يقال عنه، وهذا ليس حكمًا معياريًا بل حقيقة في رأيي، وشديد التهذيب في التعامل الشخصي. أما الحكم المعياري فهو أن هذا الشخص المهذب كان ديكتاتورًا مستبدًا، وأصبح طاغيةً سفاحًا.

لا قيمة لكلام الناس الذين لا يعرفون الأشخاص… وتعليقاتهم في هذا الميدان فارغة. بشار الأسد على المستوى الشخصي ذكي، لكنه غير مثقّف، وهو يعترف بذلك. ثم إنه لا يهتم بالمثقفين، بل يهتم أكثر بالتقنيين، ويعتبر المثقفين ثرثارين ولا يساوون شيئًا، حتى أولئك الذين يصنّفون أنفسهم رجال النظام. ولا أريد أن أنقل رأيه في بعض المثقفين المحيطين حاليًا بالنظام (فأنا لا أستغل لقاءات يفترض أنها كانت خاصة ولا أنقل منها كلامًا)، وهو يؤمن أن الثقافة

عمومًا إذا لم ترتبط بمعلوماتٍ تقنية لا تساوي شيئًا، ويرى في المثقفين مجرد وجع رأس. لذلك لا يحبهم، ولا يقرأ الكتب، ويصرّح بذلك، ويقرأ تقارير الأجهزة وتقديرات للمواقف السياسية. وهو بذلك لا يختلف عن الكثير من السياسيين وقادة الدول. وقد قال لي بنفسه، غير مرة، إنه لا يقرأ كتبًا، ولا أعتقد أنه يختلف في ذلك عن كثير من قادة الدول.

• ربما كان على حق في موقفه من المثقفين المحيطين به.

على الأرجح. لكنني اكتشفت جوانب أخرى فيه لاحقًا، فهو لا يبخل بالوقت. فالاجتماعات إلى زعماء الدول العربية لا يدوم الواحد منها أكثر من نصف ساعة، أو ساعة على الأكثر. أما الاجتماع إليه فيدوم ساعتين أو ثلاثًا على طريقة والده. وهو مستمعٌ جيد، بمعنى أنه يسأل ويُصغي إلى الإجابة فعلًا. في البداية، اعتقدت أنه يمكن التأثير فيه كشاب يحاول أن يتميز، وأن يبرهن أنه وصل إلى الحكم لا بالوراثة، بل لأن لديه ما يميّزه مثل الإصلاح ومكافحة الفساد. ثم تبين لي أن المقصود استبدال نخبة النظام القديمة بأخرى شابة وأكثر فسادًا، وأنه لا يبدي حساسيةً زائدة لآلام الناس ومعاناتهم. بدأت ألاحظ ذلك بقوة، بعد أن تجاوز أزمة لبنان عقب مقتل رفيق الحريري، وكان ذلك حوالى عام 2007. وخلافًا لحافظ الأسد، لم يكن عصاميًا، بل كان ابن رئيس محاطًا بأبناء السياسيين وقادة الأجهزة الأمنية ورجال الأعمال. فاق مستوى الفساد في عهده ذاك الذي كان في عهد والده، مع أنه كان يؤكّد لنا أنه قضى على الفساد ما إن أبعد النخبة القديمة، لكن النخبة المحيطة بنظامه كانت أكثر فسادًا وأكثر فجورًا في إظهار الفساد.

 

• ماذا تتذكّر عن علاقتك بحافظ الأسد؟

لم تكن لي علاقة ثابتة به. ولقاؤنا لم يكفِ لتشكيل انطباعٍ، أو كي يسمى علاقة. كان مهتمًا بالتاريخ، وكان صوته هادئًا وعميقًا، ذكّرني بكبار السن، أو الجدود في بلادنا (وأحيانًا ذكّرني بصوت مارلون براندو في فيلم العرّاب). كان يريد أن يفهم ما يجري في إسرائيل، ويريد أن يفهم كيف أرى العالم العربي، وكيف أرى مصر من إسرائيل، وكيف أقوّم الأردن، وإلى أين تتجه أميركا. وأعتقد أن أهم ما ميزه هو واقعيته السياسية. ولم يغب لحظة واحدة عن ذهني أني أمام دكتاتور قاسٍ جدًا في التعامل مع أي معارض.

• لكن بشار الأسد مختلف تمامًا عنه كما يلوح لي.

نعم. مختلف.

• إنه شاب في نهاية المطاف مقارنة بأبيه.

هذا صحيح. لكن حكمه لا يلائم عصره. حاولت أن أميّزه من السياسيين من أبناء جيله في العالم العربي أمثال جمال مبارك وملك الأردن عبدالله الثاني وملك المغرب محمد السادس، وحتى سيف الإسلام القذافي. كان ثمة جيل صاعد من أبناء الرؤساء في تلك الفترة، بعد أن تحوّلت جميع الأنظمة الجمهورية كلها إلى وراثية. غير أنني اكتشفت أن هناك شيئًا يجمع قادة الجيل الثاني التي ترث الحكم عن آبائها أو ترث الحكم في بلدانها، هو أنهم ليسوا عصاميين، خلافًا لآبائهم. كان كل منهم ابن أحد الزعماء العصاميين. أما أبناء الجيل الثاني فهم يستندون إلى معادلةٍ دقيقةٍ بين تمثيل استمرارية الجيل الأول ومحاولة التميز منه. إنهم يعتمدون في شرعيتهم على الأب، وينكرون ذلك بادّعاء أنهم جاءوا إلى الاصلاح والتغيير أو غيره. جميعهم جاءوا إلى الحكم تحت شعار الإصلاح، كأن لديهم ما يميزهم من آبائهم. إنها حاجةٌ نفسيةٌ على ما يبدو كي لا يقال إن هذا الرئيس وصل إلى الحكم بفضل أبيه.

• قدّموا أنفسهم أصحاب مشروع تحديثي جديد.

رفع الجيل الجديد من الحكام في المنطقة العربية بمن فيهم الذين كانوا يهيئون أنفسهم للحكم، كما هي الحال في ليبيا ومصر واليمن، شعار الإصلاح. كان الحديث عن الإصلاح سمة المرحلة منذ نهاية التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى أنها كانت إحدى النقاط الرئيسة على جدول أعمال الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط (2000-2005). كما أن الإصلاح استُخدم بتوسعٍ في سياق الصراع مع الحرس القديم في سبيل الوصول إلى الحكم مع نخبهم الجديدة الموالية لهم، ولإيجاد تبرير وصولهم إلى الحكم بمخاطبة قضايا تحظى بشعبية، وللخروج من عباءة الوالد لاحقًا. وفُسّر هذا الصراع كأنه بين محافظين وإصلاحيين، أو بين حرس قديم وإصلاحيين، مع أن الأمر لا علاقة له بذلك. هم استبدلوا فئةً من الضباط والعسكريين الذين رافقوا آباءهم بفئة أخرى فيها رجال أعمال، من دون أن يمس ذلك بنية النظام في جوهرها، أو دور أجهزة الأمن في داخل النظام. وهذه الفئة لا تتميز بحساسية زائدة في شأن حقوق الإنسان أو حقوق المواطن. ومن هذه الناحية، لا فارق بينهم وبين آبائهم إلا بانفتاحهم أكثر على الغرب، وعلى المبادرة الخاصة.

• جميعهم تحدّث عن الإصلاح، لكن أحدًا منهم لم يصلح شيئًا.

بالعكس، جلبوا معهم نخبة جديدة جشعة، لا علاقة لها بمصادر النظام الأيديولوجية، وتقوم على ائتلاف بين أبناء قادة أجهزة الأمن والمسؤولين الذين استخدموا علاقات أهليهم ونفوذهم ليصبحوا رجال أعمال، وبين الأسرة الحاكمة ومحاسيبها من رجال الأعمال، وأجهزة الأمن. لقد كتبت عن هذه “النخب” الطفيلية الجديدة بتفصيل في كتاب “سورية.. درب الآلام نحو الحرية”، وبتفصيل أكثر في كتاب “ثورة مصر”. وقد نشأ الوهم في حالاتٍ معينة من اعتماد بعضهم، بانتقائية، نمط حياة عصريًا. لكن، عمليًا، لا يقاس الإصلاح وإنجازه بالانحياز الى نمط حياتي محدّد أو طقوسٍ اجتماعيةٍ ما، أو الاقتراب من تقليعات الموضة أو توسيع دوائر النخب الحاكمة لتضم ممثلين لفئاتٍ اجتماعيةٍ خارج بيروقراطية الدولة العسكرية والمدنية. كما أن الإصلاح الاقتصادي إذا لم يترافق مع إصلاحٍ سياسي وتطبيق فاعل لمبادئ سيادة القانون وإنفاذه يكون حافزًا لانتشار الفساد بشكل أوسع، ولا سيما حين يصبح رجال الأعمال جزءًا من دوائر النخبة الحاكمة. إن معيار الاختبار العملي لمدى التزام نظام سياسي الإصلاح هو مقدار ما تحقق من تغيير على صعيد حقوق المواطنين والإنسان، ومدى الحساسية تجاه هذا الموضوع.

• كيف وجدت سورية المجتمع آنذاك؟ هل صدمتك مظاهر معينة؟

صدمتني أمور كثيرة عندما أصبح المواطنون السوريون يتكلمون معي عن مشكلاتهم بصراحة، ومن دون خوف، بعد أن أدركوا أن لي تقاطعاتٍ مع النظام في مسألة المقاومة، لكني مستقل تمامًا عنه في القضايا الأخرى. وكنت قد نشرت آنذاك كتابي “المجتمع المدني”، وألقيت كثيرًا من المحاضراتٍ عن الديمقراطية، ولمّا لم أمتدح النظام في التلفزيون أو في الصحف، اكتشفوا فيّ نمطًا آخر تمامًا، وبدأ الناس العاديون، وحتى بعض المقربين من النظام، يشكون إلي همومهم مع النظام ومع أجهزة الاستخبارات.

• ومع الفساد.

تتلخص الحياة اليومية للمواطن العادي بشظف العيش المكنى “التعتير” من ناحية المعاش اليومي، وفي التعامل مع البيروقراطية والأجهزة الأمنية أيضًا. بدأت أطلع على قصص السوريين ومآسيهم اليومية. لذلك، عندما اندلعت الثورة وقفت إلى جانبها، لأنني أعرف مشكلات السوريين عن قرب، ومنها طريقة تعامل رجل الأمن مع المواطن العادي، والخوف الكامن في النفوس. وسلوك الانكفاء على الذات من جهة والنفاق من جهة أخرى، لا يفسّرهما إلا الخوف، علاوة على أن الفساد الذي لا تدور عجلات أي مؤسسةٍ تقدم أي خدمة للمواطن من دونه؛ فالفساد ليس الاستثناء، بل كان القاعدة في سورية. فهو وسيلة إثراء الكبار وترجمة نفوذهم إلى ثروة، أو تحويل الجاه إلى مال، على حد تعبير ابن خلدون. كما أن الفساد وسيلةٌ لتوزيع الثروة عند صغار الموظفين، وهو أداة المواطنين لتسيير المعاملات وشق طريق الحياة اليومية. وكان من السهل ملاحظة مافيات مكوّنة من رجال الأعمال ورجال الأمن متصارعة على المساحات القابلة للاستغلال وجباية ثمار الفساد منها. فحول كل رجل أمن هناك رجال أعمال يتنافسون مع آخرين. إنها مافيات وإقطاعات، ولكل واحدٍ قطاع اجتماعي أو إقطاعية له يستغلها كما يشاء. وعندما بدأت أزور المحافظات، وألقي محاضراتٍ فيها، كان آلاف الناس يأتون لحضور هذه المحاضرات، الأمر الذي أتاح لي فرصةً نادرة للتعرف إلى الناس، على اختلاف فئاتهم الاجتماعية والمهنية. واكتشفت عدم تطور المحافظات وعدم وجود تنمية جدّية، في ما عدا حلب في الأعوام الأخيرة. كان اهتمام الرئيس بشار الأسد بحلب واضحًا، خصوصًا بعدما ظهرت عليها نتائج الانفتاح على تركيا. وفي ما عدا ذلك هناك فارق شاسع، بل صارخ، بين دمشق والمحافظات الأخرى.

• بما في ذلك المناطق التي تسكنها أغلبية علوية.

بما في ذلك المناطق العلوية. عندما نقول إن فارقًا شاسعًا يميز دمشق من المحافظات الأخرى، فإن هذه الفجوة عابرة للطوائف. والفارق بين دمشق والريف ما زال قائمًا، على الرغم من أن برامج حزب البعث وشعاراته تزعم أن سورية دولة الفلاحين. وثمّة هوامش وعشوائيات فقيرة جدًا في الحزام الذي يلف دمشق ذاتها. في سورية يوجد عالم أول وثان وثالث وعاشر. أحياء دمشق التي يقطنها العلويون الذين يخدمون في الدرجات الدنيا في الدولة هي، في الحقيقة، عشوائيات وأحياء فقر. والناس في المناطق العلوية في الساحل السوري على صعوبة أوضاعهم الاقتصادية والتفاوت التنموي في مناطقهم مقارنة بسكان بعض أحياء دمشق، طيبون وكرماء، والهوية العربية راسخة جدًّا لديهم، وهذه مسألة إيجابية جدًّا في نظري. وقد خرج من الساحل السوري عدد كبير من المثقفين والفنانين بنسبة تتجاوز نسبتهم إلى عدد السكان.

أما تعدّد الطوائف في المجتمع السوري، فتبين لي أن الحساسيات الطائفية ما زالت موجودة، خلافًا لما كنت أعتقد، بسبب تأثري المبكر بالفكر القومي. كنت أعتقد أن سورية تجاوزت الطائفة والطائفية، وفوجئت حين اكتشفت العكس عند فئاتٍ سكانية واسعة غير مسيّسة، فالانصهار الوطني لم يكن عميقًا. هنا لا أتحدّث عن الانصهار بين الطوائف فحسب، بل بين المحافظات والمناطق المختلفة. لقد ساهم ضعف الانصهار الوطني على مستوى المحافظات، وبين مركز المحافظة وريفها، في ضعف الانصهار على مستوى الطوائف، خصوصًا إذا تركز بعض الطوائف في محافظات بعينها. نحن أمام إخفاقٍ كارثيٍّ في التشكل الوطني على مستوى سورية، أو ما تسمى عملية بناء الأمة. والأسوأ أنه جرى تنفير الناس من الأيديولوجيا القومية العربية لأنها أيديولوجيا النظام الحاكم، مع أن العروبة هي الوحيدة التي يمكن أن تجمع دير الزور ودرعا وحلب وحماة والسلمية واللاذقية والسويداء ودمشق.

• ما زالت نغمة هذا شامي وذاك حلبي شائعةً في سورية.

هذا حوراني وذاك ديري أو من حماة أو من الساحل. تلك العبارات ليست نغمةً فحسب، بل إخفاقٌ في بناء الأمة. لقد أخفق النظام في هذا كله إخفاقًا ذريعًا. ومع ذلك، كنت أشعر وأنا في سورية أنني في بيتي. إن دمشق مكان تشعر فيه حقًا بأنك عربي، وكذلك حلب وحمص واللاذقية والسويداء والمدن السورية الأخرى التي زرتها.

• هل ثمة علاقة بين هذا الوصف وموقفك من الثورة السورية؟

نعم. وإذا أردتُ أن ألخّص علاقتي بالشعب السوري على هذا النحو، أقول: عندما راحوا يناضلون ويخرجون لأخذ حقهم وقفت إلى جانبهم. وعندما خرجوا إلى الشوارع كنت في العالم العربي، وأُعامَل كمثقف عربي. وكان علي أن أتناول هذا الموضوع بإسهاب، وعبّرت عن رأيي الصريح والواضح بالنسبة إلى الثورتين التونسية والمصرية، وكذلك الثورة اليمنية. إذًا، عندما خرج السوريون إلى الشوارع، وأنا أعرف أن قضيتهم أعدل حتى من قضية الشعبين المصري والتونسي، من حيث مدى الظلم والقمع والإذلال، وكذلك مدى الفساد، فكان من الطبيعي أن أقف إلى جانبهم بالمبادئ نفسها. وأنا دائمًا أقول إن المبادئ التي جعلتني أناصر المقاومة في لبنان، وحكمًا في فلسطين، هي نفسها التي جعلتني أتقاطع مع سورية، ثم مع الشعب السوري ضد الطغيان، أي إن الموقف من مقاومة الاحتلال ومقاومة الظلم هو نفسه. الغريب هو مواقف المتعصبين وأصحاب المصالح مع الأنظمة القائمة الذين يعتبرون التزام المبادئ خيانةً، ويعتبرون الوفاء هو الالتزام مع شخصٍ أو نظامٍ، بغضّ النظر عما يفعل. مع أن الوفاء لنظام ما أو شخص ما، بغض النظر عما يفعل، هو خيانة للمبادئ. إنهم يعتبرون أن التقاطع مع نظام ما في مسألةٍ ما مثل المقاومة تبعية للنظام، والموقف مع الشعب ضد النظام خيانةً للمبدأ. كأن التبعية للنظام هي المبدأ، في حين أنني تقاطعت مع النظام في مواقف محدّدة، وهي دعم المقاومة ورفض تقديم تنازلاتٍ إلى إسرائيل، ولم أكن تابعًا له. وبالطبع، لم أكن لأقبل أن أكون تابعًا له. وعندما خرج الشعب السوري تغلب لدي الموقف المبدئي من الشعب السوري ونضاله وعدالة قضيته، وأعتقد أن هذا هو المنهج المبدئي المنطلق من قيم واضحة.

عند كثيرين، تصبح التبعية الشخصية الطائفية أو العشائرية هي المبدأ، في حين أن المبدأ يجب أن يكون على العكس من هذا تمامًا. المبدأ هو التزام قيمةٍ ما؛ إنه القدرة على تحدّي الانتماءات العشائرية والطائفية من أجل قيمةٍ أخلاقية. القضية الأخلاقية عندنا مشوّشة تمامًا، والأحكام القيمية تخضع لأمورٍ أخرى مثل العصبيات. والناس تعتقد أن ولاء الفرد يجب أن يكون لشيعيّته أو لسُنيته. بينما المبدأ هو أن تعترض على الظلم والقتل والجرائم ضد الإنسانية، حتى لو كان الظالم أخاك، وليس من طائفتك فحسب. فالتعصب للانتماءات التي لم يخترها الإنسان الفرد هي المبدأ عند كثيرين. هؤلاء يرتبكون عندما يرون أنك لا تتصرّف في القضايا المبدئية بموجب هوية أو انتماء أو علاقة شخصية. أما أنا فأعتقد أن هذا التحديد للموقف من أوضح الأمثلة على التخلف، ففي ظله لا يتطوّر الحس الأخلاقي، بل يُقمع. وعندما يتخذ مثقف عربي، أو حزبي، هذا الموقف المتعصب المتحلّل من الأخلاق يكون الذنب والخطيئة مضاعفيْن.
“إذا كانت قضية فلسطين هي الأساس، فلا يجوز أن ترشّح إيلي حبيقة، سفاح “صبرا وشاتيلا” على قائمتك في الانتخابات النيابية، حتى لو وقف إلى جانبك في تحالفاتٍ طائفية داخلية”

بالنسبة إلي، أعتقد أن موضوع المقاومة كان يبدو مبدئيًا عند صناع القرار في سورية، بمعنى أن تكوينهم الفكري مؤسّس على العداء لإسرائيل. لكن، لاعتباراتٍ سياسية، فإن الحفاظ على النظام يصبح الأساس، وتصبح قضية فلسطين أداةً في سبيل الحفاظ على النظام. كانوا دائمًا يقفون ضد أي حركةٍ مسلحةٍ مستقلة عنهم في الفضاء السوري – اللبناني. كانت هذه عقيدة حافظ الأسد السياسية الأمنية (Assad Doctrine). أن تكون هذه القوى لبنانيةً محلية، فلا مشكلة معها، أما أن يكون لها بعد دولي، وتتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية بالصراع مع إسرائيل أو غير إسرائيل ومستقلة عن النظام، فهذا لا يجوز في نظره. وبحسب هذه العقيدة، لم يبحث النظام عن حربٍ مع إسرائيل، بل عن وسيلةٍ لإقناع العالم أن سورية حجر أساس في استقرار المنطقة، وأن من يريد استقرار المنطقة يجب أن يكون معنيًا بمواقف سورية واستقرار النظام فيها، وبنسج علاقة حسنة معه.

بالنسبة إلى حزب الله، أعتقد أنه بدأ مسيرته رغمًا عن سورية، وهو تأسّس في سياق التمدّد الإيراني في المنطقة. ولاحقًا اكتشف السوريون أهميته على مستوى الطائفة الشيعية، وعلى مستوى الصراع ضد إسرائيل. في البداية، حاولوا الحدّ من توسّعه باتفاق سوري – سعودي، ثم حاولوا التصدّي له. وحتى ياسر عرفات، في فترة قصيرة جدًا، انجرّ إلى هذا الصراع باتفاق مع سورية والسعودية، وأدار ذلك التحالف عبد الحليم خدّام الذي سبق أن أدار مع نبيه بري حرب المخيمات الشرسة ضد الفلسطينيين تحت عنوان ما سموها “العرفاتية”، لكن مقاتلي حركة فتح وجدوا صعوبةً في التجاوب مع ذلك، ولم يشاركوا في القتال ضد حزب الله، وهم في صراع مع حركة أمل، ولم يفهموا لماذا يتحالفون مع حركة أمل ضد حزب الله. ولم تستسغ قواعد “فتح” القتال إلى جانب حركة أمل ضد حزب الله. وانتهت هذه الفترة بسرعةٍ، عندما بدأ حزب الله يثبت نفسه في الصراع ضد إسرائيل، وبدأ السوريون يغيِّرون موقفهم من هذا الحزب بموجب تحالفهم مع إيران. وأصبح حزب الله سند السياسة السورية الحقيقي الوحيد في لبنان بعد انسحابها منه، وأصبح أكثر أهميةً لدى السوريين من حركة أمل التي بقيت لهم في أي حال.
“كنت أحرص على أن أزور ياسر عرفات في غزة أو رام الله بعد كل زيارة لسورية، وكان سعيدًا بذلك. وأعتقد أني ساهمت في التقريب بينه وبين الرئيس بشار الأسد”

• بديل من “أمل” أم حليف؟

لا أعتقد أن هذه الدول تتعامل مع قوى محلية في إطار تحالف متفق عليه، على أساس برنامج أو نقاط محددة. إنها ترى في القوى المحلية أدوات. وأرادت سورية أن يكون حزب الله أداةً، لكن المشكلة هنا أن وراء هذا الحزب قوة كبيرة تسلحه وتموله هي إيران. وعندما ضعف النظام السوري، تحوّل حزب الله إلى حليفٍ رئيس. قبل ذلك كانت إيران، في تلك المرحلة، على تفاهمٍ مع سورية، خصوصًا في شأن العراق. فالصراع السوري مع نظام صدام حسين جعل سورية حليفة إيران. لذلك كان التفاهم مع حزب الله سهلًا بين الدولتين، فدعمت سورية المقاومة، غير أن الدعم الأساس للمقاومة اللبنانية جاء من إيران. ومن دون التسهيلات السورية، كان صعبًا جدًا أن تبلغ المقاومة ما بلغت. لكن، بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، لم يكن لسورية حليف حقيقي في لبنان سوى حزب الله، حتى نبيه بري تزعزعت العلاقة به في بداية الأزمة، عندما اعتقد كثيرون، ومنهم وليد جنبلاط وسعد الحريري، أن وجود الولايات المتحدة في العراق سوف يحجّم الأسد، أو حتى يقلب نظام حكمه. وأعتقد أن هذه المجموعة اللبنانية راهنت على حكمت الشهابي وغازي كنعان، ولهذا “انتحر” الأخير..

• كانت المقاومة اللبنانية، في البداية، مصلحةً سورية إذًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

من دون شك. وظل حزب الله الحليف الأهم، ثم أصبح قوةً مسلحةً بديلةً من الوجود السوري في لبنان، أَكان ذلك في السياسة الداخلية اللبنانية، أو في ما يخص الصراع ضد إسرائيل. فبعد عام 2005، تضاعفت أهمية حزب الله لسورية، حيث لم تكن هنالك أي قوة أخرى يمكن الاعتماد عليها. وكان هذا رأيي أيضًا، وقلته صراحة للرئيس الأسد، وكنتُ شاهدًا على النقاشات في هذا الموضوع مع الرئيس بشار الأسد، ومع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شخصيًا أيضًا. وآنذاك التقيت، أول مرة، السيد نصر الله. ومن الواضح أن حزب الله استغل تلك المكانة. علينا أن نتذكّر أن حزب الله، بعد انتصار عام 2000، أي تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، أصبح لديه رصيد عربي وعالمي لا تستطيع سورية أن تتجاهله، وأصبح التعامل معه مربحًا لسورية على مستوى الرأي العام العربي والعالمي. التعامل مع حزب الله بعد تحرير جنوب لبنان في عام 2000 يختلف تمامًا عما كان قبل ذلك.

انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني من دون توقيع اتفاق سلام. ثم جاءت حرب تموز/ يوليو 2006 التي وقفنا فيها إلى جانب المقاومة، والتي كلفتني شخصيًا خروجي من بلادي إلى المنفى. حينذاك، في خضم تلك الحرب، كان من الصعب، في لحظة المقاومة ولحظة الحرب ولحظة الصراع، وفي معمعان القصف والضحايا، أن تحدّد متى تكون المواجهة مع إسرائيل هدفًا، وأين تصبح وسيلةً. ففي خضم الحوادث، هناك ضحايا وحياة بشر وبطولات وشجاعة وقصف وتشرّد. والموقف الطبيعي، كفلسطيني وكقومي عربي ويساري وديمقراطي، هو مع المقاومة بلا ريب. لكن واجبي كمثقف أن أفكر لاحقًا، وبهدوء، في تحولات الصراع مع إسرائيل وقضية فلسطين وسورية وحزب الله وإيران، وهل كانت قضية فلسطين وسيلةً لتثبيت نظام الحكم في سورية، أو تثبيت قوة عسكرية تابعة لإيران في لبنان؟

تثبت الحوادث القاطعة أن قضية فلسطين عند كثيرين كانت أداةً ووسيلةً، وليست هدفًا وغاية. فلو كانت قضية فلسطين هي الهدف، فلا تتحوّل حركة حماس مثلًا إلى خائنة إذا اختلفوا معها. لو كانت مقاومة الاحتلال هي المبدأ، لا يصبح مقاوم الاحتلال أو حليف المقاومة خائنًا إذا اختلفتَ معه في شأن النظام السوري. واضحٌ أن فلسطين ليست بوصلةً ولا غايةً هنا، ولا هي الأساس. فالمحدّد الرئيس للمواقف هو السلطة والنفوذ والطائفة وغيرها. إذا وقفتَ معهم في هذه القضايا تصبح وطنيًا، حتى لو كنت عميلًا لإسرائيل. وإذا اختلفتَ معهم في شأنها تصبح خائنًا، حتى لو كنت مقاومًا للاحتلال. هذا الأسلوب هو في ذاته “خيانة” لقضية فلسطين. وهذا بلغتهم وليس بلغتي. إن الخيانة الكبرى هي إنتاج الطائفية وتكريسها لأغراض سياسية، وتلبيس الطغيان والاستبداد قضية فلسطين.
“لو كانت مقاومة الاحتلال هي المبدأ، لا يصبح مقاوم الاحتلال أو حليف المقاومة خائنًا إذا اختلفتَ معه في شأن النظام السوري”

إذا كانت قضية فلسطين هي الأساس، فلا يجوز أن ترشّح إيلي حبيقة، سفاح “صبرا وشاتيلا” على قائمتك في الانتخابات النيابية، حتى لو وقف إلى جانبك في تحالفاتٍ طائفية داخلية. هذا إذا كانت فلسطين هي المبدأ في المواجهة مع إسرائيل. أي إن الوطني لا يتحوّل إلى عميل، والعميل لا يتحوّل إلى وطني، بحسب الاعتبارات السياسية المتغيرة، إلا إذا كانت القضية الوطنية مجرد أداة، فيما الأساسُ هو النفوذ السياسي ونظام الحكم. وهنا، أضيف إن عدم بذل سورية أي جهدٍ على جبهة الجولان أعوامًا طويلة، واستخدام جبهة لبنان، أمر يقتضي الوقوف عنده. وبعد إقفال جبهة جنوب لبنان، بدأ الإيرانيون محاولاتٍ يائسةً لاستخدام جبهة غزة من خلف ظهر كتائب عز الدين القسام وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، محاولين إشعالها متى شاءوا، لاعتباراتهم الإقليمية، لأنهم ليسوا مبدئيين في التعامل مع قضية فلسطين.

أزعجني التعامل مع الفلسطينيين في لبنان أيضًا. فلو كانت قضية فلسطين “مقدّسة”، أو أنها هدف في ذاتها، فلِمَ يُعامل الفلسطينيون في مخيمات جنوب لبنان بهذه الطريقة؟ ولِمَ لا يُدمج الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال، ما دامت المقاومة وُجدت من أجل فلسطين؟ أفهم أن من الطبيعي، في هذه الحال، أن تنشأ حركة مقاومة لبنانية لتحرير الجنوب، إذا كان الهدف هو تحرير الجنوب وحده. لكن، إذا كانت فلسطين هي الهدف، فلِمَ تكون المقاومة مقصورةً على اللبنانيين وحدهم، وعلى طائفةٍ واحدة؟ ولماذا لم تنشأ مقاومة لبنانية – فلسطينية؟ هذه الأسئلة وغيرها تؤكد منطق “الأداتية”، أي استخدام قضية فلسطين أداةً لتعزيز الحضور الطائفي والسياسي لفئةٍ لبنانيةٍ من دون الفئات الأخرى، ولبلورة وعي وتسليح طائفيين، ثم يُستخدم ذلك كله للتأثير في السياسة اللبنانية، وتعظيم وزن هذه الطائفة في السياسة اللبنانية. وأعتقد أن هذا الأمر أصبح من غير الممكن تجاهله.

وهذا لا يعني على الإطلاق عدم التقاطع مع حزب الله وعدم التحالف معه في سياق الصراع مع إسرائيل. لكن، يجب أن نعي حدود التقاطع والتحالف كي لا نتحوّل إلى أداةٍ استخدامية، وكي نحافظ على نظرتنا النقدية المنطلقة من موقف أخلاقي ووطني تجاهه، أي ألا نصبح مبرّرين لجميع خطواته التي لا تصب في المشترك، بل تقوّضه. وهذا ما يؤهلنا كوطنيين أن نراجع أسس التحالف دوريًا لنقوّم هل ما زالت تلك الأسس موجودةً وقائمة فعلًا، وبالتالي يكون في إمكاننا استمرار التحالف أو فك التحالف في لحظةٍ ما، حين يتحوّل جهد حزب الله مثلًا ضد الشعب السوري. الموقف العادل يصطف مع الحق والعدل ويواليهما، ولا يوالي نظامًا وطائفةً وشخصًا.

• اعتبر كثيرون النظام السوري علويًا يقوم على أساس حكم الطائفة ضد الطوائف الأخرى، وحلّلوا مواقفه السياسية انطلاقًا من هذا الفهم. هل اعتبرت، في أي وقت، أن النظام السوري علويّ، وهل تغيّر رأيك الآن؟

لا، لم اعتبره كذلك. وما زلت على موقفي هذا. النظام السوري سمته الأساسية سيطرة نخبةٍ عسكريةٍ أمنيةٍ على حزبٍ ذي قواعد ريفية وبرجوازية وسطى. وهذا الحزب تحالف مع رجال أعمال في مرحلة الرئيس بشار الأسد. وللدقة، نشأت من هذه النخبة ذاتها مجموعة رجال أعمال جدد واصلت التحالف مع بعض رجال الأعمال القدامى بهيمنةٍ أكبر. ولا شك في أن القوى التي سيطرت على الحزب الحاكم استعانت بقواعد قرابة، وانتماءات جهويةٍ وعشائريةٍ، تطابقت مع الانتماء إلى طائفةٍ بعينها. وهذا أنتج طائفية وطائفية مضادة في النهاية. ولأن السلطة تعتمد، في الأساس، على الأمن ورجال الأمن، فإن الذين لهم نفوذ عند رجال الأمن أصبحوا الأكثر نفوذًا في السلطة. وليس انغماس هؤلاء وجماعاتهم في أجهزة الأمن نابعًا من كونهم يتحدرون من طائفةٍ بعينها، بل من الولاء المباشر، أَكان هؤلاء الموالون علويين أو غير علويين. وعلى العموم، تستند هذه القاعدة إلى اعتباراتٍ محليةٍ، كالمنطقة أو العشيرة. فلم يجلب صدام حسين ومعاونوه أبناء تكريت ومنطقتها إلى أجهزة الأمن والجيش لأنهم سُنّة، بل لأن الولاء له شخصيًا هو الأساس. ولا أعتقد أن حافظ الأسد والعسكريون من حوله جلبوا أبناء منطقتهم لأنهم علويون، بل لأنهم من أبناء مناطقهم الموثوقين. ونشأت علاقات ولاء وثقة بين أبناء المنطقة نفسها في الحزب والأجهزة. وكبرت هذه النخبة بالتدريج، لأن هذه العملية لا تتوقف. فكل ضابط كبير يستسهل إحضار أبناء عمومته وأقاربه وأبناء ضيعته وأبناء منطقته، جرّاء الطلب على العمل من ناحية، وضعف المؤسسات، علاوة على قلة المعرفة بالمناطق المختلفة من الوطن حديث التشكيل من ناحية أخرى.

وهكذا نشأ ما نشأ في حالتي السنة في العراق والعلويين في سورية (يضاف هذا إلى خلفية تاريخية هي وراثة النخب العثمانية الدولة العراقية بعد الاستقلال، وكانت في أغلبيتها الساحقة متحدّرة من أبناء المدن السنة). لكن ميول من وسموا حزب البعث السوري بأنه تنظيم علوي، وليس تنظيمًا حزبيًا، ترجع إلى أن الناس يبحثون عمّا يميزهم من هؤلاء: “أنت تضطهدني وتقمعني، فما هو الفارق الذي يبرّر هذا الاضطهاد؟”. هنا، يبدأ الكلام على المؤامرات الطائفية، وأن الفارق يكمن في أن السلطة علويةٌ والشعب سُنّي، وهذا تبسيطٌ يخلّ بالمعرفة. ولكنه ليس تبسيطًا من دون أساس. فثمّة عصبية طائفية واضحة في الأجهزة الأمنية. والواقع ينتج طائفية. وفي بحثي عن الطائفية، توصلت إلى نتيجة سوف ترد في كتابي، وهي “إن الطائفية السياسية تنتج طوائف متخيلة”.

الحقيقة أن أي فئةٍ لا تستطيع أن تحكم بلدًا مثل سورية من دون تحالفٍ واسع مع رجال أعمال وطبقات اجتماعية ومثقفين وأصحاب مصالح من الطائفة الأخرى. وهؤلاء جميعًا هم من يشغّل جهاز الدولة. والمعروف أن العلويين ليسوا جميعًا طبقة حاكمة، كما أنهم عانوا هذا الارتباط بالطبقة الحاكمة، مثلما حصلوا على امتيازات. كما أن النظام اعتمد، إلى حد بعيد، على عشائر بدوية وغيرها من الفئات غير العلوية في الجيش والأجهزة أيضًا. كما أن جزءًا من النخبة الحاكمة ينتمي إلى الأغلبية السنّية. لكن الوعي الشعبي لا يرى ذلك. لم يكن صدام حسين طائفيًا كذلك، فنصف وزراء دولته، أو أكثر، كانوا من الشيعة. وفي الحرب مع إيران، لم ينشق الجيش على أساس مذهبي، على الرغم من تهرب البعض بشكل فردي من الجندية، مع أن 60 في المئة من جنوده وضباطه كانوا شيعة.. ولكن، لا يمكننا تجاهل نشوء عصبياتٍ طائفيةٍ من خلال السيطرة على جهاز الدولة، واستثارتها في الدفاع عن النظام والتعبئة ضده، وانتشار شعورٍ بين أبناء طائفة محدّدة مفاده أن النظام نظامهم، وأن مصيرهم مرتبط بمصيره.
________________________________________________

 

المصدر: العربي الجديد