أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » عبد القادر عبد اللي نافذة القرّاء العرب إلى الأدب التركي….

عبد القادر عبد اللي نافذة القرّاء العرب إلى الأدب التركي….

كنت دائما ما أردد الأبيات التالية على مسامع من حولي:

“إمنحوني شيئا من التقدير &8230;..في حياتي وليس بعد مماتي

ومن السخف أن تحطوا زهورا &8230;&8230;فوق قبري، الآن هاتوا زهوري”

يبدو أننا هكذا نحن البشر مجبولون على ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد فقدها، كم كنت أتمنى أن أكتب عن الاسم الكبير “عبد القادر عبد اللي” وهو على قيد الحياة، ونوينا -ولم نفعل- أن نذهب إليه وهو في المستشفى للحديث إليه، إلا أن الظروف حالت دون ذلك، وأسأل الله ألا يكون هذا المقال كمن يضع الزهور فوق قبر الراحل، بل أن يكون عربون تقدير واعتراف بما بذله الراحل عبد القادر عبد اللي وقدّمه للأدبين العربي والتركي على حدّ سواء.

كلفني أستاذ مادة النقد عندما كنت طالبا في السنة الرابعة “قسم اللغة العربية” بأن أتناول في حلقة البحث الخاصة بالمادة رواية لأورهان باموك، بعد أن كان الأخير قد فاز لتوّه بجائزة نوبل للآداب. وهذه كانت المرّة الأولى لي التي سأقرأ فيها شيئا من الأدب التركي، فذهبت إلى المكتبة وأحضرت رواية الكتاب الأسود للكاتب المذكور.

للصراحة عندما اشتريت الكتاب لم أُعر أي اهتمام بالمترجم، كان همّي الوحيد أن أحصل على الرواية وأن أنجز حلقة البحث، وبعد أن بدأت بالقراءة وتقدّمت بالصفحات، انتابني شعور بضرورة العودة إلى غلاف الرواية لأتعرّف على اسم المترجم. عندها كانت المرّة الأولى التي تقع فيها عيني على اسم عبد القادر عبد اللي.

السبب الذي دفعني إلى أن أعود إلى الصفحة الأولى لأعرف اسم المترجم، بعد أن تجاهلت الأمر لدى شراء الكتاب، هو أنني لم أشعر نفسي -لقوّة الترجمة- أمام كتاب تُرجم من لغة إلى أخرى. غالبا ما تُفقد الترجمات روح المادة المُترجمة، ولكن أن تتناول كتابا تُرجم من لغة أجنبية إلى العربية وأن تخال نفسك وكأنك تقرأ كتابا من اللغة الأم مباشرة فذلك كان بالنسبة إلي أمرا مثيرا للدهشة والتقدير في آن معا.

في السنة الأولى من الدراسات العليا كلّفني أستاذ مادة علم الجمال بتناول روايات لعزيز نيسين، ولا سيّما أنني كنت أخطط الاختصاص في رسالة الدكتوراه بالأدب المقارن، وكنت أنوي تناول الكوميديا في أدب عزيز نيسين، ما لفت انتباهي حينها أنّ ترجمة الروايات جميعها التي قرأتها لنيسين كانت تعود إلى الاسم ذاته “عبد القادر عبد اللي”.

عند ذلك عرفت أنّ عبد القادر عبد اللي هو رائد الترجمة الأدبية بين اللغتين التركية والعربية..

يقول أحد النقاد السوريين: “على كل قارئ عربي أن يقرأ رواية الطريق الوحيد لعزيز نيسين، ومن لم يقرأ هذه الرواية لم يقرأ رواية في حياته قط”، ذكرت هذه العبارة لزميل لي فذهب على الفور ليشتري الرواية، وقرأها، وأبدى إعجابه الكبير بها، وكان في كل مرّة يروي لي شيئا من تفاصيل الرواية، ومن ثم أهداني الزميل نفسه الرواية لدى تخرجي من الجامعة، كنت عندما أقرأ الرواية، ولأن عزيز نيسين هو رائد الكوميديا السوداء كما يراه الكثيرون من النقاد، كنت أضحك من القلب لأحداث الرواية، براعة نيسين في الكوميديا أمر لا يختلف عليه اثنان، ولكن براعة “عبد القادر عبد اللي” في نقل روح الرواية إلى هذا الحد من الإبداع الذي لا يُشعرك بالغرابة فيما يخص مضمون المادة المترجمة، كان أمرا يستحق الاحترام والتقدير”.

لو لم يكن عبد القادر عبد اللي بدأ هذا المشوار المهم في تاريخ الأدبين التركي والعربي، وترجم لنا رواية الطريق الوحيد فقط، دونا عن غيرها من الروايات، هل كان الناقد السوري سيخلص إلى فكرة مفادها “من لم يقرأ رواية الطريق الوحيد لم يقرأ رواية في حياته قط”، بعبارة أخرى: لو لم يكن عبد القادر عبد اللي من أين للقرّاء العرب المهتمين بالأدب أن يتعرّفوا على هذه الشخصية الفذة “عزيز نيسين” وعلى روايته، باختصار غدا عبد اللي الجسر الواصل بين الثقافتين التركية والعربية، والنافذة التي أطلّ من خلالها القرّاء العرب على الأدب التركي”.

عذرا للإطالة في المقدمة ولكن لا بد من ذكر ما سبق لكي أتمكن من إيصال الجهد الكبير لهذا الاسم الفذ، وما قدّمه للثقافتين التركية والعربية معا، إلى القارئ العربي.

يقول أحد النقاد: إن التميّز في مجال ما، يقتضي امتلاك الشخص للأدوات جميعها، ولا يكفي ذلك، إنما عليه أن يستغل تلك الأدوات كافة والاستفادة منها بأقصى قدر ممكن، ليكون رائدا في المجال الذي يعمل فيه. ولعلّ هذا ما فعله عبد القادر عبد اللي، إذ كونه ترعرع في سوريا، وأتم دراسته في تركيا، أسهم في تعرّفه على الثقافتين التركية والعربية على حد سواء، والتعرّف على روح المجتمعين إلى جانب اللغتين الخاصة بهما، فانعكس الأمر على حرفية الترجمات التي عمل عليها، بعيد امتلاكه لأدواتها.

ولد عبد القادر عبد اللي عام 1957 في مدينة إدلب السورية، وتخرج من قسم فنون المسرح والمشهد، وحاز على درجة الماجستير في الرسوم المتحركة من جامعة “معمار سنان” للفنون الجميلة في ولاية إسطنبول.

بدأ عبد القادر عبد اللي مسيرته في الترجمة من خلال القصة القصيرة التركية، ليشتهر فيما بعد من خلال ترجمته لأعمال الكاتب الساخر “عزيز نيسين”، وبفضل الترجمات التي عمل عليها “عبد اللي” في روايات نيسين تم تمثيل العديد من مشاهد مسلسل مرايا الشهير بالاعتماد على أفكار روايات نيسين المترجمة.

ويعود له الفضل في مواكبة الأدب التركي باللغة العربية. وتحمل ترجماته أهمية كبيرة، ولا سيّما بعد أن بدأ الأدب التركي يرتقي في فن النثر على وجه الخصوص، ويشهد حضورا في الساحة العالمية، إذ من خلاله تمكّن القرّاء العرب من التعرّف على روايات أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب في عام 2006 وعلى روايات غيره من الكتّاب الأتراك المهمين.

وترجم عبد اللي إلى جانب روايات نيسين وباموك العديد من الأعمال الأدبية الأخرى لغيرهما من الكتّاب، ومنهم “ناظم حكمت ويشار كمال وإليف شفق”&8230;..

ومن أشهر الكتب التي ترجمها عبد القادر عبد اللي “الطريق الوحيد، يحيى يعيش ولا يحيا، تر لي لم، آه منا نحن معشر الحمير” وغيرهم للكاتب نيسين، و”الكتاب الأسود، وغرابة في عقلي، اسمي أحمر” وغيرهم لأورهان باموق، ورحلة شيقة في تاريخ الدولة العثمانية للكاتب طلحة أوغلو، وغيرهم العديد من الأعمال الأخرى، ليكون إجمالي ما ترجمه يزيد عن 80 عملا.

كما ترجم العديد من المسلسلات التركية أشهرها “وادي الذئاب ونور”، بالإضافة إلى كتابته العديد من المقالات السياسية المتعلقة بالشأنين التركي والعربي”.

يمكننا القول: إنّ عبد القادر عبد اللي تبنى الترجمة بين اللغتين التركية والعربية كمشروع له، على الرغم من المعوقات الكبيرة، وأزمة الثقة المتواجدة بين القراء من الجانبين بأدب الآخر، بتعبير آخر لم تكن الترجمة من التركية إلى العربية بهذه السهولة، وإنما كانت محفوفة بالصعاب.

في هذا السياق قال عبد اللي: “أزمة الكتاب العربي في تركيا، وأزمة الكتاب التركي في البلاد العربية هي واحدة تقريبا، دائما عندما نقدّم مقترحا لترجمة كتاب ما من الأدب التركي إلى العربية، نقدّم مستندنا على أساس أنّ هذا الكتاب تُرجم إلى إحدى اللغات الأوروبية أو أكثر من لغة أوروبية، لكي نجعل الناشر يقبل هذا الكتاب، والأتراك أيضا يفعلون الأمر نفسه، لا يتقدمون لترجمة الكتاب العربي إلا إذا كان هذا الكتاب قد أثبت حضورا ما في الساحة الأوروبية، بمعنى آخر هناك نظرة استخفاف متبادلة للنتاج الأدبي على الصعيدين”.

إن ما سبق يُعد اعترافا بمدى الصعوبة التي واجهها عبد اللي في ترجمة الآثار والأعمال إلى العربية.

وعن السبب الذي دفع بـ عبد اللي إلى الترجمة من اللغة التركية إلى العربية منذ سبعينيات القرن الماضي، على الرغم من كون اهتمام القارئ العربي ضعيفا بالأدب التركي أنذاك، قال في لقاء أجراه مع العربي الجديد: “بسبب دراستي في تركيا واطّلاعي على التاريخ العثماني والأدب والفن التركي، شعرت بضرورة نقل أدب هذا الجار الذي ظلمته السياسة كما ظلمتنا. أردت التفريق بين الإمبراطورية العثمانية والدولة التركية، بقصد تعريف القارئ العربي على واقع تركيا الاقتصادي والسياسي والأهم الإبداعي، فبدأت بالكاتب الساخر عزيز نيسين، الذي اقترن اسمي باسمه لفترة طويلة، منذ أن ترجمت له رواية “زوبك”.

إن الإحاطة بمقال واحد عن الجهود التي بذلها عبد اللي في مجال الترجمة شبه مستحيل، سيبقى عبد القادر عبد اللي اسما رائدا في مجال الترجمة من التركية إلى العربية لن يأفل نجمه، وسيبقى مثالا يحتذى به بالجد والنشاط، لطالما أنه صاحب عبارة  “المترجم يستيقظ باكرا”.

ولعل أجمل ما نختم به، هو ما كتبته الروائية التركية “جاكلين تشليك” عنه بعيد وفاته:

كنت أذهب بصحبة عبد القادر عبد اللي باتجاه مركز العاصمة دمشق، أغنية داخل الحافلة التي كانت تقلنا، كلمات باللغة العربية، منهم من يركب وآخرون ينزلون، وبينهم الموسيقا كانت في صعود وهبوط، بين الصعود والهبوط نغمة موسيقية تلامس تركيا، وتتصاعد إلى أذني، وبعد مرور ثوان أكتشف أنّ الموسيقا التي يتمّ عزفها هي الموسيقا ذاتها الخاصة بأغنية تركية مع اختلاف الكلمات واللغة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أتعرّف فيها على صباح فخري وأغنيته “قدّك المياس” وفجأة تتربع الأغنية باللغة العربية على عرش قلبي. أيّا كانت الكلمات من يستطيع أن ينكر أن الموسيقا هي عبارة عن شط بحر؟ وعندما يكون هناك شط لا بد من وجود الموج إذن، وإن كان الموج موجودا فهذا يعني أن الموسيقا موجودة&8230;&8230;

أتحدث عن عام 2003، العام الذي كانت فيه الموسيقا السورية ماتزال تصدح في الأعالي، ولم تكن الحرب حينها مسحت بريشة الحزن على وجوه البشر في لوحات عبد اللي الزاهية&8230;..

عندما بدأت الحرب السورية انتقل عبد القادر عبد اللي مع عائلته إلى أضنة، اتصلت به عدّة مرات، كان أمامه جبل، وكان ينتظر اليوم الذي سيجتمع فيه شطّ بلده التائه بموسيقاه مرة أخرى، علمت أنّه لم يحتمل الانتظار أكثر، وضاع باتجاه شط بلد الموت

أسامة أسكه دلي

ترك برس