أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » اليهودي الرائع

اليهودي الرائع

لست ممن يطلقون كلمة رائع على كل ما يستحسنون. الرائع في اللغة هو الذي يروعك، أي يدخل في روعك، أي قلبك، دهشةً. ولو لم يُدخل هذا الكاتب اليهودي في قلبي الدهشة لما سميته رائعاً. سوف تتعجب عندما تعلم أن الرجل إسرائيلي أيضاً، وستتعجب أكثر عندما تعلم أنه ولد في مستوطنة كريات أربع. ذلك أنني فلسطيني عانى من الاحتلال الإسرائيلي ومن المستوطنات، التي هي أبشع ظاهرة في النصف الثاني من القرن العشرين، وليس سهلاً عليَّ أن أثني على إسرائيلي. لكن، العذر للرجل أنهم لم يسألوه وقت مولده عن المكان المفضل لسقوط رأسه. ولعمري فإن له رأساً كبيراً.

هذا يوفال نوح هراري. وهو في الأربعين من العمر. درس في أكسفورد ببريطانيا، وهو أستاذ في الجامعة العبرية بالقدس. وهو مؤرخ، لكن بنكهة غريبة.

عندما رأيت كتابه الجديد، الصادر قبل أشهر، (الإنسان إلهاً)، ترددت في ابتياعه. فماذا عسى الرجل يقول بعد أن قال الكثير، وبعمق بديع في كتاب سابق له (البشر)، صدر قبل عامين فقط. لا.. لن أشتري هذا الكتاب! فلا بد أن الرجل يكرّر نفسه. ففي كتابه عن (البشر) سرد تاريخ البشرية سرداً مؤسساً على العلم والفلسفة. وقدم “رؤية” كأنها “الرؤيا”. واخترق بنظراته حجب العقائد والأساطير، واغترف تاريخ الجنس البشري من منابعه البيولوجية والاقتصادية، واضعاً تفسيراً للتاريخ، لا مجرد رواية للأحداث.

قرأت كتابه السابق، ثم علمت أنه ترجم إلى ثلاثين لغة. وقلت في نفسي: الناس في العالم يفهمون والله! قد عرفوا قيمة الكتاب. وها هو الآن يصدر كتاباً آخر وبالحجم نفسه، أكثر من 400 صفحة، فلا بد أنه يكرّر نفسه. لكنني ابتعت الكتاب.

الكتاب الجديد يؤرخ للمستقبل. ولعل القارئ سمع كثيراً، أو قليلاً، بعلم المستقبليات، وبما
يخوض فيه أهل هذا “العلم” من تنبؤاتٍ. وأنا سمعت بهذا العلم، وقرأت من كتب أصحابه قدراً لا بأس به. لكن كتاب هراري الجديد (الإنسان إلهاً) شيء مختلف. فرحت أنني اشتريت الكتاب.

المميز في كتابة هذا الرجل أنها تستند إلى ذخيرةٍ غنيةٍ من المعارف العامة والعلوم البحتة، ومن الإلمام حد الإحاطة بالعلوم الإنسانية. فالرجل ليس مؤرخاً يقضي ساعاته وهو يعطس مما يدخل أنفه من غبار المخطوطات. نعم، قد درس التاريخ الوسيط في أكسفورد، وتدكتر، لكنه يُحسن أن يبني رؤيته التاريخية والمستقبلية على علوم شتى.

يفاجئنا في مطلع كتابه الجديد بنبوءة: أن الإنسان سيهزم الموت. وقد نضطرب لمثل هذه النبوءة الصارخة، ونوشك أن نلقي بالكتاب جانباً. لكن حنانيك! لن تستطيع أن تلقي بهذا الأسلوب جانباً.

الأسلوب هو أن تحدّثني وتشدّني، وأن تلقي علي الفكرة الصارخة مع امتلاكك القدرة على أن لا تفقدني، وهو أن تسوق نتائج أبحاثك سوقاً واضحاً مشرقاً من دون أن تضطرني إلى قراءة الفقرة مرتين، وهو أن تمتلك القدرة على استعمال القدر الصحيح – وهو قدر قليل جداً – من المعارف التي جمعتها في خضم البحث، من دون أن تصرّ على إيراد ما هو في صلب الموضوع، وما هو بعيد عنه لمجرد أنك تعبت في الحصول عليه. الأسلوب هو أن تجعلني أسارع بالعودة من العمل إلى البيت، لأنني مشتاق لإكمال كتابك. ولا بأس بعد ذلك من “زيادة البياع”، وهي اللغة الفصيحة. نعم يمكنك أن تعابث القارئ بعض المعابثة، وأن تنفق بضعة أسطر هنا وهناك للاشيء إلا لتشويقه. ولكن الكتابة المحكمة واللغة المتينة من لوازم الأسلوب الحسن. ويوفال هراري يكتب بأسلوب بديع. وقد كتب كتابيه ونشرهما أولاً بالعبرية، ثم ترجمهما إلى الإنكليزية بنفسه. وهو يحرص على أن يذكر أنه هو صاحب الترجمة، وله الحق أن يفتخر بهذا القلم الإنكليزي الفصيح. وأشبهه في هذه بابن جلدته إسحق دويتشر الذي تعلم الإنكليزية بعد السابعة والثلاثين، ثم كتب بها، كما يكتب كبار أهل البيان الإنكليزي، فأثار زوبعة إعجاب بين أهل اللغة.

نعود إلى تلك القنبلة التي ألقاها يوفال هراري في بداية كتابه: الإنسان سيهزم الموت. يريد أن يحرمنا هذه النعمة، نعمة الموت! الموت الذي يحقق بعض العدل بين الظالم والمظلوم. ما أصعب الخلود على سطح الأرض، والمظلوم يرى ظالمه. لكن الموضوع أصعب من ذلك في الواقع، فهراري يريد تخليد الأثرياء وإماتة الفقراء.

يتحدث الكاتب، بشكل علمي رصين، عن إمكانيات العلم في المستقبل، وكيف أنه – مثلما
ضاعف عمر الإنسان خلال القرن العشرين – يستطيع أن يبتدع طرقاً لتجديد الأنسجة ودرء الأمراض عن طريق الهندسة الجينية. وسيكون الأثرياء أحسن حظاً في هذا بالطبع، لا بل سيتاح لهم أن يختاروا التركيبة الجينية الأقوى لأولادهم قبل أن يولدوا. وهذا الأمر الأخير وارد علمياً الآن.

الخلود المطلق ليس هو بالطبع ما قصد إليه الكاتب، لكن إطالة العمر إلى ما فوق المئة والخمسين سنة قد تكون أمراً ممكناً في المستقبل غير البعيد. ويسرد الكاتب سيئات هذا السيناريو، ولا ينسى أن يذكّرنا، بين الحين والحين، أنه لا يكتب قصة خيال علمي.

يرى هراري أن جشع الإنسان المعرفي سيدمره، وأن إطالة العمر لا تعني إطالة السعادة. هو جشعٌ فحسب. وهو أمر واقع لا مهرب منه. ويلفت نظرك على نحو صارخٍ في هراري أنه ليس داعيةً، بل فيلسوف. فهو – وإن كان نباتياً مطلقاً لا يأكل حتى البيض – قادرٌ على أن ينظر إلى الأمور نظر من يبتغي تفسيرها، لا التبشير بسلوك أو بعقيدة.

لا أعرض لكل أفكار الكتاب، فهي تنتظم على هيئة رؤية يوهنها الاجتزاء، غير أنني أرى الكتاب من أفضل وأرسخ وآنق ما كتب في المستقبليات.

يؤلمني أن العرب قد ينصرفون عن ترجمة هذا الكتاب، وأخيه الذي سبقه، لأن الكاتب إسرائيلي. على أنه مما يثلج الصدر أن يوفال هراري لا يغمس لسانه في السياسة، وأنه يتبع في حياته الشخصية عقيدة التأمل، إذ ليس بصاحب دين، وأنه نظر في كتابه الأول، التاريخي، إلى العرب والمسلمين نظرة خالية من أي تعصب.

يصدق على يوفال هراري القول الفرنسي المشهور “الأسلوب هو الرجل”، وآمل – إن قرّر صاحبنا أن يغمس لسانه في السياسة – أن يلسع دولته الظالمة بما تستحقه.

المصدر: العربي الجديد – عارف حجاوي