أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » اللبناني السابق علي أبو دهن : كنت شاهدا على موت معتقلين تحت التعذيب في سجن تدمر

اللبناني السابق علي أبو دهن : كنت شاهدا على موت معتقلين تحت التعذيب في سجن تدمر

اعتقل لمدة 13 عاما في سوريا أمضى معظمها في سجن تدمر الذي يصفه بالجحيم. بعد خروجه من السجن ألف كتابا سرد فيه رحلة عذابه. DW عربية حاورت المعتقل اللبناني السابق علي أبو دهن حول كتابه وإقامته في “جهنم”.

علي أبو دهن السجين اللبناني السابق الذي تم اعتقاله 13 عاما في السجون السورية، بدأت رحلة اعتقاله من سجون فروع المخابرات السورية، حتى وصل إلى “جهنم” كما يسمي سجن تدمر في كتابه “عائد من جهنم… ذكريات من تدمر وأخواته”. بعد إطلاق سراحه عام 2000، أراد علي أبو دهن أن يشعر بحريته وبأنه يستطيع الكلام فعلا، فألف هذا الكتاب الذي يسرد فيه ذكرياته ويومياته التي عاشها خلال “رحلة الموت” التي لم يصدق في البداية أنه نجا منها فعلا، حتى وصل إلى بيته والتقى عائلته في لبنان. لكنه لم يكتف بنجاته واسترجاعه لحريته، فأسس مع رفاق “جهنم” السابقين “جمعية المعتقلين اللبنانين في السجون السورية”، التي تعمل وتسعى إلى إطلاق سراح باقي المعتقلين في السجون السورية. علي أبو دهن زار مقر DW في بون وأجرينا معه الحوار التالي عن كتابه وتجربته في “جهنم”.

DW: ما هي التهمة التي وجهت إليك وتم اعتقالك بسببها في سجني تدمر وصيدنايا 13 عاما وأنت لبناني ولست سوريا؟

علي أبو دهن: لقد تم اعتقالي في السجون السورية بتهمة مناهضة النظام السوري، والأصح الاحتلال السوري لبلدي لبنان. تم اعتقالي من لبنان وترحيلي إلى سوريا، وكان حينها يتم ترحيل المعتقلين اللبنانيين في سيارات مغلقة لا يعلم أحد إلى أين ولا مصير المعتقلين.

يقال بأنه تم اعتقالك بتهمة الانتماء إلى جيش لبنان الجنوبي الذي كان يتعاون حينذاك مع إسرائيل؟

لا.. تم اتهامي بالتعامل مع إسرئيل مباشرة وليس مع جيش لبنان الجنوبي، حيث كانت إسرائيل تحتل أجزاء من لبنان. أحيانا كنت أقول بيني وبين نفسي، ليتني كنت قد تعاملت مع إسرائيل فعلا لأستطيع تبرير اعتقالي، وطبعا هذا أمر خاطئ جدا وغلط كبير.

بعد خروجك من السجن ألفت كتابا بعنوان “عائد من جهنم… ذكريات من تدمر وأخواته” تستبدل فيه كلمة سجن بجهنم.. لماذا هذا الاستبدال؟ فهل كانت تجربة السجن قاسية ومريرة إلى هذا الحد حتى تعتبر سجن تدمر مرادفا للجحيم؟

تدمر هي جهنم، وإذا كنت تسال ما هي جهنم؟ سأخبرك ما هي جهنم التي عدت منها! وحين قلت في الكتاب “عائد من جهنم” فعلا أنا خرجت وعدت من رحلة الموت من جهنم. في الأديان السماوية يقال بأن الله سيحاسب في الآخرة وسيرسلك إلى الجنة أو إلى جهنم، لكن أنا أقول لك احذر أن تفعل شيئا فسيرسلونك إلى تدمر حيث هناك جهنم الحقيقية.

هذا الجحيم التدمري الذي تقول إنه “جهنم الحقيقية”، كيف هي الحياة اليومية هناك وكيف يعيش نزيل “جهنم” يومه؟

آآآآه.. جحيم تدمر.. كنا 45 معتقلا في غرفة لا يتجاوز طولها وعرضها 4 أمتار! كان يتم حشرنا وضغطنا بشدة، كنا ننام “تسييف” على جنبنا بشكل معاكس أي قدمي أمام وجه أحدهم وقدمه أمام وجهي وهكذا كل من في الغرفة. كنا نحسد سمك السردين الذي له مكان أوسع في العلبة وأقل ضغطا مما في غرفتنا. كان يمنع علينا الذهاب إلى المرحاض الذي كان في الغرفة، فكنا نبول على بعضنا ولم يكن أحد ينزعج من زميله لأنه هو أيضا سيفعل ذلك وكنا متفاهمين ومقتنعين بأن علينا أن نتحمل بعضنا ونتعايش في هذا الجحيم. وكان بيننا اتفاق على ما يمكن القول بأنه أدب وسلوك السجون في الحياة اليومية، مثلا عليك أن تتعلم كيف يمكن لخمسة أشخاص أن يتقاسموا بيضة مسلوقة واحدة بين بعضهم ولسنوات!

يقال بأن المعاملة في سجن تدمر قاسية جدا ووحشية، هل يمكن أن تصف المعاملة الفعلية هناك وما رأيته وعشته أنت بنفسك؟

معاملة السجناء في تدمر وحشية إلى درحة لا توصف. لدى وصولنا إلى السجن قال لنا الرقيب محمد نعمة الذي كان مسؤولا عنا في السجن “لا تستنجدوا بأحد، الله ممنوع من الدخول إلى هنا. إن الرئيس حافظ الأسد أصدر قرارا بمنع دخول الله إلى سجن تدمر، وإذا كان أحدكم مؤمنا سنقتله وليأتي الله وينقذه من بين أيدينا”!هكذا هي المعاملة باختصار. وحين ينام سجان تدمر فإنه يفكر كيف سيعذب ضحيته في اليوم التالي بوحشية وسادية لم يسبقه إليها أحد، عله يحطم الأرقام ويدخل كتاب غينيس بوحشيته ولا إنسانيته. باختصار: الداخل إلى تدمر مفقود والخارج مولود.

تقول في كتابك “عائد من جهنم” إن سنة 1989 كانت سنة الموت في تدمر.. لماذا 1989 بالذات، رغم أن الموت كان حاضرا دائما في سجن تدمر؟

في هذا العام بالذات مات الكثير من المعتقلين تحت التعذيب وبسبب المرض وعدم وجود أدوية. كما تم منع الصابون عنا وأصبنا بالجرب فكانت لدينا “حفلات حك” حيث نجلس جميعا وراء بعضنا مثل عربات القطار كل واحد يحك ظهر الذي أمامه وهكذا. كما أن الكثير من المعتقلين اللبنانيين ماتوا في ذلك أيضا. فقد علمت بعد خروجي من السجن أن الجنرال ميشل عون هدد وقتها بقصف وضرب القوات السورية في لبنان آنذاك، ونفذ تهديده. وتعذيبنا بوحشية أكبر كان انتقاما من ذلك، وقد مات كثير من المعتقلين اللبنانيين حينها، وأنا بنفسي كنت شاهدا على موت معتقلين اثنين كانا معي في نفس الغرفة، نتيجة التعذيب.

أنت رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، ما هو هدف جمعيتكم ولماذا تم تأسيسها؟

بعد خروجنا نحن المعتقلين اللبنانيين من السجن عام 2000، كنا نتواصل ونلتقي مع بعضنا في مجموعات صغيرة، ثم قررنا تأسيس جمعية تضم المعتقلين السابقين في السجون السورية لنتواصل مع بعضنا ومع الدولة اللبنانية كي تطلعنا على الجديد بشأن المعتقلين والاجتماعات المحلية والدولية حول المعتقلين لنحضرها ونشارك فيها. والجمعية فقط للذين كانوا معتقلين في السجون السورية، وعدد أعضائها الآن حوالي 370 عضوا وأنا أتشرف برئاستها.

وهل تتابعون أوضاع السجناء اللبنانيين الذين لا يزالون معتقلين في السجون السورية؟

طبعا، فهدفنا الرئيسي هو تحرير باقي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية والذين يصل عددهم إلى 628 معتقلا أسماؤهم موثقة، من خلال تأكيد زيارة أهاليهم لهم أو أن أحدا كان معتقلا معهم أو أن شرطيا لبنانيا سلم أحدهم للسلطات السورية وأكد ذلك وذكر اسمه لنا. وهنالك اليوم أكثر من 350 ألف معتقل في سوريا ويموت كثيرون منهم في السجون ولدينا خوف كبير على المعقتلين اللبنانيين أيضا. ونحن نطالب في كل المناسبات والمحافل المحلية والدولية بإطلاق سراح جميع المعتقلين اللبنانيين والسوريين، فنحن نعرف ماذا يعني الاعتقال في السجون السورية وأي وحشية تواجه السجين.

بعد سجن تدمر تم ترحيلك إلى سجن صيدنايا.. كيف كان الوضع وظروف الاعتقال هناك، مثل تدمر قاسية أيضا؟

لا.. مقارنة مع تدمر كانت الظروف في سجن صيدنايا أفضل نسبيا. وبالنسبة لنا القادمون من جهنم تدمر، سجن صيدنايا كان جنة. فالتعذيب والضرب كان أقل والطعام أكثر وهناك رعاية طبية نوعا ما. وبشكل عام كانت المعاملة أفضل مما في تدمر.

تنظيم داعش حين سيطر على تدمر وسجنها، يقال بأنه أفرج عن المعتقلين الذين كانوا فيه، هل صحيح هذا الكلام؟ وأنتم في جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، هل لديكم معلومات فيما إذا تم الإفراج عن معتقلين لبنانيين أيضا؟

هذا الكلام غير صحيح إطلاقا، لم يفرج عن أي معتقل. سيطرة تنظيم “داعش” على تدمر وسجنها كانت عبارة عن عملية استلام وتسليم بين النظام السوري و”داعش”. وقبل تسليم تدمر، نقل النظام المعتقلين من سجن تدمر إلى دمشق. وحين سيطر التنظيم على السجن كان خاليا تماما ولم يكن فيه أي معتقل. وبالتنسيق مع النظام تم نسف وتدمير السجن بغية محو آثار كل المعتقلين والجرائم التي ارتكبت فيه.

لقد حزنا جدا وبكينا كثيرا لتدمير السجن، فالجدران التي حمّلناها أسرارانا وكانت شاهدا على وحشية السجان قد تهدمت وضاعت الآثار والأسرار، والأرض التي ارتوت بدمنا قد دمرت، ولم نعد نعرف أين المقابر الجماعية التي كانت خلف السجن، حيث كنا نعرف خلف أي غرفة وأي جدار توجد مقبرة جماعية. وبدمار الجدران والسجن لم يعد يعرف مكان تلك المقابر. والهدف الرئيسي من تسليم تدمر والسجن لداعش كان تدميره لإخفاء آثار الجرائم التي ارتكبت في السجن وما كان يتعرض له المعتقلون من وحشية.

أنت كنت أحد أبطال الفيلم الوثائقي “تدمر” للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان واللبناني لقمان سليم. عن ماذا يتحدث الفيلم بالضبط عن الحياة اليومية ووصفها في سجن تدمر مثلما في كتابك “عائد من جهنم” أم موضوعه مختلف؟

الفيلم هو عبارة عن رسالة إنسانية نبعثها إلى العالم المتحضر ليتحرك ويساعد المعتقلين في السجون السورية. ولفضح جرائم النظام الذي يدمر المعتقل جسديا ونفسيا ويجرده من إنسانيته ويختصره برقم يعطيه إياه بدل اسمه. والفيلم عبارة عن سرد لتجربة المعتقلين ومأساتهم وشهادة على الوحشية التي تعرضوا لها خلال الاعتقال.

أجرى الحوار: عارف جابو

المصدر: دويتشه فيله