أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » المحامي فوزي مهنا: في ذكرى الجلاء لو عاد رجال الاستقلال ليسألوا عن أمانتهم ماذا بوسع السوريين القول؟

المحامي فوزي مهنا: في ذكرى الجلاء لو عاد رجال الاستقلال ليسألوا عن أمانتهم ماذا بوسع السوريين القول؟

في ذكرى الجلاء لو عاد رجال الاستقلال ليسألوا عن أمانتهم ماذا بوسع السوريين القول؟

قرن تقريباً من الزمن مرّ على الإنذار الذي أصدره الجنرال الفرنسي غورو للسوريين، خضع الملك فيصل وفريقه السياسي للمطالب الفرنسية، وأوعزوا بتسريح الجيش حديث النشأة، لم يأبه يوسف العظمة لتلك التهديدات، بل سارع على رأس جيشه قليل العدة والعدد للتصدي للجيش الفرنسي، المُجهّز بأحدث الأسلحة والطائرات، وهو على يقين بأنه سيلاقي حتفه.

قبل مغادرته دمشق، أوصى العظمة بالحفاظ على سورية، حفظ السوريون الأمانة، ناضلوا لطرد المُحتّل وتشبثوا بوحدة البلاد، فنالوا استقلالهم في ١٧ نيسان/ أبريل عام ١٩٤٧ مارسَ بعدها السوريون حياتهم السياسية والمدنية والبرلمانية، تتوجّت بانتخابات ديمقراطية حرة نزيهة عام ١٩٥٤.

رغم تعدد الانقلابات العسكرية، عاشت البلاد في هذه الأثناء عصرها الذهبي، بعد أن أخذت تنمو سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، نالت دمشق على أثرها في عام 1950 لقب عاصمة الأناقة في العالم، حتى باتت يُطلق عليها يابان الشرق الأوسط، لو قُدِّر لهذه المسيرة أن تستمر، لأصبح سعر الليرة السورية موازيا لسعر الفرنك السويسري، وفقا لفريق اقتصادي ألماني زار سورية بتلك الفترة، إلى أن جاء حكم العسكر في عام ١٩٦٣ والتي تتّوجّت بحكم الأسد الأب عام ١٩٧٠.

التاريخ لا يرحم، بين كل فترة زمنية وأخرى، يُصفِّي حساباته مع نفسه، أربعة وخمسون عاماً من حكم العسكر، مدة زمنية كانت كافية لبناء الإنسان والدولة، فيما لو اتجهّت مسيرة الاستبداد لتطبيق القانون بدلاً من التضحية به، كما فعل أتاتورك في تركيا على سبيل المثال لا الحصر، كبرت سورية خلالها وكبرت معها أحلام السوريين، تمدّدّت إقليميا، أخذت تحتفل بانتصاراتها، فباتت التحديات كبيرة.

كانت سورية خلال هذه المدة تكبر خارجياً في حين كانت تضعف داخلياً، بزيادة حجم المظالم مع سقوط القانون وانتشار المحسوبية والفساد وهدر المال العام، في ظل عدم استقلالية مؤسستي القضاء والجيش، حتى نخر السوس عظام الدولة، لذلك لم تكن الاستجابة بحجم تلك التحديات، بل عجزت السلطات الحاكمة عن تحقيق الشعارات التي رفعتها، المتمثلة بمحاربة الفساد والإصلاح والتحديث، لتتكشف حقيقة أن ذلك التمدُّد وهذا الانتفاخ، لم يكن سوى تنفيذاً لتفاهمات دولية، وتلك الانتصارات لم تكن سوى محض أوهام.

سورية أمانة في أعناقكم، هكذا كانت وصية يوسف العظمة لجميع السوريين، وهكذا كانت وصايا بقية رجالات التحرير والاستقلال، والسؤال أين أصبحت هذه الأمانة اليوم، أين أصبح هذا الاستقلال؟ لو عاد العظمة اليوم وزملائه من أبطال الاستقلال ليسألوننا نحن السوريون عن أمانتهم أين باتت؟ ماذا يمكن لنا القول؟.

سنقول أن سورية التي كنتم تعرفونها لم تعد هي سورية، ما بعد ٨ آذار ١٩٦٣ غير ما قبلها، لقد تحولت البلاد لمجموعة إمارات ودويلات طائفية، وعدد من المستعمرات، وبدلاً من جيش احتلال فرنسي، أصبح لدينا جيوشاً متنوعة اللغات، وبدل القاعدة العسكرية أصبحت لدينا قواعد متعددة، فضلاً عن انتشار الميليشيات الطائفية التي تقتل على الهوية، الوحدة العربية التي نادى بها الرفاق، بدلا من تحقيقها أخذوا يُفرطِّون بالوحدة الوطنية، التضامن العربي الذي تغنوا به ليل نهار، ومعاهدة الدفاع المشترك، كانوا أول من خرقها، بانحيازهم في حرب الثمان سنوات، بمواجهة اليمين البعثي الخائن على حد وصفهم.

سورية التي دفعتم دمائكم لأجلها لم تعد سورية العظيمة، المستعمر الذي حكم عليكم بالملاحقة والسجن والنفي والقتل، بات اليوم هو نفسه من يوزع النياشين والشهادات الوطنية على السوريين، دستور البلاد الذي نحتوه بدمائكم وعرقكم، بتنا نستورده، الذين ناضلوا لأجل رفعة سورية وعزتها، قضوا في سجون الرفاق أكثر مما قضوا في سجون العدو، سجن المزة الذي وعدوا بتحويله لمقصد سياحي، باتت البلاد اليوم سجناً كبيراً.

الرئيس الذي كان يملك بعض السلطات أصبح هو كل السلطات، البرلمان الذي كان يحاسب الرئيس بات الرئيس يحاسبه، المحكمة الدستورية العليا التي يمكن لها أن تسأله، بدلاً من أن يُقسم أمامها، أصبحت تُقسم به، المؤسستان العسكرية والقضائية اللتان كانتا صمّام البلاد بمواجهة التنافسات السياسية ومراقبة نزاهة الانتخابات، إلى جانب التصدي للأخطار الخارجية، باتتا هي السياسة، وهي من تهندس صناديق الانتخابات.

مجلس الشعب، الذي كان أول برلمان عربي يسير في طريق الديمقراطية منذ عام 1932 ، انتهى به المطاف لقبة لا تتجاوز مهامها المديح والتصفيق، والتوقيع على القرارات بلا جدل وبلا خجل، هذا المجلس لا يثق بكفاءته (65%) ممن انتخبه من المواطنين السوريين، وفقاً للاستبيان الذي أجرته مجلة الاقتصادي السورية بالعام 2007 الصحف التي كان يغلقها المحتل الفرنسي، ما تلبث أن تستهل صدورها بعد أيام، أغلقها الرفاق حتى قيام الساعة، التأميم الذي حكم على الاقتصاد السوري بالإعدام، بهدف إعادة توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء، ذهب اليوم بتلك الثروات لجيوب أصحاب النفوذ.

المدينة التي كانت تحكم نصف العالم، أيام الحكم الأموي، حينما كان يتوافد عليها الأدباء والشعراء، كالفرزدق وجرير والأخطل وعمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة ومجنون ليلى وليلى الأخيلية، والتي لم يرَ العرب في تاريخهم عزاً كعزهم في زمنها، على حد وصف مؤسس دار الهلال (جورجي زيدان) بزيارته لها عام ١٩١٤ باتت اليوم لا تحكم نفسها، تهرب منها الخبرات الوطنية الشابة، هذه المدينة الرائعة، تساهم في أهميتها السكة الحديدية التي تنطلق منها مما جعلها مركزاً تجارياً هاماً، الأنوار الكهربائية في دمشق كانت لا تنقطع عنها أبداً، يخترقها الترامواي الكهربائي من شمالها إلى جنوبها، ومياه عين الفيجة تسقيها من خلال الأنابيب الموزعة على منازلها، على حد وصف زيدان، اليوم بعد أكثر من قرن من الزمن بات يكتنفها الظلام الدامس، ويلحق بها العطش..

ماذا سنخبركم عن شعبنا اليوم؟ الشعب الذي كان يستهل يومه بعمت صباحاً يا جار، بات يستهله هل تعرف مهرباً، الشعب الذي كان يقبل بمسيحي رئيسا للوزارة السورية ووزيراً للأوقاف، ومندوبا عن سورية في الأمم المتحدة، ورئيسا لنقابة المحامين السوريين، لم يعد هو الشعب نفسه، الشعب الذي كان يكره الظلم والاستبداد، بات يقبل الاستعباد بل يناصره ويتمسك برموزه بالنواجذ.

الشعب الذي كان يستبسل بمقاومة الاستعمار، بات يرحب به ويأخذه بالأحضان، بتنا نستورد أبطالنا، لم نتعلّم من دروس التاريخ، لا من تجربتنا مع الحاج “عبدالله فيلبي” ولا من “لورنس العرب” صانع ملوكنا وأحد قادتنا في ثورتنا بمواجهة العثمانيين، والتي أودت بنا لسايكس بيكو، ولا من قائد جيوشنا في حرب النكبة 1948 “غلوب باشا” ولا من مرشحنا لوزارة الدفاع السورية الجاسوس الإسرائيلي “إيلي كوهين” حتى جئنا بكل من أردوغان، وترامب وروحاني والرفيق المناضل “أبو علي فلاديمير بوتين”.

لم يحفظ السوريون وصايا رجالاتهم العظام، ولم يحفظوا لهم عهداً! بل مُنِع الشعب من الاحتفال بذكراهم، من كان يتوجه لبلدة سلطان الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى لإحياء ذكرى وفاته، كان يتعرض للمسائلة، أو الاعتقال، منعوا عودتهم إلى تراب الوطن حتى وهم أموات، رفضوا عودة أكرم الحوراني فدفن هناك في منفاه الأردني، ومثله أيضا حمود الشوفي، شرّدوا نزار قباني، وبدلا من أن يحولوا بيته المُخضّب برائحة الياسمين لمتحف يرتاده العاشقون، سمحوا ببيعه بأزهد الأثمان، شردوا محمد الماغوط الى بيروت، باع حنا مينا أثاث بيته، مات الفريق عبد الكريم زهر الدين، قائد القوات المسلحة أيام الوحدة مع مصر، في مأوى للعجزة في حمص، ومثله الفنان عصام عبجه في دمشق.

ماذا بعد؟ لقد أصبح كل شيء رخيص لدينا، فبعد أن ضاعت منّا كل من فلسطين واسكندرون والجولان، وعربستان، ها هي اليوم تضيع منا الأوطان، لتندحر أمام قبليتنا وطائفيتنا وتخندقنا المذهبي وحكم العائلة وعنتريات الأنظمة الحاكمة، في خطاب للرئيس أمين الحافظ قبل حرب النكسة 1967 بأيام قال فيه: “سنجعل الأسطول الأمريكي السادس طعاما للأسماك” كانت النتيجة بعد ستة أيام فقط من ذلك أن الجولان هو من كان طعاما للغاصب المحتل.

شموع العلم التي أوصى العالم والطبيب الدمشقي السوري ( ابن النفيس) 1213- 1288 بوجوب إضاءتها بعد وفاته، كانت بفضل سياسة العسكر ضحية السياسة، وكذلك كانت حقوق الناس، فبدلا من أن تنظم سورية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، انظمّت لمعاهدة منع انتشار السلاح الكيماوي.

إنه زمن الجراد السوري، أكثر من 10 ملايين سوري اليوم يكابدون القهر والذل والبرد في العراء، فيما الباقون معلقون بين الأرض والسماء، إما يكونوا أو لا يكونوا! شعوب تبحث عن سعادتها، والسوريون باتوا اليوم يعتقدون بأن السعادة ليست من نصيب أهل الأرض، وإنما لأهل السماء، لذلك ها هم يستعجلون الرحيل إليها بالجملة، بعد أن تحوّلوا لمتسكعين مكلومين على موائد اللئام والآخرين.

المصدر: لأول مرة



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع