أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » جولة على قصص المهور: من عنترة إلى المأمون، إلى أكرم مهر في الإسلام

جولة على قصص المهور: من عنترة إلى المأمون، إلى أكرم مهر في الإسلام

عندما بدأ العاشق الذي تحكي قصته أغنية راغب علامة “الهدية”، رحلته بحثاً عن هدية تليق بحبيبته، عاد إليها بعد أنْ مرّ على تجّار الجواهر، وإلى بائعي الحرير، والعطارين، وفي كل مرّة، وجد بأن الهدية لا يمكن أن تعبر عن “قيمة” حبيبته، فلازمة الأغنية هي “بتضلا رخيصة الهدية”، في نهاية المطاف، يقدّم لها قلبه الممتلئ حبّاً وإخلاصاً و”حنيّة”.

الأغنية تذكرنا بأن المهر وهو نوع من الهدية، له طابع معنوي يعبّر عن الحب والالتزام والاحترام المتبادل، ولكن أيضاً له “قيمة” مادية، وهي الجانب الأهم لأن له وظيفة اجتماعية ضرورية لتنظيم وتوزيع المال والثروات بين الناس.
الصِّدْق والصَّدقة

في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، كتب عبد الرحمن الجزيري عن معنى “المهر” أو “الصدقة” كما كانت تعرف، فقال أن أصله قد يكون كلمة “صِدْق” بمعنى أن تقديم المهر كان اعترافاً من الزوج بصدق نيته في الإخلاص لزوجته، وعزمه الحياة معها والالتزام بعقد الزواج الذي يجمعهما.

ولكن هذا المعنى الأخلاقي، والذي يعبّر عن مشاعر الصدق، أخذ في قصص تاريخنا الطويل أشكالاً كثيرة، لم تكن معنوية أو روحية، بل مادية أيضاً.

حفل الموروث الشَّفهي التاريخي لدى الشُّعوب الكثير من القصص المُختلقة بالزواج والمهور وكيفية تحديدها، ونجد طيفاً واسعاً لدى العرب فيما وصل إلينا من موضوعات المهور ومتطلبات الزواج، فنجدهم تساهلوا في الزواج بمهور قليلة لا تذكر، وعلى النقيض من ذلك تماماً نجدهم بالغوا في المهور وفي طقوس الأعراس.

وكما هي حال حكايات التاريخ، كذلك قصص المهور جاء بعضها متخيل، والبعض الآخر بالغ ليضفي صبغة الغرائبية والفخامة لطقوس قد تكون قد حدثت بالفعل.
مائة من النوق الحمر (العصافير)

من منَ لا يعرف قصة عنترة العبسي وعبلة، فهي واحدة من أشهر قصص الحب في تاريخ القص الشعبي العربي، وقد تناولتها معظم كتب التراث وجسدتها الأعمال السينمائية والدرامية في العصر الحديث، نذكرها في هذا المقال ضمن قصص المهور الكبيرة.

تبدأ القصة عندما أقدم عنترة إلي تكليل قصة حبه لمحبوبته بالزواج، فسار البطل إلي بيت عمه مالك بن قراد ليطلب يد عبلة، وذلك على غير رغبة بن قراد، فأراد رفض الطلب ولكن بطريقة ماكرة، وبحيلة داهية، فطلب منه مائة ناقة حمراً من النوق العصافير كمهر لابنته وهذه النوق لا توجد إلا في أرض النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ولا يستطيع أي أحد أن يصل إلي أرض النعمان، فماذا عن أخذ نوق من ملك النعمان.

“ويعتبر هذا الطلب وسيلة لتعجيز عنترة وليس مهراً للزواج” إلا أن عنترة قبل التحدي وذهب إلي أرض الحيرة ووقع في أسر النعمان، الذي حكي له قصته مع عبلة وطلب مالك بن قراد النوق كمهر لها، وتفهم النعمان القصة وقرب عنترة إليه وأعطاه تلك النوق حتي يتزوج محبوبته.

ذكر الحافظ الذهبي في المجلد (الرابع) من كتابه “سير أعلام النبلاء” أن عائشة التيمية: هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، بنت أخت عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، كانت “أجمل نساء زمانها وأرأسهن”.

وقد تزوجت ثلاث مرات؛ في المرة الأولى تزوجت من ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وفي المرة الثانية تزوجت من أمير العراق مصعب بن الزبير، وأمهرها وقتذاك بمئة ألف دينار (100.000) دينار،

وبعد موت مصعب تزوجها عمر بن عبيد الله التيمي وكان مهرها ألف ألف درهم، وهو مهر مرتفع جداً، فأنشد الشاعر أنس بن زنيم الديلي أبيات بسبب ذهوله من هذا المهر الكبير بقوله: بضع الفتاة بألف ألف كامل وتبيت سادات الجيوش جياعاً.
المأمون وبوران قصة حبّ وعرس أسطوري
بوران ابنة الحسن بن سهل

تعتبر قصة زواج المأمون بن هارون الرشيد من أشهر قصص الزواج بذخا في التاريخ العربي، فلا يعرف في تاريخ العرب زفاف أنفق فيه ما أنفق في زفاف المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل.

فقد ذكر بن جرير الطبري في المجلد (الثامن) من كتابه “تاريخ الطبري المعروف بـ تاريخ الرسل والملوك” خبر زواج المأمون بن هارون الرشيد من بوران بنت الحسن بن سهل سنة 210هـ وكان الزواج في شهر رمضان فيقول الطبري: إن المأمون ذهب إلى الحسن بن سهل في فم الصلح وأقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً يعد له في كل يوم لجميع من معه كل ما يحتاجون إليه وأن الحسن خلع على القواد علي مراتبهم، وحملهم ووصلهم.

وكان مبلغ ما انفقه الحسن بن سهل على العرس خمسين ألف ألف درهم (50.000.000) درهم، فأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفة أن يدفع إلي الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس، أي خمس مئة ألف دينار، وأهدي الحسن بن سهل مدينة كاملة للأمراء وعلية القوم بسبب هذا الزواج.
المأمون بن هارون الرشيد

وذكر ابن كثير في الجزء العاشر من كتابه البداية والنهاية، قصة زواج المأمون ببوران بنت الحسن ومظاهر البذخ والترف الذي ظهر فيه فقال: إن المأمون بن هارون الرشيد دخل ببوران بنت الحسن في رمضان من سنة 210هـ، وقد أشعلت بين يديه شموع العنبر، ونثر على رأسه الدرر والجواهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر.

وكان عدد الجواهر التي نثرت فوق رأسه ألف درة من الذهب، فأمر المأمون بجمعها في صينية من ذهب، فلما جأت العروس ومعها جدتها، فصب المأمون الذهب في حجرها وقال هذا مهرك ونحلة مني إليك”.

ومن جملة ما أنفق في هذا العرس، يتابع ابن كثير: “فقد كتب والد العروسة الحسن بن سهل أسماء قراه وضياعة وأملاكه في رقاع ونثرها على الأمراء ووجهاء الناس.

فمن وقعت بيده رقعة في قرية منها بعث إلي القرية التي فيها نوابه فلمها إليه ملكاً خالصاً، كما أنفق بن سهل على المأمون ومن معه خمسين ألف ألف درهم، ولما انقضت مدة إقامة المأمون عنده، أمر المأمون بصرف عشرة آلاف ألف درهم كمهر لبوران، وأقطع والدها البلد الذي هو نازل بها وهو إقليم “فم الصلح”.

وذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء، أن المأمون الرشيد تزوج ببوران بنت الحسن بن سهل، وبلغ جهازها أربعين تكة مجوهرة، وعشرة من صناديق جوهر من الآلئ واليواقيت، وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوماً، وكتب رقاعاً فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين، فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها، ونثر صينية ملأى جوهراً بين يدي المأمون عندما زفت إليه.
قطر الندى والمعتضد

لا تختلف قصة زواج المعتضد بن الخليفة العباسي من قطر الندى بنت خماوريه بن أحمد بن طولون من حيث البذخ ومظاهر الطرف والتباهي بالمال والسلطة، فيذكر الحافظ الذهبي في المجلد الثالث عشر من كتابه سير أعلام النبلاء، أن قطر الندى الطولونية، وهي أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون بنت صاحب مصر، وكانت تعتبر “من شهيرات النساء عقلاً وجمالاً، وأدباً”.

تزوجت المعتضد العباسي فكان جهازها “بأزيد من ألف ألف دينار” وكان صداقها خمسين ألف دينار، وقيل كان في جهازها “أربعة آلاف تكة مجوهرة”، كذلك كان في مهر قطر الندى ألف هاوُن من ذهب.

وذكر هذه القصة كذلك جلال الدين السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء، فيقول: إن المعتضد العباسي زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة، وعشرة صناديق جوهر.

وبالرغم من الصور السابقة التي توضح الاسراف والمغالاة في المهور، والتي عادت بشكل كبير في بلادننا العربية هذه الأيام إلا أننا نجد صور آخرى توضح التيسير في طلب المهر وتسهيل عملية الزواج ومنها:

اعتبرت قصصة زواج أم سليم من أبي طلحة الأنصاري (الصحابي الجليل) من أكثر قصص الزواج تيسيراً في ما يخص موضوع المهر حيث كان مهرهاً أن يسلم أبا طلحة حتي قال الرواة: “ما سمعنا بمهر كان أكرم من مهر أم سليم، وروى الحافظ الذهبي في الجزء الثاني من كتابه “سير أعلام النبلاء” أن أبا طلحة خطب أم سليم فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك كافر، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم وتزوجها.
سعيد بن المسيب

أما قصة زواج بنت سعيد بن المسيب، إمام التابعين في زمانه، تعتبر أيضاً من أغرب وأشهر قصص الزواج في التاريخ العربي والإسلامي كذلك، حيث رفض سعيد بن المسيب أن تتزوج ابنته من ابن عبد الملك بن مروان، وهو الأمير في ذلك الوقت وقد عرض عليه ما يربوا على ثلاثة وثلاثين ألف ريال، إلا أن سعيد بن المسيب رفض وقال: “ما رغب عبد الملك لابنه في ابنتي ولكنه رجل من سياسته إلصاق الحاجة بالناس لجعلها مقادة لهم فيصرفهم بها، وقد عجز أن أبايعه فأراد أن أبايعه بزواج ابنه لابنتي”، وذكر الحافظ الذهبي في السير أن سعيد بن المسيب قبل زواج ابنته لأحد تلاميذه على دينارين.

المصدر: رصيف 22