أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون خليجية » هل تتحول السعودية إلى دولة سياحية؟

هل تتحول السعودية إلى دولة سياحية؟

لسنوات طويلة كان نموذج الاقتصاد السائد في السعودية وفي دول الخليج عموماً، قائماً على جمع وإعادة توزيع الريع النفطي من خلال آلية الإنفاق الحكومي، في شكل رواتب لموظفي القطاع العام ومشاريع إنشائية وعمليات استيراد يشارك فيها القطاع الخاص بشكل جزئي، وتنحصر في قطاعات المقاولات والخدمات والتجارة.

لكن ما حدث في العام 2014 من انهيار تاريخي لأسعار النفط زعزع هذا النموذج وجعل السعودية تعيد التفكير فيه، على الرغم من أن مطالب تنويع الاقتصاد والخروج من سجن “الريع النفطي” قد بدأت منذ سنوات وخاصة في أعقاب أزمة حرب الخليج الثانية وخلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

في أبريل 2016 طرحت السعودية خطة “رؤية 2030” والتي تهدف أساساً للتحرر من هيمنة النفط على الاقتصاد وإلى زيادة الإيرادات غير النفطية في موازنة الدولة، إذ ستنخفض مساهمة النفط في إيرادات البلاد إلى 46% بحلول عام 2020، وإلى نسبة 31% في عام 2030، بعد أن كان متوسط مساهمته 81% في 47 عاماً (1969 حتى 2015).

فيما ستشكل الإيرادات غير النفطية نحو 54% من مداخيل السعودية بحلول عام 2020، ونحو 69% عام 2030.

وإلى جانب إصلاح الإطار العام للسياسات الاقتصادية وتنويع القاعدة الإنتاجية وتنمية تراكم رأس المال البشري، فإن الخطة السعودية تعول على استثمار ما كان مُهملاً من موارد طبيعية وهبات مناخية وتاريخية لتحويل البلاد إلى ساحة جذب سياحي على خطى جارتها في الخليج، الإمارات والبحرين وعمان، خاصة وأنها تشكل موقع جذب للوافدين من أجل الحج والعمرة.

أقوال جاهزة

الرهان على السياحة

طيلة سنوات من عمر الدولة السعودية اعتمدت البلاد على النفط والصناعات المتعلقة به والحج كمصادر رئيسية للدخل، دون الالتفات للثروات الرمزية التي تملكها على امتداد جغرافيتها الضخمة والمتنوعة في التضاريس والمناخ والثقافات وخاصة ثقلها التاريخي عربياً وإسلامياً.

وخلال هذه الفترة كان السعوديون ينتظرون الإجازة الصيفية لامتطاء أول طائرة إلى أوروبا وأمريكا ومصر ولبنان والمغرب. فيما كان الوافدون يأتون حصراً للعمل في شركات النفط أو إلى الحج في مكة والمدينة. أما المقيمون فكانوا يهربون إلى دول الجوار في الإجازات القصيرة لقضاء وقت ممتع.

فموارد السياحة السعودية حالياً تعتمد بشكل كبير على مداخيل مناسك الحج والعمرة، فأغلب الــ19 مليون زائر للبلاد سنوياً يقصدونها من أجل زيارة الأماكن المقدسة، وهم مسؤولون عن 41% من إجمالي إنفاق السائحين والذي بلغ في العام 2015 حوالي 22 مليار دولار.

في تقديم رؤيته للعام 2030 يقول ولي ولي العهد محمد بن سلمان: “ندرك بأن الفرص الثقافية والترفيهية المتوافرة حالياً، لا تعكس طموحات وآمال المواطنين والمقيمين”.

وفي برنامج التحول الوطني، وهو الجزء الأول من خطة الرؤية التنفيذية، تراهن السعودية على استثمار 45.7 مليار دولار في القطاع السياحي بحلول عام 2020، مما سيخلق 370 ألف وظيفة جديدة.

كما تسعى إلى رفع نسبة مساهمة القطاع السياحي في الناتج الإجمالي المحلي إلى 3.1% بحلول العام 2020. وذلك من خلال تشييد 241 متحفاً وتهيئة 155 موقعاً أثرياً للزوار ورفع عدد المواقع الأثرية المسجلة في اليونسكو إلى الضعف على الأقل، ورفع عدد المهرجانات من 300 إلى 500.

وكذلك عدد المنشآت السياحية من 57 إلى 77 ألف منشأة، وزيادة إنفاق الأسر السعودية على الثقافة والترفيه داخل البلاد من 2.9 إلى 6%، وذلك من أجل جذب حوالي 82 مليون سائح.
“القدية” عاصمة الترفيه

في بداية شهر أبريل الماضي أعلن ولي ولي العهد السعودي عن إطلاق مشروع أكبر مدينة ثقافية ورياضية وترفيهية في العالم، والذي سيقام في منطقة “القدية” جنوب غرب العاصمة الرياض ويأتي في إطار خطط بلاده لتطوير قطاعات السياحة والترفيه والتوظيف بما يتسق مع رؤية 2030، على حد قوله.

مشيراً إلى أن المستثمر الرئيسي في المشروع سيكون صندوق الاستثمارات العامة الذي يرأسه، إلى جانب عدد كبير من المستثمرين المحليين والعالميين.

ويبدو أن الحكومة السعودية تتجه نحو توطين النشاط السياحي لإيقاف الهدر المالي الذي يتسبب فيه السعوديون والمقيمون عندما يقررون التوجه إلى الخارج بحثاً عن الترفيه داخل البلاد.

فعلى مساحة 334 كيلومتراً مربعاً، يضم مشروع مدينة “القدية” عشرات المرافق الترفيهية منها: منطقة سفاري كبيرة، ومنتجعات سياحية، والكثير من مساحات الألعاب.

وكذلك أنشطة وفعاليات لرياضة السيارات طوال العام والفنادق الفاخرة والحدائق المائية والمطاعم.

ومن المتوقع أن يتم وضع حجر الأساس للمشروع في العام 2018 على أن يتم افتتاح مرحلته الأولى بحلول العام 2022، كما سيضم مدينة “Six Flags” الترفيهية الأمريكية.

الرهان على السياحة الترفيهية لم يضعف مكانة “الحج” في خطط الحكومة السعودية. فما زالت الأماكن المقدسة تشكل رافداً اقتصادياً هاماً كما أن ذلك لا يمكن أن يتأثر بأي عوامل خارجية، فطقوس الحج والعمرة مسألة متعلقة بجوانب روحية وعقدية لا تتأثر كثيراً بمتغيرات الاقتصاد والسياسة إقليمياً ودولياً.

فالسعودية وضعت في رؤيتها للعام 2030 هدفاً برفع الطاقة الاستيعابية لاستقبال الحجاج والمعتمرين من 8 ملايين إلى 30 مليونا، ما يعني مزيداً من المداخيل المباشرة وغير المباشرة، وعائدات يمكن أن تصل إلى حوالي 12.53 مليار دولار للحج وحده دون اعتبار العمرة التي تتواصل على طول أشهر السنة.
العوائق كثيرة

الخطة السعودية “الطموحة” لتعزيز مكانة القطاع السياحي والتعويل عليه كأحد البدائل للريع النفطي والتحرر من النموذج الاقتصادي السائد، تصطدم بالكثير من الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية.

أول هذه العوائق القوى الاجتماعية والدينية المحافظة في المجتمع والدولة، والتي تربط سياحة الترفيه بفكرة “اللهو” المنبوذة فقهياً.

وطالما ارتبطت مسألة السياحة عموماً في الذهنية المحافظة بصورة لا أخلاقية خاصة مع رفض هذا التيار لتمكين المرأة اجتماعياً واقتصادياً والتشدد في قضايا الاختلاط والثقافة.

في جانب آخر ترفض هذه القوى المحافظة والمتنفذة اجتماعياً وسياسياً من منطلقات فقهية متشددة العديد من المسائل المتعلقة بالسياحة الثقافية في علاقة بالآثار والفنون والسينما والموسيقى والرقص والمسرح وكافة أشكال الفنون البصرية والجسدية.

أما العائق الثاني فهو البنية التحتية السياحية وسياسة التسيير السياحي. فمقارنة بجاراتها في منطقة الخليج تفتقد السعودية لبنية سياحية كبيرة من الفنادق والمنتجعات وتعاني من تدني الخدمات في بعض القطاعات اللوجستية المرتبطة بالسياحة.

فعلى سبيل المثال سجل مطار جدة الدولي العام الماضي، معدلاً متردياً جداً في الخدمات التي يقدمها للمسافرين (الأطعمة والأمن وخدمة العملاء والنظافة وأماكن الراحة) بحسب موقع The Guide to Sleeping in Airports.

المصدر: رصيف 22