أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » عن القدس على فستان الوزيرة الإسرائيلية… والموضة كأداة هيمنة

عن القدس على فستان الوزيرة الإسرائيلية… والموضة كأداة هيمنة

القصة كالتالي.

هي قصة فستان جميل جداً. صُمّم بعناية فائقة، حيث يمتزج فيه الأبيض والذهبي المرصع بالأحجار بأناقة مدروسة، وتزينه صور القدس بمسجدها وقبتها وحاراتها وأشجارها وسورها… وألوانها. ها هو يتمختر في مهرجان Cannes السينمائي بنسخته السبعين، ويلفت أنظار المصورين والعالم.

لكن الفستان لم يكن بريئاً، وهذه مشكلته الوحيدة. لقد بدا كمشهد يصلح له استعارة عنوان فيلم “الشيطان يرتدي برادا” The Devil Wears Prada. كانت مشكلته الأساسية في من يرتديه، في الهدف الذي صُمّم لأجله، وفي الرسالة التي استُخدم لإيصالها.

لقد حطت وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري (أو ميريام) ريغيف على سجادة المهرجان الحمراء مرتدية الفستان لمناسبة الذكرى الخمسين على “توحيد القدس الشرقية والغربية بعد حرب الأيام الستة، وللتشديد على أن القدس هي عاصمتنا الأبدية”، كما نقل عنها الإعلام العبري.

ولفتت ريغيف إلى سعادتها بالاحتفال بهذه “المناسبة التاريخية من خلال الفن والموضة، وما يحملانه من رسائل حضارية”.

تحدثت بفخر عن الأشهر الطويلة التي جرى فيها التحضير للفستان مع المصمم الإسرائيلي أريك أفيعاد هرمان ووالدته، بينما لم يوفر الأخير المناسبة للتعبير عن فخره المتبادل بهذا العمل الفني الذي أتاح له التعبير عن حبه للقدس.

قد ينفع هنا، على الهامش، الإشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد قررت استبدال عبارة توحيد القدس بتحرير القدس في الذكرى الخمسين لاستيلائها على ما تبقى من المدينة في العام 1967.

المهم، أثار فستان ريغيف جدلاً واسعاً، فكثرت التعليقات المنددة بهذه الرسالة واصفة الوزيرة بـ”السارق الذي يتباهى بسرقته”، ومنتقدة “الأسلوب الإسرائيلي الناعم والحضاري”، للتغطية على الدماء والوحشية التي يمارسها على الأراضي الفلسطينية.

وانتشرت صور للفستان معدلة على تطبيق “فوتوشوب”، حيث يغطي اللون الأحمر البياض العلوي منه فيما وضع العلم الإسرائيلي مكان صورة القدس، وفي صورة أخرى استبدلت القدس على فستان الوزيرة بالجدار العازل.

لم تكن تلك المرة الأولى لاستعراض ريغيف “نجوميتها” على سجادة Cannes الحمراء، ففي العام الماضي لفتت الأنظار بحضورها مرتدية فستاناً أسود، يستحضر روح التطريز الفلسطيني.

رحلة الوزيرة مع الاستفزاز

في مقال نشرته “نيويورك تايمز” العام الماضي، تحت عنوان “حرب ميري ريغيف الثقافية”، يقول الكاتب روث مارغاليت “منذ انضمام ريغيف إلى حزب الليكود في العام 2008، أصبحت معروفة بأسلوبها الاستفزازي الذي لا يقل معدلاً عن حماستها القومية”.

وريغيف، إلى جانب توليها وزارة الثقافة والرياضة منذ العام 2015، هي عضو في الكنيست عن حزب الليكود منذ العام 2009، وكانت قد شغلت سابقاً منصب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي.

وفي غضون أسابيع من توليها الوزارة، هددت ريغيف بقطع التمويل الحكومي للفنانين والمؤسسات الإسرائيلية التي لا تعبر عن ولائها المطلق لإسرائيل.

في ذلك الوقت، هاجمت من سمتهم بـ”فناني ومثقفي النخبة” في إسرائيل، واتهمتهم بالازدواجية والإضرار بإسرائيل وبمحدودية الأفق.

أعلنت الحرب على من يعتبرون على سبيل المثال “تشيخوف أهم من موسى بن ميمون”، بينما ذكرت في مناسبة أخرى أنها لم تقرأ تشيخوف. ولا يبدو أن الأمر يهمها كثيراً.

في مناسبة أخرى، أثارت ريغيف الجدل عندما غادرت مراسم جوائز “الأوسكار الإسرائيلي” بعد أن قدّم مغني الراب الفلسطيني تامر نفار وفنان إسرائيلي عرضاً تضمن مقطعاً قصيراً من قصيدة محمود درويش “سجل، أنا عربي”.

غادرت الوزيرة القاعة احتجاجاً على العرض، وبعد بضع دقائق عادت وصعدت على المنصة لتمنح جائزة الفيلم الأفضل، معبرة عن رفضها لما تراه في القصيدة من تحريض ضد اليهود في إسرائيل.

وقد أثار خطابها جدلاً واسعاً، بينما ترك العديد من الفنانين القاعة وبينهم نفار.

بين ريغيف وترامب

بحسب الكاتب الإسرائيلي اليساري زيف ستيرنهل “يؤمن حزب الليكود اليوم بتفوق الحقوق التاريخية على الحقوق الإنسانية والطبيعية”، وهذا ما يطبع أداء وزيرة الثقافة. هي لا تؤمن بـ”وهم السلام”، كما تصفه، ولا تنفك تثير الجدل حول ذلك.

في العام الماضي، وفي خضم حملتها على الفن واستخدامها له، شبهها البعض بدونالد ترامب، وبكل الزوابع التي يثيرها بمواقفه الشعبوية والمتطرفة، والتي تلقى آذاناً صاغية لدى شرائح عديدة. كما حصل حين وصفت المهاجرين الأفارقة إلى إسرائيل بـ”السرطان في جسدنا”.

السياسية الطموحة، الآتية من عالم العسكر إلى الثقافة، بأحلام قومية مغالية، قررت في آخر جولاتها اللجوء إلى عالم الموضة لإيصال رسائل سياسية. وهكذا حصل.
.
“الموضة أداة هيمنة”

في الحقيقة، ليس مفاجئاً الربط بين الموضة والرسائل السياسية عبر التاريخ، كما الربط بينها وبين السلطة العسكرية والمالية.

نعود إلى الأساسيات مع الباحث الأمريكي فينسانت ليتش، الذي يُعتبر من أوائل من خاضوا في مجال النقد الثقافي – السياسي، وذلك في إطار بحث مطول حمل عنوان “التعويضات المكلفة: عن أزياء ما بعد الحداثة وارتباطها بالسياسة والهوية”.

يقول ليتش بأن اختيار اللباس مرتبط بشكل أساسي برأس المال الثقافي، وهو ما يصب غالباً في خدمة التصاميم السياسية، فيعكس معايير السيطرة الجيوسياسية والهيمنة.

واللباس بأبعاده يشكل قوة منظمة تدعو إلى الامتثال، إذ يرى الفرد بعض أفراد المجتمع يتصرفون خطأً في موقف ما ثم يتبعهم بالرغم من تيقنه من خطأ موقفهم، وذلك مراده لعدم رغبته في مخالفة الأكثرية والشذوذ عنهم. وفي أحيان أخرى يشكل اللباس فعل مقاومة.

يرى ليتش أن اختيار اللباس هو اختيار وسط اجتماعي/ اقتصادي/ ثقافي واختيار مستقبل.

حضرت ريغيف إلى المهرجان في كان لتشجيع الأعمال السينمائية الإسرائيلية وإيجاد علاقات بين السينما الإسرائيلية والعالمية. هذا ما حملته الرسالة الرسمية لمشاركتها.

أما الفستان، فأوضحت الوزيرة الرسالة السياسية المباشرة منه: الاحتفال بالذكرى الخمسين لتوحيد القدس، في حين تحدثت الصحافة الإسرائيلية عن رسائل أخرى، منها الرد على التصريحات العالمية والأمريكية التي تصاعدت مؤخراً، ولا تعترف بسيطرة إسرائيل على مدينة القدس.

…حتى الكوفية

يأتي فستان الوزيرة الإسرائيلية في سياق طويل من محاولات الاحتلال مصادرة الهوية الثقافية الفلسطينية، كفعل هيمنة يقوم على التدمير أو الطمس أو الشيطنة، وصولاً إلى السرقة ونسبها إلى جذور إسرائيلية.

قبل عامين، أثار المصمم الإسرائيلي يرون مينكوفسكي ضجة كبيرة، خلال أسبوع الموضة الإسرائيلي في تل أبيب، إذ عرض ضمن مجموعته فساتين مصنوعة من كوفيات فلسطينية.

اتهم مينكوفسكي حينها بسرقة اللباس الفلسطيني، وعاد الكلام عن وقاحة الاحتلال الذي سرق كل شيء من الأرض إلى الحمص، ولم يوفر الكوفية.

وكما هو معروف تحظى الكوفية بمكانة هامة في تاريخ النضال الفلسطيني منذ الثورة في العام 1936، حين استخدمها الفلاحون لإخفاء ملامح وجوههم أثناء المواجهات المباشرة مع القوات البريطانية والعصابات اليهودية، وتحولت لاحقاً ولا سيما مع الزعيم ياسر عرفات، الذي ارتداها باستمرار، إلى رمز للنضال.

مع الوقت تحولت الكوفية إلى موضة، ودخلت في العديد من عروض الأزياء العالمية، وسط تخوف كثر من تمييع القضية الفلسطينية من قبل أعدائها، كما مناصريها، عبر إدخال هذا الرمز الوطني عالم الأزياء.

بالنسبة للمصمم الإسرائيلي، لم يكن الأمر مجرد موضة وتصميم جميل، فهو برّر خياره باستخدام الكوفية من أجل مد جسور التعايش بين الشعوب.

لكن الوقاحة التي اتهم بها أتت من اعتباره أن الكوفية ترمز إلى أرض إسرائيل أيضاً. وقال في الإطار “قماش الكوفية هو جزء من الأقمشة المحلية لأرض إسرائيل. ليست هناك محاولة لاحتلال الكوفية أو تهويدها. عليهم أن يكونوا فخورين بأنني أخذتُ الكوفية وقدمتُ لها منصّة”.
“أوقفوا الهراء”

لا شك أن الوزيرة الإسرائيلية حصلت على الاهتمام الذي كانت تنشده، وعلى الضجة التي رغبت بإثارتها بين مؤيد ومندّد.

في العموم، تعيد هذه الخطوة التأكيد على أهمية الغوص أكثر في مثل هذه المبادرات وأبعادها، بعيداً عن الشعارات الطنانة والخشبية، من أجل تطوير أساليب مقاومة (إضافية) تكون في الشكل والتأثير على الرأي العالمي على مستوى المحاولات الإسرائيلية.

عدا ذلك، يمكن الاستعانة بكلام ريغيف نفسها للرد على صورة الفستان، وذلك حين وقفت أمام معارضين لها خلال حفل فني، وقالت بأسلوب ساخر “ينصحني المستشارون أن أبدأ خطاباتي بأقوال مأثورة لأجعلها أكثر قدرة على التأثير، وأنا قررت التوجه إليكم اليوم بهذا القول المأثور “أوقفوا الهراء! أوقفوا الهراء”!

المصدر: رصيف 22