أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » حامد عبد الصمد: الأديان لا يمكن أن تحقق السلام في العالم. / كتاب “سقوط العالم الإسلامي”

حامد عبد الصمد: الأديان لا يمكن أن تحقق السلام في العالم. / كتاب “سقوط العالم الإسلامي”

يُعتبر حامد عبد الصمد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميونيخ الألمانية، من أجرأ الكتاب العرب الذين يتحدثون في الأديان، وألّف كتاب “سقوط العالم الإسلامي” وسرد فيه رؤيته للحضارة الإسلامية، والدور الذي يلعبه الدين في وقف مسيرة تقدم الشرق الأوسط.

في مقابلة مع رصيف22، رأى عبد الصمد أن الأديان لا يمكن أن تحقق السلام في العالم.
انتقدت رؤية بابا الفاتيكان حول إمكانية أن يساهم الدين في وصول العالم إلى السلام بدعوى أن الأديان أبعد عن تحقيق ذلك. هل ترى إذاً أن الأديان واحدة من مشكلات العالم؟ وبرأيك ما الدور الطبيعي لها في المجتمعات؟

ليست الأديان في حد ذاتها المشكلة، ولكن تدخل الأديان في ما لا يعنيها من سياسة واقتصاد وتعليم ومحاولتها السيطرة على المجتمع وكأنه فتاة قاصر أو طفل لا يستطيع أن يفكر ويتخذ قراراته بنفسه.

المشكلة أننا لو قبلنا باستخدام آيات السلم والتسامح في القرآن والأناجيل لتدعيم السلام فإننا بهذا نقبل سلطة هذه النصوص سياسياً، ولكن هذا بالضبط ما ننتقده حينما يستخدم المتطرفون آيات العنف والكراهية من الكتب نفسها لتبرير أعمالهم الإجرامية.

وظيفة المؤسسات الدينية يجب أن تقتصر على الاعتناء بدور العبادة وتقديم النصيحة من خلال الوعظ، النصيحة لا الوصاية.
تقول إن الإسلام في حالة تراجع وانهيار، في وقت يكتسب فيه نمواً وقوة في العالم، حيث يعتنقه كثيرون في الغرب.

معظم الذين يعتنقون الإسلام في الغرب هذه الأيام فشلوا في التعايش مع المجتمع الحر المفتوح ويريدون قوانين صارمة تنظم يومهم لأنهم غير قادرين على اتخاذ قرارات بأنفسهم.

هذه هزيمة للإنسان وليست مدعاة للفخر. كيف نفتخر باعتناق الشباب الغربي للإسلام والكثيرون منهم يتحولون إلى مقاتلين في صفوف داعش بعد شهور من اعتناقهم الإسلام؟ لا بد أن نرى في ذلك جرس إنذار بأن ديننا يجذب الفاشلين والغاضبين والعنيفين. الإسلام يتراجع حضارياً ويتقدم ديموغرافياً. هذا خطر.
في كتاب “سقوط العالم الإسلامي”، تقول إن الدول الإسلامية أصبحت عالة على الدول المتحضرة، وإن الإسلام نفسه جزء من ذلك الفشل. ما المشكلة التي تراها لدى المسلمين؟ وهل يمكن أن نشهد حركة تنويرية في القرن الـ21؟

هناك تنويريون كثيرون في مجتمعاتنا ولكنهم ذئاب منفردة. هناك بحيرات تنوير صغيرة وسط صحراء الجهل الشاسعة ولكن هذه البحيرات لا تتجمع لتكوّن نهراً كبيراً يمكن أن نسميه حركة تنويرية مثل تلك التي اجتاحت أوروبا في القرن الثامن عشر.

التنوير يعني شجاعة استخدام العقل مهما كانت القيود الدينية أو السياسية. ثقافتنا هي ثقافة شرف وعزة وكرامة ولا تقبل الاعتراف بنقاط ضعفها. هي ثقافة يقين وأجوبة جاهزة مغلفة، والتنوير هو ثقافة السؤال والشك والتشكيك. الحقيقة بالنسبة لنا شيء مطلق موجود بالفعل ويجب أن نؤمن به حتى يأتينا الخلاص، أما التنوير فيرى الحقيقة نسبية نجدها بالبحث والفحص والتمحيص.

ثقافتنا تجعل من المسلم والإسلام كياناً واحداً، أما التنوير فيسمح للإنسان بأن يحتفظ بمسافة نقدية بينه وبين دينه ووطنه ومجتمعه كي يرى نقاط القوة فيها فينمّيها ونقاط الضعف ليصحح الأخطاء إذا تطلب الأمر ذلك.

قلت في حوار تلفزيوني إن داعش يفعل ما كان يفعله الرسول والصحابة. بمعيار الزمان والمكان والمعطيات. أليست هذه المقارنة ظالمة؟ لماذا تعتبر أن داعش يمثل صورة الإسلام الحقيقي؟

أنا قلت إن المشكلة ليست في ما فعله (النبي) محمد أو ما هو مكتوب في القرآن، ولكن المشكلة هي أن الكثيرين ما زالوا يعتبرون كل ما فعله (النبي) محمد قدوة لحياتنا اليوم وكل ما جاء في القرآن كدستور وقانون للقرن الحادي والعشرين أيضاً.

(النبي) محمد قتل أسرى وسبى نساء في الحرب وطرد اليهود من المدينة وقطع يد السارق ورجم الزانية وكان لديه عبيد وجوارٍ وإماء. هذه كانت حلوله هو لمشاكل مجتمعه الصحراوي في القرن السابع الميلادي. ولكن لو اعتبرنا محمداً قدوة لحياتنا اليوم فلا نستطيع أن نقول أن داعش لا تمثل الإسلام.

لا توجد دولة أو جماعة إسلامية واحدة تمثل الجيل الأول من الإسلام أكثر من داعش. كثيراً ما أسمع كلمة “الإسلام الحقيقي” ولكني لا أفهم أين يسكن هذا الإسلام الحقيقي وأين نصوصه ومَن الذي يمثله.

“أكلم مين لما أحب أكلم الإسلام الحقيقي؟” الأزهر أم هيئة الأمر بالمعروف في السعودية أو علماء الشيعة في قم أو مرشد الإخوان المسلمين أو مفتي القدس أو قائد تنظيم بوكو حرام. الإسلام الحقيقي ما هو إلا مجرد كلمة يستخدمها المدافعون للتنصل من مشاكل الإسلام مع العنف وانتهاك حقوق الإنسان.
قلت إن اختفاء الدول الإسلامية يعني اختفاء المصدر الأول للإرهاب. أليس هناك انحياز واضح ضد المسلمين. بصيغة أخرى، ألا يوجد شيء حضاري يخدم البشرية في العالم الإسلامي؟

ما دام هناك إنسان هناك حضارة. والإسلام ليس فقط مصدراً للعنف وإنما أيضاً مصدر لقيم جميلة وروحانيات يحتاجها المجتمع. للإسلام أكثر من جانب: الجانب السياسي والتشريعي صار قديماً وغير صالح لتنظيم حياتنا في المجتمعات الحديثة.

لو أردنا العودة إلى العصر الذهبي الإسلامي فعلينا أن نسمح بالتعددية والحرية والترجمة والعلوم. لا بد أن يتمتع الأقباط والبهائيون والملحدون بالحقوق نفسها

لا يمكن أن نقسم العالم إلى مؤمن وكافر بعد ذلك، ولا يمكن أن نؤمن أن الجهاد في سبيل الله والشهادة هي أسمى درجات الإيمان وأن للدين الحق في التدخل في أمور حياتنا من زواج وطلاق وميراث وتربية أطفال والأكل والشرب والجنس وحتى التصرف في دورات المياه.

ثم يأتي الجانب القيمي الذي يحث على العدل والصدق والعمل والنظافة وتجنب الغيب والنميمة والكذب والنفاق. لو فصلنا الدين عن السياسة فسننقذ هذه القيم الجميلة التي تحتاجها مجتمعاتنا، لكن لو صممنا على خلط الدين بالسياسة فسنواصل تشويه السياسة بالدين وتشويه قيم الدين بالسياسة.

كان للأقباط دور رائد على المستوى الثقافي والسياسي والإصلاحي في المنطقة العربية في القرن التاسع عشر بمشاركة المسلمين. برأيك لماذا تراجع هذا الدور في السنوات الأخيرة؟ وكيف تنظر لعمليات قتل المسيحيين في دول عدة مثل مصر والعراق على يد التنظيمات الإرهابية؟

المسيحيون بصفة عامة ساهموا في نهضة مصر وسوريا ولبنان في الماضي. كانوا علمانيين لا تحركهم الكنيسة، وقد استفادت منهم هذه المجتمعات لأن الدين حينها لم يكن يلعب الدور الرئيسي في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع.

تراجع دور الأقباط التنويري لأنهم منذ ثورة أو (انقلاب) 1952 يعانون من ضغط المد الإسلامي من ناحية، ومن وصاية الكنيسة من ناحية أخرى. ومنذ الحرب الأهلية في لبنان يعاني المسيحيون من وطأة الطائفية. الشيء نفسه ينطبق على المسيحيين في سوريا والعراق.

المجتمعات الإسلامية فقدت، أو طردت، اليهود الذين كانوا يعيشون فيها وكانوا يقدمون إسهامات ثقافية مهمة بسبب التطرف الديني والسياسي، وها هي اليوم تبتر أو تحيّد دور المسيحيين والبهائيين والملحدين فيها. وهذا بتر للذات وإهدار لفرصة جديدة للتعايش السلمي المثمر. ولن يأتي هذا التعايش إلا بالمساواة والمواطنة، ولن تأتي المساواة والمواطنة إلا بالعلمانية.
كل أقلية في أي دولة بالعالم تفضل أن يكون نظام الدولة علمانياً، وليس دينياً أو محافظاً، برأيك لماذا يتجه الأقباط العرب إلى أحضان الكنيسة، ويتبعونها دينياً وسياسياً، وينتخبون وفق تعليماتها؟

ليس حقيقياً أن كل الأقليات تفضل العلمانية. سنّة العراق أقلية لكنهم ليسوا علمانيين، وشيعة السعودية أقلية لكنهم ليسوا علمانيين، والـ18 طائفة في لبنان كلهم أقليات ولكن معظمها ليست علمانية.

العامل الأهم هو التوجه العام للدولة. لو كانت الدولة دينية أو تسمح للدين الرسمي بالتحكم في التشريع، فهي بذلك تضغط على الأقليات الدينية بصورة غير مباشرة ليلتفوا حول قياداتهم الدينية للحفاظ على هويتهم.

ولكن حتى في الغرب حيث الدولة محايدة وعلمانية نرى الجاليات الإسلامية تتكتل وتلتف حول المنظمات الإسلامية الأصولية التي يطالب بعضها بتطبيق الشريعة.

أنا دائماً أقول إن أقباط مصر هم مسيحيون على سنة الله ورسوله، وكثيرون منهم قبلوا دور الذمي، وهذه خسارة كبيرة، لأننا نحتاج الأقباط كمواطنين متحررين من سلطة الحاكم ومن وصاية الكنيسة كي يكونوا شركاءنا في بناء مجتمع مدني ديمقراطي.
العلمانية في أوروبا كانت ردة فعل على تدخل الكنيسة في شتى أمور الحياة، ونجح الغرب في تحييد دور الدين. برأيك لماذا ترفض غالبية المسلمين العلمانية. بصيغة أخرى: لماذا لم تنجح العلمانية في الدول الإسلامية (العربية) مثلما نجح فيها الغرب منذ مئات السنوات؟ وهل لا تزال الخيار المناسب حالياً؟

العلمانية لم تكن ردة فعل في أوروبا. هذه هي النظرة الإسلامية للعلمانية: إن الكنيسة كانت ترفض العلم فجاءت العلمانية كردة فعل، لكن الإسلام هو الذي جاء بالعلم وجعل من الشعوب البدوية أمماً متحضرة قادت العالم في الفلسفة والعلوم، لهذا فالعلمانية في أوروبا ردة فعل طبيعية ورفض العلمانية في الإسلام أيضاً شيء طبيعي.

ولكن هذه نظرة مزيفة للتاريخ. لا الإسلام جاء بالعلوم ولا العلمانية جاءت بسبب رفض الكنيسة للعلوم. ليس الإسلام هو سبب النهضة العلمية في القرن التاسع وما بعده، لكن اختلاط وتلاقح الحضارات من عرب وفرس ويونانيين وسريان تحت الحكم العربي، لذلك ازدهرت العلوم في بغداد لا في مكة والمدينة.

والعلمانية في أوروبا جاءت نتيجة لنضج فكري ومجتمعي بدأ بالتفكير الحر والنظر للإنسان على أنه نواة المجتمع وليس الكنيسة. قاومت الكنيسة المد العلماني ثم استسلمت له لأن العلمانية أقنعت الشعوب بمن فيهم مؤمنون مسيحيون بأنها الأسلوب الأفضل للتعايش.

أما شعوبنا فما زالت مرتبطة عاطفياً وهوياتياً بالدين بصورة تجعلها تبحث إما عن تطبيق مباشر للشريعة أو عن حل وسط بين الشريعة والقانون الوضعي. ولكن ليس هناك حل وسط بين الفاشية والحرية. لا بد من الاختيار! لو أردنا العودة إلى العصر الذهبي الإسلامي فعلينا أن نسمح بالتعددية والحرية والترجمة والعلوم. لا بد أن يتمتع الأقباط والبهائيون والملحدون بالحقوق نفسها.
بعد ثورات الربيع العربي أعلن الملحدون عن أنفسهم، لكن الأنظمة العربية قابلتهم بالسجن، وواجهوا قمعاً شعبياً، خاصة في مصر. هل تفضل أن يشهر الأشخاص إلحادهم في ظل أنظمة مُحافظة أم يخفوها إلى حين تأتي أنظمة تحترم حرية العقيدة؟

من الأفضل أن يشهر كل شخص أفكاره صراحة: الإسلامي يقول إنه إسلامي والعلماني إنه علماني والملحد إنه ملحد حتى نعرف التركيبة الحقيقية للمجتمع. كتم الأفكار لا يفيد أحداً. الكتمان هو دليل على مرض المجتمع، ولن يضمن تماسكه، فمتى أنقذ النفاق مجتمعاً من التفكك والانهيار؟

بالعكس، أنا أرى أن النفاق هو المرض الأول للمجتمع قبل الأصولية، فالطفل الذي يتربى على الكذب ليرضى أبواه عنه لن يكون فرداً صالحاً، ولن يضمن تماسك المجتمع. الملحدون مضطهدون لأن المجتمع يعتقد أنهم قلة قليلة. برأيي، لو جهر أكبر عدد من الملحدين بإلحادهم لقللوا فرص اضطهاد الملحدين القلائل الذين أعلنوا عن أنفسهم.

المصدر: رصيف 22