أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » صيف بلا نساء: الحريات الشخصية تحت الرقابة والمراقبة

صيف بلا نساء: الحريات الشخصية تحت الرقابة والمراقبة

في كل صيف، تعلو الأصوات مناديةً باحتشام الشابات المصريات في الطرقات والأماكن العامة، ومُطالبة بحماية الأخلاق الشرقية من محاولات التغريب والأمركة.

الاحتشام، هذه الكلمة الفضفاضة التي لا نعرف عنها سوى تغطية أجسام النساء بكل ما لا يشِف، فيلجأ لها المحافظون دوماً لدى التدليل على الانحدار الأخلاقي الذي وصل له المجتمع.
النساء: حارسات الأخلاق

يعتبر هؤلاء أن أجسام النساء مرادفة للأخلاق، فكلما غطت النساء أجسامهن ارتفعت نسبة الأخلاق.

أما مفهوم الأخلاق نفسه فهو نسبي للغاية، ويعتمد على رؤية الأشخاص للمواقف وكيف يتصرفون خلالها. فهناك من يعتبرون الكذب أمراً غير أخلاقي، وهناك من يعتبرون إخفاء الحقيقة دبلوماسية وذكاءً اجتماعياً.

ولكن عندما تُسلط الأضواء على النساء، يتفق الأغلبية على أن الملابس دليل أخلاق ليس على الشابات فقط، وإنما كذلك على عائلاتهن، وأحياناً على المجتمع نفسه، كما حدث في مصر أخيراً.

فقد انتشرت منشورات على فيسبوك تدعو إلى إيقاف ما أسموه بـ«المهزلة»، في إشارة إلى خروج الشابات بملابس مفتوحة إلى أماكن السهر والحفلات التي تقدم فيها المشروبات الكحولية.

وتحوّل الفضاء الرقمي إلى رقابة مجتمعية تحدد ما هو مسموح للشابات وما هو غير مسموح لهن. رقابة موجهة إلى عائلاتهن بضرورة “تربيتهن” حتى لا تعود إحداهن “حاملاً” من سهرة أو تبيت مع شاب في غرفته، كما قال أحد مُستخدمي فيسبوك.
فيسبوك: الرقابة المجتمعية في مواجهة الحريات الشخصية

ورغم هزلية الإدعاء، لاقت المنشورات رواجاً واسعاً بين مستخدمي فيسبوك، معتبرين هؤلاء الشابات خارجات عن الأعراف والتقاليد الشرقية. واستخدمها البعض للهجوم على الملاهي الليلية التي تقدم عروض Striptease وعلى الصفحات التي ترفع صور العروض على فيسبوك. وكان الأخير حدثاً جللاً، إذ تم استخدام صور العروض وصور للشابات الحاضرات في التدليل على صحة الادعاءات، وبالتالي على ضرورة التدخل.

بالفعل، قامت صفحة Cairo Zoom بمسح الصور على أثر حملة تنمر إلكتروني واسعة، وأغلقت قوات الشرطة ملهى 6ix Degrees، الذي لم يتضح إلى الآن هل كان إغلاقه تصفية حسابات بين المالك والحكومة، أم أن وزارة الداخلية كالعادة تسعى إلى نقطة تُضاف إلى رصيدها في حفظ الأخلاق والفضيلة، أم كان مزيجاً بين الاحتمالين.

البُعد الطبقي: هذه الأماكن لـ«ولاد الناس» فقط

بالطبع لهذا الصراع بُعد طبقي. فتلك الملاهي الليلية لا يدخلها أفراد عاديون. الحراسات المُشددة وقواعد الدخول والأسعار تضمن أن من يترددون عليها هم من طبقات عُليا.

هناك، لن يلتفت أحد لما يفعله آخر على الطاولة المجاورة، ولن يتفحص شخص ما شابةً ترقص بحريّة. مُضحك أيضاً أن هذه الأشياء تحدث داخل الملاهي الليلية بين أفراد الطبقات العُليا، لكن لا أحد يعرف عنها شيئاً، إذ يتم السيطرة عليها سريعاً حفاظاً على سُمعة الملهى، أو أمنه إن كان مثير الشغب شخصاً ذا نفوذ مثلاً.

تبقى هذه الملاهي غير مُتاحة أمام العامة، وهو أمر مستفز لهؤلاء الذين يشعرون بالإقصاء الطبقي، ويتحينون الفرصة للانقضاض على ما هو مغلق أمامهم، ومفتوح لآخرين، مُبررين هذا الانقضاض بالحفاظ على أخلاق المجتمع.

على عتبات هذه النوادي، يتناحر أشخاص مُتفاخرون بطبقتهم الاجتماعية، وأشخاص مُتباهون بأخلاقياتهم، ودولة لا تتردد في إحكام قبضتها على الجميع.
التعرّي: بين الملاهي الليلية والأفراح الشعبية

لا تقتصر عروض التعرّي للإثارة الجنسية على النوادي الليلية الرفيعة المستوى، فبعض الأفراح الشعبية أيضًا لا تخلو منها. تؤدي الراقصة الشعبية دور السترابر بمهارة، وسط السكارى والمُهتاجين من الرجال والنساء على حدٍ سواء.

على عتبات النوادي الليلية، يتناحر أشخاص مُتفاخرون بطبقتهم الاجتماعية وأشخاص مُتباهون بأخلاقياتهم، ودولة لا تتردد في إحكام قبضتها على الجميع

يستطيع القرّاء تصفّح يوتيوب لمقاطع فيديو عن راقصات شعبيات يقمن بحركات جنسية صريحة ومُباشرة، لكني لستُ واثقة أن يُسفر بحثهم عن مقاطع مُلامسات هؤلاء الراقصات للأعضاء الجنسية للرجال، أو القبض على أثداء النساء الحاضرات والمرور بخِفة على مؤخراتهن بشبق جنسي. أو كيف ينظر الرجال إلى الراقص الشعبي في لحظة تلذذ وإشتهاء. في حين يتقبل الجميع الفعل برحابة صدر قد تنتهي بدعوات لممارسة الجنس الفردي والجماعي.

لن تروا هذه المشاهد سوى في فرح شعبي حيث المخدرات والبيرة والمُطيبّات في عالم السكارى الذين هم من مختلف الهويات الاجتماعية. عالم “لا تستطيع” اقتحامه قوات الأمن لحماية المجتمع من الفساد الأخلاقي. عالم خارج خريطة الدولة رسمياً وفعلياً.
خطاب الأخلاق: التحريض والجريمة

نجد أن أغلب مَن يتشدقون بالأخلاق هم من أبناء الطبقة المتوسطة الذين يحاولون إدماج أنفسهم في الطبقات الأعلى، ويُمارسون استعلاءً على الطبقات الدنيا. وهم أكثر المهتمين بما يُسمى الفضيلة كمصدر تمايز طبقي.

الحال سيئة. فمن يروجون للاحتشام أو للعفة من أبناء الطبقة المتوسطة والأصوليين، هم أول المُحرضين على ارتكاب جرائم عنف قائم على أساس النوع الاجتماعي ضد الشابات اللاتي يرتدين ملابس يعتبر هؤلاء أنها غير محتشمة. فتكون النتيجة هي الاعتداء جنسياً أو رميهن بالمواد الحارقة كعقاب من المارة، أو حبسهن في البيت.

في الرابع عشر من يوليو الجاري، اعتدى مصري بسلاح أبيض على عدة سائحات أجنبيات في أحد فنادق مدينة الغردقة، معتقداً أنهن عاريات بما لا يتناسب مع العادات المصرية. هذه الجريمة وغيرها يتحمل مسؤوليتها كل مَن دعوا الشابات للاحتشام لأن أجسامهن هي رمز للأخلاق أو العفة.
إنترنت آمن للنساء

وفي هذا الضجيج، يسعنا الدعوة إلى إنترنت آمن للنساء، حيث لا يتم التحريض ضدهن، ولا نشر صورهن الشخصية دون موافقتهن. ندعو إلى فضاء رقمي دون مراقبة دولاتية أو رقابة مجتمعية، وإلى رفض التدخل الأمني في كل ما يمس الحريات الشخصية. هذه المساحة يجب أن تُحرر، لنا ولكم، وللأجيال المقبلة.

المصدر: رصيف 22