أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » الجرأة في الحدوتة والنكتة والأمثال الشعبية… من وراءها؟

الجرأة في الحدوتة والنكتة والأمثال الشعبية… من وراءها؟

كل فنان يعتز بفنه، وينسب إبداعه لنفسه، وبالمقابل، عندما نستمتع برواية ما، بالضرورة نعرف مؤلفها، ويكون عادة سبباً في شهرتها، وأساساً في تذوقنا لها. كذلك الحال في باقي الفنون، المسرح، السينما، الأغنية، دائماً ما تكون مبدعة العمل حاضرة باسمها وسماتها.

ولكن هناك أنواع أخرى من الفنون تعتمد عكس ذلك، وهي فنون الحكي التي تعتبر مجهولة النسب، ومنها: الحدوتة، والنكتة، والمثل الشعبي. فمن أين جاءت؟ وكيف عبّرت، بتخلّيها عن أصل أو مؤلف، عن حال الأفراد والشعوب بحرية مطلقة ومن دون قيود؟
“الحدوتة”، رواية شفوية مجهولة النسب

أُمُّنا الغولة، المارد، البساط الطائر، الأميرة وقصرها العالي، وغيرها من الشخوص التي علقت بأذهننا عن طريق حكايات الجدات أو التي تم اقتباسها في كتب… من أين جاءت؟ ومن الذي ألفها؟

الحدوتة أو الحكاية فن سردي، يتقاطع مع فن الرواية في كونه مبني على القصة، ويعتمد على الشخوص والجُمل الحوارية، ويختلف عنها في الشفاهية، فالرواية نص مكتوب بينما الحكاية مروية مسموعة.

وتعتبر “ألف ليلة وليلة” أهم وأبرز الحكايات التي اتسمت بالخيال، ونسجت عوالم عجائبية تجمع بين العفاريت والجان والإنس في علاقات متشابكة ومترابطة، وقد اتخذت من الحكاية الأم إطاراً عاماً يحتوي على ألاف الحكايات الصغيرة، فما إن تخرج من حكاية حتى تدخل إلى أخرى.

وإن اتفق الجميع على الحكاية الأم بأن شهريار كان يقتل كل يوم فتاة عذراء انتقاماً (جماعياً) من زوجته التي اتخذت عشيقاً لها، واستمر الحال حتى تزوج من شهرزاد التي سحرته بالحكايات الغريبة المدهشة لليالٍ طويلة، إلى أنْ تعلّم أنْ يصبح حاكماً عادلاً.

هناك اختلاف حول مصدر الحكايات، وتضاربت الأقاويل عن مؤلفها الحقيقي ومصدرها الفعلي.

منهم من أرجع الحكايات إلى كتاب “هزار أفسانة” الفارسي، والذي يعني “ألف خرافة”، وهو ما أشار إليه ابن النديم في فهرسه.

ولكن العديد من حكايات ألف ليلة وليلة جاءت عن قصص تدور أحداثها في العراق، بغداد تحديداً، في فترة الحكم العباسي، مما دفع الجهشياري صاحب كتاب الوزراء أن يقول أن الحكاية قد تكون بدأت عن الفرس غير أن الكثير تم إضافته في العراق.

خصوصاً مع اشتهار شعراء وكُتاب العراق بتأليف القصص الخرافية مثل عبد الله بن المفقع، سهل بن هارون، أبي نواس، أبي دلامة.

أما عن علاقة ألف ليلة وليلة بمصر فترجع إلى منتصف القرن الخامس الهجري، وقد تم إضافة العديد من الحكايات لها دون أن تنسب إلى أحد.

وقد أثرت تلك الحكايات في الفنون الأخرى على كافة المستويات، ففي فنّ الراوية مثلاً أشار لها عظماء الأدب في أعمالهم، منها رائعة نجيب محفوظ ليالي ألف ليلة وليلة، كما كان للسينما نصيب الأسد، بأعمال لا يمكن حصرها، سواء على المستوي العربي أو العالمي.

في كل الأحوال، فإن عدم معرفتنا بالفنان الحقيقي لتلك الحكايات، لم يمنعنا بالطبع من الاستمتاع بها وبعوالمها الفريدة.

النكتة، فن قصصي يكسر التابوهات

إذا كانت الحدوتة تتقاطع مع الرواية فإن النكتة تتقاطع مع القصة القصيرة، ولكنها ليست كأي قصة قصيرة، بل هي شديدة التكثيف، ولا بد أن تنتهي بإضحاك المستمع، مما يجعل منها أصعب من فنّ القصة القصيرة من حيث تركيبها.

وقد تفوقت كنوع من الفن السردي بكسرها التابوهات المتعارف عليها: فأبطالها من الملائكة والشيطان والزعماء والمثليين والغرباء والعاشقين والخائينن، والكاذبين أيضاً.

ولنا هنا مثال عن زوجة تتعدد علاقاتها، فلها عشّاق ثلاث. تبدأ النكتة في بيت الزوجة اللعوب، حيث يدق على باب شقتها عشيقها الأول، ويدخل حاملاً لفة بها لحم مشوي، وقبل أن يجلس، يسمع دقّ على الباب، فلا تجد الزوجة غير الدولاب (أي الخزانة) لتخبأ عشيقها.

وتعود لتفتح الباب فإذ به العشيق الثاني وقد أحضر بسبوسة معه، وقبل أن يجلس يدق الباب فتقوم صاحبة البيت وتخبأ العشيق الثاني في الدولاب أيضاً، وتفتح الباب فإذ به العشيق الثالث خاوي اليدين، وقبل أن يجلس يدق الباب، فتخبأه في الدولاب، وتفتح الباب وإذ به زوجها.

يستاء الزوج عندما يعلم بأنّ العشاء هو مجرد “عدس”، ويدخل غرفته ويبدأ في خلع ملابسه وهو يردد للسماء: “يا الله كل يوم عدس، ألن نذوق اللحم يوماً”، فيسمعه العشيق صاحب اللحم، ويرى في ذلك فرصة للفرار، فيخطف ملاءة بيضاء ويخرج للزوج ويخبره أنه ملاك من السماء سمع دعوته فلباها، ويقدم له اللحم.

ويأكل الزوج، ويحمد ربه ثم يدعو مجدداً: “يا الله لم أذق الحلوى منذ عهود بعيدة وقد اشتاقت لها بطني”، فإذ بصاحب البسبوسة يخطف ملاءة بيضاء ويخرج مقدماً له الحلوى ومدعياً أنه ملاك نزل لتحقيق دعوته.

وبقي الثالث في الدولاب يفكر في حيلة حتى عثر على ملاءة سوداء فتلفح بها وخرج، وقال للزوج: “أنا شيطان… ألم يمرّ من أمامك إثنين من الملائكة الآن” ويرحل.

تلك النكتة نموذج للقصة القصيرة المكثفة، وإن كانت تحمل بداخلها ما هو أبعد من مجرد السرد، فالقصة تعتمد التكرار في بنيتها كأساس للدعابة، وتتحدث بشكل مرح عن موضوع شائك، وهو العلاقات الزوجية والخيانة.

وفي نفس الوقت، تلبس العشّاق ملاءات، فتربط العلاقات خارج الزواج الذي لا يقبلها المجتمع عادة، مع اللباس الذي ترتديه العاشقة صاحبة البيت عندما تترك بيتها مراعاة لأعراف المجتمع، وفي جمع التناقض تكمن الفكاهة. كما تسخر النكتة من سذاجة الزوج، التي تعتمدها أساساً لتحويل الملائكة لشخوص يمكن الاستفادة منها.

لو نُشرت قصة متشابهة لهذه النكتة في كتاب لقامت الدنيا ولم تقعد. غير أنّ الأدب الشعبي لا يعرفُ القيود، فهو، كبقية الفنون الشعبية، قادرٌ على مقاربة جميع التابوهات.

والنكتة كالحدوتة بالضبط، تنتقل عبر التواتر دون أن تعرف مؤلفها، في أغلب الأحيان.

وقد يتساءل البعض: لماذا هذا الفرق بين المسموح به في النكتة وصرامة القوانين الاجتماعية؟

لعل ما جعل للنكتة كل هذه المساحة من الحرية كونها مجهولة المؤلف، فالمصدر الأول للنكتة دائماً ما يكون مجهولاً، مما يتيح فرصة نقد المجتمع، وسياسة الدولة، وحتى الدين، دون خوف من عواقب أو مسائلة.

وهي في أساسها، فنّ جاء من أجل تداول قيم ومواقف توسّع مفهوم المسموح والممنوع، وهي تتحدى صرامة القوانين الاجتماعية وتسخر منها، مثلها مثل الفنون الشعبية الأخرى، وعلى رأسها الغناء: مثل الأغاني الإباحية في أفراح صعيد مصر، والتغني بممارسة الحب في التراث الشعبي التونسي.

أما بالنسبة للنكة، فنحن نلعب دور الناشر الحقيقي لها، ننقلها بالتواتر عبر جلسات السمر وتجمع الأصدقاء، أو الغرباء على وسائل التواصل الاجتماعي، ونستثمر حس الدعابة والمرح التي تضفيه.

وقد استفادت السينما من هذا الفن، بالأخص الأفلام الكوميدية، فظهر من يؤلف النكتة ويبيعها، وربما يكون حمادة سلطان والذي لُقب بـ “صاروخ النكتة” أشهر من ألف النكت العربية حيث سجل براءة تأليف 15 ألف نكتة، وذاع صيته فتحول إلى نجم في الحفلات، ونافست شرائطه كبار المطربين في الفترة السادات.
المثل الشعبي خلاصة التجربة البشرية

الحكمة نوع فريد من فن الكلمة، ففي جملة واحدة يمكنك أن تتناول موضعاً يحتاج إلى دراسات مطولة، وهذا الفن تحديداً أكثر ما عبّر عن حالة الإنسان ونزعاته وطريقة تفكيره، لذا فإن المثل يُعدّ مرآة لثقافة الشعوب، وخلاصة تجربتها في الحياة، وكيفية رؤيتها للأمور. 

وقد تختلف تلك الرؤية من ثقافة إلى أخرى حسب معطيات المكان والزمان، حتى أنها في بعض الأحيان قد تصل إلى حد التناقض.

فستجد الريفي الذي يخشى المجهول والمفاجئات لأنها قد تؤثر على محصوله وحياته، يقول “من خاف سلم”، بينما يخبرك أهل المدينة “يفوز باللذات كل مغامر”، وتلك الأمثال قد تستخدم حسب الحالة وهي ليست ثابتة بالضرورة.

وقد يعبر هذا التضارب في الأمثال عن البيئة الاجتماعية التي تحكيها في الأساس، وتفاوت المعايير في الأوساط المحافظة والأكثر انفتاحاً، وكذلك في ظروف الحياة.

والمثل الشعبي هو فنٌّ قائم على التشبيه والاستعارة والكناية أيضاً. وقد يتغير المثل بتغيير الحاجة إليه، والمثل فنّ في أساسه خُلق من أجل النصيحة، فقد يستشيرك أحدهم في أمر معين لتجد نفسك تخبره “دق على الحديد وهو سخن” بينما في حالة أخرى ستكون إجابتك: “في العجلة الندامة وفي التأني السلامة”.

ولكن، إن بحثنا عن مؤلف هذه الأمثال، ستكون الإجابة بالضرورة: لا أحد يعرف فإنها تنتسب إلى الأدب الشعبي، والأدب الشعبي مجهول النسب.

إذا كانت الفنون المتعارف عليها مشغولة بالانتساب إلى أصحابها ومبدعيها، فإن فنون الحكي لا تشغلها قوانين المجتمع والفنّ، فتقدم نفسها دون اعتبار للمبدع الأصلي، وهو ما أعطاها خصوصية وجرءة متفردة تتميز به عن باقي الفنون.

في ثقافة ترفع الأصل والنسب إلى أقصى درجات الأهمية، في الفنّ والسياسة والحياة الاجتماعية، لا غنى عن الحرية التي تقدمها هذه الفنون المحكية.

المصدر: رصيف 22