أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » مأساة وكارثة أبو علي نموذج لمصائب ملايين السوريين

مأساة وكارثة أبو علي نموذج لمصائب ملايين السوريين

يوسف البستاني
facebook

اضطرت عائلة أبو علي لترك منزلهم في بلدة العتيبة، وبدأت رحلة معاناتهم مع النزوح بعد الحملة العسكرية التي شنتها قوات النظام على بلدتهم.
تنقلت عائلة أبو علي “مزيد قشيشه ” الرجل البسيط بين بلدات الغوطة الشرقية ومع كل رحلة تهجير تفاصيل مؤلمة وقصص كثيرة إلى أن استقر به الحال في مدينة زملكا في الغوطة الشرقية، حيث أوى إلى منزل متواضع يقع في أفقر أحياء المدينة، وهو حي المزرعة الذي تم استهدافه بالسلاح الكيماوي من قبل النظام عام 2013، وسكن أبو علي في الحي مع العديد من أهالي المرج بعد أن أصبح الحي خالياً من السكان عقب المجزرة.
أصيب أبو علي عام 2015 بقصف الطيران الحربي على إحدى مدن الغوطة وكانت إصابته بالغة، حيث منع بعدها عن العمل وأصبح معيل العائلة الوحيد ابنه علي البالغ من العمر 12 سنة وهنا ساءت أوضاع العائلة المحاصرة لحد لا يمكن أن يتصوره العقل.
تولى علي ذو الاثني عشر ربيعاً وأخيه زكريا الأصغر منه، مهمة البحث عن الطعام يومياً لتأمينه للأب المصاب وبقية العائلة، وأخذوا يعملون ضمن أقسى الظروف بعد أن تركوا مدرستهم، فتارة يجمعون الحطب من الأماكن المدمرة، وتارة أخرى يجمعون البلاستيك ويبيعونه، وأحياناً يتسولون من أجل جمع ثمن ربطة خبز تسد الرمق.
لم تنته معاناة العائلة عند هذا الحد، وازدادت معاناتهم مع استشهاد والدهم في الشهر الرابع من العام الجاري، وحاولت الأم أن تبقى قوية رغم جراحها، وقلة حيلتها، وأن تحافظ على العائلة، وكان همها الأول كيف تسكت جوع البطون الصغيرة التي لم تذق طعم الرفاهية والهناء منذ بداية نزوحهم.
مرت الأيام وبدأت أم علي تفكر بأخذ أطفالها في نزهة صغيرة لتطعمهم ما يشتهونه بعد استلام الكفالة النقدية الشهرية، وأصبح الأطفال يخططون لذلك اليوم وما إن أتى صباح اليوم الأحد حتى لبس الأطفال ثيابهم، وتهيؤوا للخروج مع أمهم، لتحقيق حلمهم، الذي لطالما حلموا به بتناول ما يشتهوه من الحلويات والأطعمة اللذيذة.
خرجت العائلة من المنزل، وبعد أقل من دقيقتين سُمع انفجار ضخم هزَّ مدينة زملكا وهرعت سيارات الإسعاف للمكان لتسعف المصابين والجرحى، وبعد نصف ساعة تبيّن أن أم علي وطفليها أصيبوا برضوض وطفلتها “تركية” استشهدت، وما زال الطفل الرابع مفقوداً، والأم تسأل عن أطفالها وهي تبكي، وكل من يراها يتألم لحالها، ومرت ساعة ولم يأتِ خبر عن “زكريا” الطفل المفقود، أما طفلها الأكبر “علي” كان مشغولاً بعمله في حفر الخنادق على خطوط الجبهة ولم يكن يعلم ما حل بعائلته.
أتى العم مسرعاً إلى المشفى كي يواسي الأم وأخذ الجميع لمنزله، ثم اتجه مع أقاربه لدفن “تركية” وبينما هم في المقبرة، سمعوا صوت سيارة إسعاف وتفاجؤوا أن “زكريا” بداخلها، مكفناً وملفوفاً بثوب أصفر، وأصيب الجميع بالدهشة، وقلوبهم بكت دماً لما حلَّ بالعائلة.
أم علي في هذه اللحظات كانت في المنزل تنتظر قدوم طفلها زكريا كي يواسيها بوفاة أخته تركية، ولم تكن تعلم أن زكريا قرر أن يكون بجانب أخته تركية، التي لطالما لعب معها أمام المنزل.
وعندما وصل خبر استشهاد زكريا إلى والدتهم، هرعت مسرعة لمكان الدفن، لكنها وصلت بعد دفن الطفلين، لأن وجه زكريا ورأسه كانا مشوهان بشكل كبير.
لم تنته القصة بعد، وسنترك لكم تصور حجم المأساة والألم الذي سيرافق هذه العائلة بعد هذا اليوم، وكل ما قرأتموه ليس إلا جزءاً من معاناة سكان الغوطة الشرقية، فهل سنجد من يقف بجانبها لينقذها من جحيم النظام وأعوانه.
هذه قصة صغيرة من ألم المحاصرين في الغوطة فهل سنجد من يقف بجانبها لينقذها من جحيم الألم والفراق هذا.



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع