أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » آخر قلاع المعارضة تترقب مصيرها.. إدلب: الوحدة أو الفناء

آخر قلاع المعارضة تترقب مصيرها.. إدلب: الوحدة أو الفناء

يتساءل المتابعون للشأن السوري: لماذا تغرق مدينة إدلب وريفها المحرر منذ العام 2015م في دوامة من الفوضى الممزوجة بالعنف بعد تحريرها من ميليشيات الأسد وحلفائه, رغم قوة “جيش الفتح” الضاربة وفصائل أخرى ذات خبرة عسكرية عالية المستوى؟.

السؤال المتصل لماذا تحرص التفاهمات الدولية والإقليمية على تسوية الصراع السوري في الجنوب ومناطق أخرى, وتتوعد إدلب ومناطق الشمال بمذابح لم يشهدها العصر بحسب بعض الصحف الغربية, أو على الأقل تتركها لتتخبط في لجة صراع مزمن ومفتوح؟.

في خضم التساؤلات, يبرز السؤال الاستراتيجي الضاغط, ما المصير الذي ينتظر آخر ملاذ للمعارضة؟.

توطئة

تناقش هذه الورقة الخلافات الدولية والإقليمية المتصارعة حول الملف السوري وفشل آستانة لعدم التوافق حول مصير إدلب تحت مبررات مختلفة, وتستعرض الورقة بعض المحطات الرئيسية لمدينة إدلب وريفها, وتوضح الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها في إطار الصراع الدائر, وتتوقف عند حالة الفوضى التي تسود المدينة وريفها بعد تحريرها في العام 2015م. كما تحلل الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة هذه الفوضى المرتبطة بشبكات التخريب التي تقوم بها خلايا نظام الأسد وتنظيم “الدولة”, وتخبط المسؤولين عن إدارة المدينة. أخيرا تقدم الورقة، رؤية معمقة عن مآلات ومصير المدينة في ظل التشابكات الدولية والإقليمية.

مقدمة 

باتت سورية بشقيها المحرر, وذاك المحتل، مرتبطة بالتفاهمات الأميركية- الروسية، ودخلت مرحلة التدويل الفعلي، وأضحت ساحة صراع حقيقي, لتصفية حسابات دولية وإقليمية تتفق حينا, وتختلف أحيانا, ما جعل مستقبلها مرهونا بهذه التفاهمات المفتوحة في محاولة تحقيق روسيا استكمال مصالحها, بعد عودة الملف السوري إلى دائرة الاهتمام الأميركية مع وصول الرئيس ترامب إلى سدة الحكم.

لإعادة ترسيم خرائط النفوذ في آستانة, وفي اللقاءات الثنائية التي جمعت موسكو وواشنطن في الجنوب السوري المشاطر لإسرائيل, فيما تتباعد الحلول والتفاهمات عن الشمال السوري, وتتقاسم موسكو وواشنطن النصيب الأكبر من محركات الحرب ومفاعيلها ضمن تحالفات عسكرية تضم آلافاً من المرتزقة تناط بهم أدوار مختلفة في المهام, وساحات الميدان, فتتفاهمان حول سورية بما هو معلن عنه في الأهداف والمصالح, وتختلفان في قضايا كبيرة, يأتي في مقدمتها حدود النفوذ في الشمال السوري, حيث تتعاظم التشابكات الدولية والإقليمية, إذ يقف الحليف التركي منذ الانقلاب الفاشل تائها بين موسكو وواشنطن, متوجسا من تطور العلاقة بين الحزب الكردي “ب ي د” المصنف إرهابيا وبين واشنطن, وبات ديدن أنقرة تغليب مصالحها الخاصة, ورغم ما بذلته من الدعم العسكري واللوجستي لفصائل الثورة، والإسهام في بناء قدرات الجيش السوري الحر, وكذلك إيواء المهجرين السوريين, فإن ذلك لا يبرر تغليب مصالحها الخاصة على مصلحة الشعب السوري الثائر.

في المقابل، أوشكت إيران على إتمام مشروعها في إدلب بعد مقايضتها شيعة “الفوعة وكفريا” الموالين لها إيديولوجيا وسياسيا, لأجل تفريغ القلمون الغربي من ثواره وغالبية سكانه حفاظا على ممرها البري الواصل بين طهران والبحر المتوسط.

محليا تتسع الهوة بين الفصائل المسلحة مدفوعة بأسباب متعددة قد تكون عامل هدم وتدمير, أو بناء وتعمير, وهذا يتوقف على توجهاتها في هذه المرحلة الحرجة من التجاذبات الدولية.

إدلب.. محطات رئيسية:

مدينة إدلب مركز محافظة سورية تحمل ذات الاسم وهي تقع إلى الشمال الغربي من سورية وتمتد أراضيها إلى الحدود مع تركيا ولها معبر حدودي (باب الهوى) مع تركيا عبر بلدة سرمدا. كانت تتبع محافظة حلب, واستقلت إداريا في العام 1961م.

المحافظة ذات تركيبة سكانية إثنية متنوعة, ومعظم سكانها ينتمون إلى العرب السنة, بينما ينتشر الدروز في جبل السماق شمال مدينة ادلب, ويتركز الشيعة في قريتي الفوعة وكفريا, ويتوزع المسيحيون في مدينة إدلب وعدة قرى في ريف جسر الشغور.

الزراعة هي المورد الرئيسي لدخل أبناء المحافظة حيث يغادر نهر العاصي الأراضي السورية بعد عبوره سهول الغاب والروج والعمق ذات التربة الخصبة, المزروعة بالحبوب والشوندر, وتتصدر المحافظة زراعة الزيتون وإنتاجه في سورية.

كان يعيش في محافظة إدلب قبل اندلاع الثورة السورية أكثر من مليوني نسمة, ومن أشهر مدنها إلى جانب مركز المحافظة، معرة النعمان، جسر الشغور، سراقب, كفرنبل, حارم, معرة مصرين, سلقين, أريحا, كفر تخاريم وأبو الظهور..

لعبت إدلب أدوارا تاريخية أساسية في البعد الوطني, إذ تحتوي على أوابد وكنوز تاريخية تمتد على مساحة المحافظة من أبرزها رقم مملكة ايبلا, ويحتضن ثراها جثمان الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز في بلدة دير شرقي, وبجواره إلى الغرب قليلا يرقد الشاعر أبو العلاء المعري في المدينة الثائرة معرة النعمان.

استقبلت إدلب حافظ الأسد في جولته على المحافظات عام 1971م بالأحذية والرجم بالبندورة, لتبدأ عملية تهميشها بتحويل الطريق الدولي الرابط بين حلب ودمشق عن المرور بها, وكذلك تحويل طريق التجارة الواصل بين حلب واللاذقية عنها, مع حرمان المحافظة من كافة الخدمات الأساسية والمشاريع التنموية والاستثمارية.

وفي العام 1980 انطلقت مظاهرات كبيرة تساند حركة الإخوان المسلمين ضد نظام الأسد, شملت غالبية أرجاء المحافظة, كان أعنفها ما شهدته مدينة جسر الشغور, ولم ينتظر حافظ الأسد طويلا حيث حطت 25 طائرة مروحية محملة بالجنود والعتاد في المدينة، وبدأت قواته بحملات دهم واعتقال عشوائي استباح بها المدينة لمدة ثلاثة أيام، وأشرف توفيق صالحة محافظ إدلب حينذاك والعميد علي حيدر والعقيد عدنان عاصي على عمليات إعدام ميداني عشوائي طالت أكثر من 150 من أهالي الجسر مسلمين ومسيحيين.

وامتدت الحملة إلى بلدات وقرى جبل الزاوية فخلفت مئات القتلى والمعتقلين والمشردين.

وعين الأسد خلال عقدين من الزمن, محافظين اثنين لإدلب هما توفيق صالحة وزيد حسون من الدروز, وحصر رئاسة الأفرع الأمنية بضباط علويين, هم الأكثر قمعاً ووحشية من أمثال العميد نوفل الحسين, أكثر أزلام الأمن قمعاً مذ كان ملازماً وحتى وحشيته في قمع الثورة في إدلب عام 2011م, وقبله العميد عدنان عاصي وغيره من الضباط الأمنيين المتوحشين.

وفي عهد الأسد الوريث, تابع سياسة سلفه في القمع والتنكيل، فقد شهدت المحافظة حملة بعنوان “الحملة ضد الأشرار” والتي  بدأت عام 2007 واستمرت لغاية العام 2010م استهدفت الدراجات النارية التي يستخدمها بسطاء الناس في حقولهم الزراعية, وحتى الأساتذة إلى مدارسهم, فاتسعت دائرة النقمة شعبويا ضد حكم الأسد وتحولت إلى قضية سياسية تجاوزت البُعد الاقتصادي.

وكان لإدلب زخم كبير منذ انطلاق الثورة السورية.

في الخامس والعشرين من آذار عام 2011 خرجت أول مظاهرة في مدينة سراقب ومناطق أخرى طالبت بالإصلاح السياسي وامتدت المظاهرات الصاخبة لتشمل كافة أرجاء المحافظة، فقابلها الأسد الوريث بالقمع والتنكيل والتدمير بالكلور والكيماوي والصواريخ الباليستية. وباتت المحافظة الأولى المحررة ريفا ومدينة من قبضة نظام الأسد.

إدلب بين أستانة وجنيف

فشلت محادثات آستانة الأخيرة نتيجة للخلاف حول مصير محافظة إدلب إثر توزيع المحاصصات الدولية والإقليمية التي تعمل عليها واشنطن وشركاؤها الروس للتفاهم خارج إطار (آستانة- جنيف)  وفي هذا الصدد جاء لقاء وزير الخارجية الأميركي تيرلسون بالرئيس أردوغان لحلحلة القضايا الشائكة, وعلى رأسها محاولة واشنطن تطمين أنقرة بأن الدعم الأميركي للحزب الكردي لا يتجاوز في أهدافه حدود الحرب ضد الإرهاب, وإيجاد مخرج لإنهاء الخلافات حول إدلب, جرت المحادثات بين الوزير الأميركي والرئيس التركي على وقع دوي المدفعية التركية المستمرة في قصف مواقع الحزب الانفصالي في مطار منغ العسكري وبعض المناطق الأخرى, وحشد قواتها على الحدود المشاطرة لمحافظة إدلب والتلويح بدخول قواتها عمق المحافظة.

وجاء تصريح تيلرسون من تركيا بعد لقائه أردوغان مدللا على مرحلة جديدة من استعادة بناء الثقة بين بلاده وتركيا حول مناطق تجميد القتال أو ما يسمى تخفيف التصعيد بعد التفاهم في جنوب سوريا. وتعمل واشنطن على إسقاط هذا الاتفاق على محافظة إدلب وبعض الأجزاء الشمالية من سورية, ولكن وفق رؤيتها والشريك الروسي فيما يتعلق بمصير المحافظة المحررة بأكملها, ولكن العقبة الكبيرة التي تعترض التفاهمات القائمة, قضية التوتر بين تركيا والحزب الكردي الانفصالي وتداعياته على مناطق الشمال السوري, إذ ترفض تركيا البحث في مصير محافظة إدلب دون حسم القضية الأكبر في كانتون عفرين.

بالتزامن مع فشل آستانة, انطلقت جولة جنيف بنسخته السابعة، على وقع التفاهم في الجنوب السوري والهدوء الذي تشهده محافظتا القنيطرة ودرعا, فيما تشن الميليشيات الشيعية وحليفها الأسد هجوما غير مسبوق على فصائل الجيش الحر في البادية السورية, وفي الغوطة الشرقية, ويوحي الهجوم بمنح فرصة للميليشيات الشيعية توسيع نفوذها مقابل عدم الاقتراب من الحدود المتاخمة لإسرائيل, وتبقى قضية محافظة إدلب مرتبطة بالتفاهم الروسي الأميركي المتصل بالمصالح التركية, ويبدو أن الروس دخلوا في تفاهمات جانبية مع الطرف التركي إثر تخليهم التدريجي عن الحزب الكردي الانفصالي, ولا تزال المساومات قائمة بين واشنطن وأنقرة حول مصير الشمال السوري المحرر.

إدلب الحرة

بعد تحرير مدينة إدلب وريفها على يد “جيش الفتح” من ميليشيات الأسد في آذار عام 2015م, والذي أثبت قدرته على مواجهة أعتى القوى العسكرية من ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات بالإضافة إلى الغطاء الجوي الروسي وذاك التابع للتحالف الدولي, وبرهن على بسالته وحجم تضحياته في ساحات القتال سواء في إدلب المدينة, أو البلدات الكبيرة كأريحا وجسر الشغور والمطارات العسكرية وفي تصديه المتكرر لعصابات الأسد على جبهات أبعد من محافظة إدلب.

تتقاذف المحافظة أمواج متلاطمة من الفوضى على المستوى الإداري والأمني والاقتصادي, ويعود ذلك إلى غياب الأطر العامة الاستراتيجية التي يتوجب وضع خطط منظمة لها في إدارة المدينة وريفها تزامنا مع الخطط العسكرية حتى قبل بدء عمليات التحرير لمواجهة التغييرات التي سيحدثها الواقع الجديد بعد اندحار منظومة الأسد القائمة على القمع والاضطهاد, وشبكات التجسس التخريبية المتنوعة المرتبطة بأجهزة الأسد المخابراتية, ولكن أبرز المعوقات التي تسببت في الفوضى, تعدد الفصائل المسلحة واختلاف توجهاتها الإيديولوجية وتباين رؤيتها حول إدارة المدينة, رغم الأصوات التي تنادي بإيجاد صيغة وحدوية تجمع تلك الفصائل, ولم يعد الحراك الثوري قادرا على حشد الجماهير في الساحات العامة للتنديد بنظام الأسد كما كان في السنة الأولى من عمر الثورة.

وهناك مجموعات منظمة داخل المدينة إدلب من الشبيحة وغيرهم ممن انخرط في صفوف الأسد يرتبطون معا وفق تعاون وثيق في العمليات التخريبية التي استهدفت تجمعات المدنيين عبر السيارات المفخخة والعبوات الناسفة, والاغتيالات التي طالت قادة ميدانيين وسياسيين.

بالإضافة إلى طابور مرتبط بنظام الأسد يقوم ببث الشائعات لزعزعة الأمن بين الناس, علاوة على الحملة الإعلامية التي يقودها اللوبي الإعلامي الإيراني انطلاقا من العاصمة اللبنانية بيروت ومعه الإعلام المناوئ لثورات الربيع العربي, لخلق اضطرابات في محافظة إدلب والعمل على استمرارها تمهيدا لعودة نظام الأسد لمناطق الشمال كمخلص لهذه الحالة.

بعد كل هذا, لابد من العمل على وضع استراتيجية ناظمة للإدارة وحافظة للأمن العام, وذلك بتوحيد مصدر القرار الأمني والعسكري, وإتاحة الفرصة لعمل القوة الأمنية, وتقييد مهام الفصائل المسلحة بالعمل على جبهات القتال, والحفاظ على الحريات العامة للمواطنين, وإشراك المجتمع في الشأن العام, وتغيير الخطاب الإعلامي ونقله من الفصائلية الضيقة إلى رحاب التوحيد الجامع للقضاء على أسباب الفوضى.

استراتيجية إدارة محافظة إدلب 

اعتمدت فصائل الثورة المسلحة في المناطق المحررة, وخاصة في محافظة إدلب استراتيجية “الغلبة” وهذه الاستراتيجية في إطارها العام تسعى إلى تحقيق مجموعة من المكاسب, فبعد دحر قوات الأسد حقق “جيش الفتح” قدرا كبيرا من التنسيق والتعاون بين مكوناته، ولم تلبث التدخلات الإقليمية والدولية أن عملت لإفشال سياسة الشراكة النسبية في المدينة المحررة وريفها, لتطفو على السطح خلافات فصائلية بهدف الهيمنة المطلقة والتحكم بالمدينة، مما قاد لاضطراب وخلل في ميزان الشراكة وهو الحاصل في التنافر بين “هيئة تحرير الشام”, وحركة أحرار الشام.

جاء التعبير عن ذلك من خلال استعراض القوة العسكرية لفرض إرادة الطرف القوي, وفي سياق هذا المفهوم انتهجت الفصائل المسلحة هذا الأسلوب تغذيها فتاوى الشرعيين لتبرير أفعال يراد بها تحقيق أهداف وغايات تخدم فصيلاً على حساب الآخر.

ومع مرور الوقت باتت محافظة إدلب بشكل عام تخضع لنفوذ الهيئة والأحرار, مع وجود تشكيلات عسكرية متفرقة تنتمي للجيش الحر.

الماكينة الإعلامية الموجهة ضد إدلب

في سياق استمرار عدوان نظام الأسد ومعه الميليشيات الشيعية, والروس, لعبت الآلة الإعلامية الموجهة دورا كبيرا في خلق الاضطرابات وبث الشائعات وتوجيه المتابعين لأهدافه المرسومة في محافظة إدلب, وحشدت لأجل ذلك كل القنوات المرئية والمسموعة والمقروءة, ووظفتها في السياق العام للحرب، إذ تحاول صرف أنظار المتابعين عن الحقائق بعدما صورت الشمال السوري بأنه مجرد تجمعات إرهابية, ومن أهم ما يمكن الاستشهاد به, ذاك  القصف المتوحش للطيران الروسي وذاك التابع للأسد وما خلفه من مجازر مأساوية, أو تهجير السكان من بلداتهم, وما حدث في مجزرة خان شيخون التي قضى فيها المئات خنقا بكيماوي الأسد, حيث اتهمت “فصائل الثورة”  بقتل أهلهم.

كما عملت على تفسير الحدث دون تحديد من يقف وراءه لكن غالبا ما تشير إلى اتهام الفصائل في كل حدث يجري في محافظة إدلب, ويمكن إجمال أهداف الإعلام الموجه ضد محافظة إدلب بالنقاط التالية:

بث الشائعات وتزوير الحقائق, لخلق البلبلة والاضطرابات التي تمنع الاستقرار والأمن.

التركيز على تشويه صورة الفصائل العسكرية المعارضة سواء كانت إسلامية أو غيرها, وتتبع عثراتها دون توقف.

دعوة السكان المحليين للتمرد على الفصائل العسكرية المتواجدة في إدلب وريفها.

محاولة تعميق الشرخ بين فصائل جيش الفتح, أو الكيانات العسكرية المستحدثة.

حملة “هيئة تحرير الشام” ضد خلايا تنظيم “الدولة”

شنت القوة الأمنية في “هيئة تحرير الشام” حملة عسكرية بعنوان (الثأر لأشبال القرآن) ضد خلايا تنظيم “الدولة” المنتشرة في محافظة إدلب, وتمكنت من القبض على عشرات العناصر وقادة التنظيم بينهم أمراء, وتعقبتهم في معاقلهم كسرمين والدانا إضافة إلى مدينة إدلب.

وقالت “تحرير الشام”، عبر وكالة “إباء” التابعة لها، إنها اعتقلت المسؤول الأمني العام لتنظيم “داعش” ويدعى “أبوسليمان الروسي”، إضافة الى اعتقال مئة عنصر في مدينة إدلب وبلدة سرمين بينهم ثلاثة “انتحاريين”، والسيطرة على 25 موقعاً تابعاً للتنظيم في مدينة إدلب وريفها.

وناشدت “الهيئة” الأهالي بـ”التعاون مع المكتب الأمني” التابع لها، والتزام منازلهم، لإكمال “العملية الأمنية الواسعة”، وفي سياق الحملة اعتقلت “الهيئة” عناصر من “القوقاز” وآخرين مهاجرين من جنسياتٍ أخرى، فضلاً عن وقوع اشتباكات في مدينة سرمين أسفرت عن وقوع  إصابات.

يذهب محللون استراتيجيون إلى أن حملة “هيئة تحرير الشام” تدخل في صميم تمكينها في محافظة إدلب وتعزيز نفوذها فيها, تجلَّى ذلك من خلال زجها بأكثر من ألف عنصر مدرب على القتال لمحاربة ( الخوارج).

وسيكون من المهم الإشارة إلى أن البعض يرى أن محاربة “هيئة تحرير الشام” لتنظيم “الدولة” كان محل شك خاصة أنها ظلت لفترة طويلة تحتضن لواء “جند الأقصى”, لكن سوابق مضت تبرهن على جدية الهيئة وبالأخص “فتح الشام” على محاربة التنظيم, فقد اجتثت في العام 2016م “لواء التوبة” الموالي لتنظيم “الدولة” في جبل الأحص جنوبي حلب, وعلى ما يبدو فإن الفرصة باتت مواتية لها لتبديد هذه الرؤية فضلا عن كونها رسالة للأطراف المناوئة لها التي تنتقد سياستها.

وتأتي هذه العملية في سياق معلومات حصلت عليها القوة الأمنية تشير إلى أن تنسيقا جرى بين تنظيم “الدولة” ونظام الأسد للسيطرة على محافظة إدلب، وذلك بحسب ما نقلته شبكة بلدي نيوز في تقريرها عن عملية “هيئة تحرير الشام”.

مصير المدينة بين التهديد بالإبادة والاقتتال الفصائلي

لم يأت الأسوأ بعد في سورية, فما شهدته حمص وحلب وغيرهما قد لا يقارن بما ستشهده محافظة إدلب، وفق تقرير لصحيفة الواشنطن بوست.

وقالت الصحيفة إن المحافظة ستشهد المعركة الأكثر دموية إذا مضت قوات نظام الأسد في مخططاتها للسيطرة عليها.

تعتبر محافظة إدلب المنطقة الوحيدة المحررة التي تسيطر عليها فصائل الثورة, وباتت تضم أكثر من مليون شخص نزحوا إليها أو هجروا من منازلهم عبر اتفاقيات رعتها الأمم المتحدة, وعلى حوافها الحدودية تنتشر مئات المخيمات ستكون حياتهم مهددة بالمخاطر في حال تعرضت لعدوان من نظام الأسد وحلفائه أو جرى فيها اقتتال داخلي.

تشير المعطيات إلى ازدياد الشروخ بين “هيئة تحرير الشام” وحركة أحرار الشام لأسباب متعددة يقف على رأسها استراتيجية الغلبة أو الهيمنة التي تمارسها الفصائل الكبيرة, والخلاف بين الداعمين وانعكاسات ذلك على الفصائل, كما لعبت غرف الموم والموك التي شكلتها دول أصدقاء سورية دورا بارزا في تعميق الهوة بين الفصائل بتحريضها ضد بعضها, فالداعم الإقليمي وتحوله إلى لاعب أساسي في المشهد الفصائلي رسخ عملية التجزئة في خطوة امتلاك القرار الوطني المستقل.

هذه الأسباب وغيرها كالغلو واستراتيجية الهيمنة, وشيوع مشاريع خارج الإطار الوطني للثورة, وغياب المرجعيات القضائية والقيادة المركزية الجامعة, كانت مقدمات لاتساع الفجوة الفصائلية المتشظية في ضوء الصراع الدولي المحموم, وفي ظل التوافقات الروسية – الأميركية, والخلافات  المستجدة على تشكيل المنطقة عبر جنيف أوآستانة أو الاتفاقات الثنائية, وما يجري من مماحكات بين “هيئة تحرير الشام”, وصقور الشام المنضوية تحت راية حركة أحرار الشام, والبيانات المقتضبة الصادرة عن الطرفين, وما يرافقها من استنفار عسكري وانتشار للحواجز في عدة مناطق في جبل الزاوية، إضافة إلى خان السبل وشمال سراقب وتفتناز وعدة قرى قرب الأتارب في ريف حلب الغربي والدانا وكللي، وتل الطوكان, وطريق معبر باب الهوى – إدلب, يشي بنذر صدام عسكري بين أقوى فصيلين في سورية, وجاء تدخل وسطاء بين الطرفين ليتوصلا إلى تهدئة وقتية, أعقبها قيام حركة أحرار الشام بإطلاق مبادرة تنصّ على تشكيل “إدارة موحدة للشمال السوري” تتألف من هيئة عامة تضم عدة مكونات ثورية أبرزها الفصائل العسكرية دون استثناء، والمجالس المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والعشائر وبعض النخب الثورية، بحيث تكون المرجعية الثورية للشمال السوري وينبثق عن الهيئة العامة مجلس الإدارة الموحدة، والذي يشمل كل الاختصاصات التي تحتاجها المنطقة بما فيها الملف العسكري، والأمني، والسياسي، ويترأسه شخص مدني من ذوي الكفاءات.

هذه التطورات وردود الأفعال بين الفصائل يفرض عليها تغيير أدواتها واستحداث أخرى تتناسب والتطورات القائمة المتمثلة بمحاولة تدمير محافظة ادلب, وإعادة تدوير نظام الأسد, مما يستدعي البحث عن خطوة استكمال إعادة هيكلة حقيقية للفصائل في جسم عسكري, وقيام حوارات جدية بين القادة بعيدا عن استراتيجية الغلبة والاتعاظ من تجربة التشرذم والتشظي التي أضرت بالثورة أولا وبالفصائل ثانيا, وينبغي أن يتجاوز التشكيل الموحد تجارب فاشلة على هذا المستوى, إنما يعني الانصهار الكامل  بعدده وعدته وذراعه العسكري ومؤسساته الناظمة, وإداراته المتخصصة.

بعيدا عن المرجعية العقائدية المؤدلجة والفكرية للفصائل, وإشراك جمهور الثورة في القرارات من خلال المجالس المحلية المنتخبة شعبيا, واعتماد نظام داخلي يحصر مهام الكيان العسكري في حماية الجبهات والابتعاد عن الأعمال المدنية, وإنتاج جيش وطني, يعتبر القاعدة الشرعية التي تضع نهاية حتمية لميليشيا نظام الأسد, اعتمادا على صيغة وطنية للحفاظ على الجمهورية العربية السورية, بجيش وطني حر, وعلم الاستقلال .

إن نجح قادة وأمراء الفصائل في تذليل العقبات السالفة والتوافق على المبادئ الوطنية الجامعة فالحال سيختلف, وإن ظلت الأطراف متخندقة ومختنقة بالفصائلية, فإن ما ذهبت إليه صحيفة الواشنطن بوست هو المصير المأساوي الذي ينتظر المحافظة الثائرة, وهذا ما يحاك إقليميا ودوليا.

تركي مصطفى – بلدي نيوز