أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » وصفات من أطعمة عصور الخلافة وأشربتها

وصفات من أطعمة عصور الخلافة وأشربتها

عبر تاريخ العرب كان الطعامُ مرآةً لحال المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، يفيض في زمن الرخاء فتتنوعُ أصنافهُ وتطيب نكهاته، وفي زمن الشدّة ينضبُ وينحسر إلّا مايسدّ منه الرمق.

في حين تجاوز الطعام كونه حاجةً فطرية ليصبحَ فناً تباهى به العرب وألفوا فيه كتباً تحكي أحواله وأشكالَه وتطوره، ربطاً ببيئاته ومتغيراتِها.

زخرت العصور الوسطى بمنجزاتٍ أدبية متعلقة بأصناف الأغذية والأشربة نعرّج على بعضها في الأسطر التالية.
كتاب الطبيخ: ترف الطهو في العصر العباسي

عام 623هـ/1226م ألف محمد بن حسن البغدادي (تـ.637هـ/1239م) “كتاب الطبيخ”، يشرح فيه فنون الطبيخ في العصر العباسي، حيث الترف وتقدير الطعام والتفنن به. عُرف عن خلفاء هذا العهد اهتمامهم ومتابعهتم لمطابخهم إلى جانب التأنّي في اختيار طهاتهم وأنواع الأطعمة التي يأكلون.

في كتاب الطبيخ يسرد البغدادي بلغة موسيقية رشيقة أصناف الأطعمة في العصر العباسي مقسماً إياه إلى عشرة أبواب منها: الحوامض وأنواعها، السواذج على اختلافها، القلايا والنواشف، الهرائس والتنوريات والمطجنات والبوارد، وفي ذكر السموك ومايعمل منها، والمخللات والأصباغ والمطيبات.

صفحتان من مخطوطة كتاب الطبيخ الموجودة الآن في المكتبة الوطنية في فنلندة. ومصدرها نسخة الكتاب الإنكليزية للدكتورة نوال نصر الله.

في مقدمة الكتاب يذكر الكاتب أهمية التمسك بمعايير الطبخ قائلاً “ينبغي على الطباخ أن يكون حاذقاً عارفاً بقوانين الطبخ، بصيراً بصنعته، وليختبر القدور البرم ثم من بعده الفخار، وعند الضرورة النحاس المبيض”.

ومما يميزُ كتاب الطبيخ أن بعض وصفاته لاتزال حيّة حتى الآن “الهريس، ولقم القاضي، والسمبوسة” وبعضها قد تغير اسمها إلا أن طريقة إعدادها ومكوناتها أشبه بما نعده اليوم كوصفة “الطباهجة” الشبيهة بوصفة “روستو اللحم”.

“الزيرباج” إحدى الوصفات التي تتخلل كتاب البغدادي وفي وصفها يقول “إنه من اللحم السمين، يقطع صغاراً، معه دار صيني “قرفة” وحمص مقشور وقليل من الملح، فإذا غليَ تؤخذ رغوته”.

يتابع “ثم يُطرَح عليه رطلُ خل خمر وربع رطل سكر وأوقية لوز حلو مقشر ومدقوق ناعم، يُدان بماء ورد وخل، ثم يُطرح على اللحم ويُلقى عليه كسفرة مسحوقة وفلفل ومصطكة منحولة، ثم تصبغ بالزعفران (ومن أراده ثخينا جعل مع الزغفران نشاستجا).

ويجعل في رأس القدر كف لوز مقشر مفرد بنصفين، ويُرشُّ عليها قليلٌ من ماء ورد، وتمسح جوانبها بخرقة نظيفة، وتُترك على النار حتى تهدأ، ثم تُرفع، ومن أحب أن يجعل فيها الدجاج فليأخذ دجاجة مسموطة يغسلها ويقطعها على مفاصلها. فإذا غلت القدر عليه، ألقاها على اللحم تنضج بنضجه”.

وفي فصل “السمك الطري وألوانه” يقدم البغدادي وصفات للسمك المشوي والمقلي منها وصفة “سمك مسكبج” قائلاً في “يُقطَع السمك الطري أوساطاً ويُقلى بالشريج ويُرمَى عليه كسفرة يابسة صحاحاً قدراً يسيراً، ثم يُرمَى في خلّ خمر صُبغَ بالزعفران وفيه أوراق كرفس”.

يعتبر البغدادي أنّ ملاذَ الدنيا تنقسم إلى ستة وهي “المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمشموم والمسموح. وأفضل هذه الأقسام وأهمها المأكول. إذ كان هو قوام الأبدان ومادة الحياة”.
في المغرب والأندلس: جودة الطبيخ ولذته

وفي كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس، تظهر براعة الأندلسيين في إعداد الأطباق المطبوخة والمتميزة بالجودة والطيب واللذة وقد تفوقت على موائد المشرق بتنوعها، فتأثرت بمطابخ شعوب أخرى كالفرس والصقالبة.

شمل الكتاب الذي صدر في عهد الموحدين (القرنين السادس والسابع الهجريين) وألفه مجهول، حسب تحقيق المستشرق الإسباني امبروسو ويثي ميراندا، الأصنافَ التي تحويها الموائد المغربية والأندلسية إلى جانب الوصفات الخاصة بالملوك والخلفاء، وولائم المناسبات كالأفراح والمآتم والأعياد.

في كتاب الطبيخ أيضاً نصائح وأصناف للمرضى، وأطباق لتقوية الجسد، فيقول المؤلف “وأما كل طعام غليظ بطيء الانحدار مختلف في الهضم ثقيل في المعدة، فسبيله أن يُؤكل وحده ولا يُخلط بغيره، ويقدم ولا يؤكل إلا على الجوع الشديد والشهوة القوية الصادقة، مثل الهرائس والرؤوس واللحوم البقرية السِّمان، والأرز باللبن والمجبنات والمحاشي المدسمة”.

من الوصفات التي يعرج عليها المؤلف المجهول أكلة “البلاجة” المعروفة في قرطبة ومراكش بالمغرب وفي وصفها يقول “يُؤخذ اللحم الغنمي الفتي السمين دون عظم ولا عصب، بل من قطع لحمه وشحمه ودوارته وكبده وقلبه وكرشه، ويُقطَّع كل ذلك قطعاً صغاراً جداً، ويُجعل في قدر بملح وقطعة بصلة وكزبرة يابسة وزيت ويسير مري نقيع، ويُحمَل على نار معتدلة، ويُطبَخ حتى ينضج وينزل عن النار ويصفى من مرقته ويقلى في مقلاة بزيت حتى يحمر”.

ويضيف “ويُسكبُ في طاجن ويُصبُّ عليه ما يحتاجه من دسمه ومرقته التي طُبِخ فيها، ويُفقص عليه من البيض قدْر الكفاية، ويُضاف إليه من الفلفل والكزبرة الياسبة، وبنثر على لوز مقشر مقسوم ويصبغ بالزعفران صبغاً يُرضُّ ويُضرب حتى يختلط ويُصبّ عليه زيت كثير فيه من محاح البيض ما أمكن، ويدخل في الفرن ويترك حتى يجف ويحمر أعلاه ويخرج”.

يستحضر المؤلف المجهول بعض الأكلات الأجنبية منها “المثلثة الفارسية” المعمولة من “اللحم المخمر بالخل والباذنجان، ويُضاف إليهما الفلفل والكراويا وكزبر يابس والزيت”.
وعن أحوال الخَمر والسُكر

وعن أنواع الأشربة وتراكيبها يتحدث الفقيه المصري حسن بن إبراهيم بن حسن الجبرتي (تـ.1188هـ/1774م) في كتاب حمل عنوان “الأقوال المعرّبة عن أحوال الأشربة” مستحضراً فيه أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.

يؤكد الجبرتي أن الأشربة تُتَخَذُ من أربعة “العنب والزبيب والتمر والحبوب ونحوها”، وتختلف أسماؤها، كما يخبرنا، باختلاف أحوالها، “فأسماء المُتَّخذ من العنب الخمر والباذق والمنصف والطلاه والمثلث والبختج والجمهوري واليعقوبي. وأسماء المُتخذ من الزبيب النقيع والنبيذ، وأسماء المتخذ من النخيل السَكَر والفضيخ والنبيذ، أما المتخذ من الحبوب فمنها مايعرف بالإضافة لما يستخرج منه ومنها مايكون له اسم يختص به”. 

ومما ورد في مخطوط الجبرتي، “فأما الخمر فهو اسم للتي من ماء العنب إذا غلي واشتد وقذف بالزبد وسكن عن الغليان عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد إذا غلي واشتد فهي خمر، لهما أن مخامرة العقل تحصل بالشدة والغليان”.

ويشرح لنا فيقول، “المقصود من القذف بالزبد والسكون رقتُه وصفاؤه، وهذا ليس شرطاً للحُرمة، ولهُ إنّ الغليان بقاءٌ يجيءُ من الحلاوة فيه لأن المرّ والحامض لا يغلي فلا يسمى خمراً، وفيه شيء من الحلاوة الأصلية”.

ويضيف “وأما الباذِق فهو ماطُبخ من عصير العنب أدنى طبخة إذا غلا واشتد وقُذف بالزبد. وأما المنصف فهو اسمٌ لما طُبخ من ماء العنب حتى ذهب نصفُه إذا غلا واشتد وقذف بالزبد”.

يمرّ الجبرتي على العصائر المتخذة من الحبوب وعن أحوالها يقول “وأما المتخذُ من الحبوب فهو حلالٌ وإن اشتدّ وقُذفَ بالزبد، إذا شرب منه دون القدر المسكر ويسمى بالنبيذ ويختلف باختلاف مايضاف إليه، لكن نبيذ الحنطة يُسمى بالمِزر بكسر الميم كما في المغرب، ونبيذ الشعير يسمى بالجَعد، ونبيذ الذرة يسمى بالسُكُرْكة بضم السين والكاف وسكون الراء، ونبيذ العسل يسمى بالتَبِغ”.

المصدر: رصيف 22