أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » حمزة رستناوي: قراءة في رواية ذئب الله لجهاد أبو حشيش.

حمزة رستناوي: قراءة في رواية ذئب الله لجهاد أبو حشيش.

(1)
يبدو عنوان الرواية ( ذئب الله ) مُلفتا ، يقتحم عتبات المقدس ، و للذين يعترضون على هذه الصيغ الكتابية ، لابأس هنا من التذكير بروايات منسوبة للنبي محمد يذكرها البيهقي منها على سبيل المثال ” كَانَ لَهَبُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ … “، بينما يذكر الطبري رواية أخرى تتضمن إشارة صريحة إلى كلب الله ، ” قال عتبة بن أبي لهب : كفرتُ برب النجم ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : أما تخاف أن يأكلك كلب الله ” ومشهور كذلك قصة ناقة صالح ، التي جاءت تسميتها في القرآن الكريم بناقة الله ” فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا.. ” سورة الشمس، الآية 13. أما في الكتاب المقدس ، فقد شبه الكتاب رؤساء بني إسرائيل بالذئاب الخاطفة إشارة إلى ظلمهم (حز 22: 27)، وكذلك شبّه المُعلمين الكذبة بالذئاب (مت 7: 15 واع 20: 29) وكذلك أعداء شعب الله (مت 10: 16).
(2)
رواية ( ذئب الله ) تبحث في أصل الشر ..عندما يتجسد الانسان ذئبا يفترس مخلوقات الله ..في أرض الله ! البحث عن الاصل هنا لا يأخذ منحى التضمينات الفلسفية او تأملات فكرية.. ولكن البحث هنا يأخذ شكل سيرة دراميّة تتقصّى أصل الشرّ في مثال متعيّن هو شخصيّة ( عواد الباز ) حيث تتجسّد في عالم منحاز لصالح الاله الشرير ضد ما تبقى من آلهة الخير في العالم، عالم نجده حاضرا في مصالح شركات الأسلحة الكبرى حول العالم و إشعال الصراعات و الحروب و توظيف التطرف الديني و الارهاب ، بالإضافة إلى مصالح اجتماعية قاصرة تظهر في الفاقة و الفقر و ضحايا الثأر القبلي واستخدام النساء لتسوية النزاعات القبلية (عصرية ص29- الذَّلول ص 35) بالإضافة إلى الاستغلال الجنسي للأطفال ( الطفلة منال ص 93) .. ونحوها
(3)
سيرة روائية تستخدم تقنية تسلم عُهدة الشخصية الروائية الى بطولة أخرى، كل ذلك عبر تداعي و استدعاء سلس…شخصيات تسرد قصتها و معاناتها بلسان حالها.. دونما تحكم من الراوي الكاتب.. الرواية تعجّ بالدراما و بالأبطال و الشخصيات النسائية الغير اعتيادية ، منها ما يجسّد شخصية إيجابية شهمة ( سارا العمار ص 91) و منها ما يجسّد شخصية شهوانية عانت الحرمان و الإذلال ، فأصبح المال تعويضها و مُسكّن عذاباتها ( منال العاسر – ص117)
(4)
في الرواية يحضر مفهوم الحياة بمعنى الثأرية ..أن يولد انسان لعلّة الثأر من قاتلي أبيه ( الله أخذ، الله جاب، عواد بدل عواد- هذا سداد ابني، دم بدم، و لا تعتقد أن دم أهلها كله يغني عن دم ابني – ص34) كذلك في أن تتزوج امرأة او تعاشرها فقط لإذلالها فتصبح ( الذلول ) بأل التعريف في عرف المجتمع.
(5)
تكشف الرواية وتعري علاقات السلطة والتسلط ، ليس التسلط بمفهومه السياسي ، فهذا لم تقاربه الرواية لذاته ولكن التسلط الاجتماعي ، الهيمنة و الاذلال والامتهان واستغلال الحاجة للقمة العيش.. و يبدو ذلك مركزا اوضح ما يكون في حياة السجن ( شاب في نهاية العشرينات قمحي البشرة في وجهه جرح غائر ، قيل أنه قتل ثلاث فتيات صغيرات بعد أن اغتصبهن ، و هو الآن ينام في فراش الساهي و يحكي السجناء عنها كزوج و زوجه- ص54) .. في السجن تفقد كل شيء إلا الذل، إنه الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنفاسك فلست أكثر من ” عهدة” مجرد ” عهدة” تتحرك بأمر و تصحو بأمر ، حتى أنهم لا يسمحون لك بالموت ، هنا المال وحدة يتكلم و يفسح لك الطريق – ص 125) بالإضافة إلى تفاصيل حياة شخصية عواد الباز ( ذئب الله) ، كما يظهر الجنس جليا في الرواية ..ليس بصفته مظهرا للحب ..و لكن كغريزة وحشية .. يفترس فيها الرجل الشرقي الأنثى ، بحيث يؤدي دورا مهما في هرمية السلطة و علاقات الاذلال و التسلط ، و بما يتضمن أشكالا مازوخية و سادية ..فالعلاقة الجنسية في المجتمعات الشرقية هي انعكاس لامتلاك القوة و القدرة على استباحة الضحية أو الاستمتاع بالمحظيّة، فعواد الباز الذي اعتاد على ممارسة الجنس من موقع المُفترس مع النساء العربيات ، يظهر عقب وساطته في صفقة السلاح ، مع الفتاة اليهودية سالبا ( ثم أنشبت أظافرها في كتفيه، أحس بالخدر يسري و بالنشوة تجري في عرقه، و قبل أن يرتعش أحس بأصبعها يخترق مؤخرته، فجفل ثم استكان و هو يشهق بصوت عال- ص 159)
(6)
ترصد الرواية خديعة ما يسمى بالقضايا الكبرى السياسية أمام القضايا الاجتماعية و الازمات الوجودية التي تعيشها شخصيات الرواية ضمن افرازات القضايا الكبرى! حيث يتم تلقين الفتى عواد المُلتحق بمعسكر الفدائيين الاجابات (- لماذا تريد أن تنضم إلى صفوف الفدائيين؟ – لأقاتل اليهود. قالها بسرعة وهو يبتلع ريقه ، تخوف أن ينسى ، فقد ظل سيف يرددها له طوال الطريق – ص25) في الرواية تظهر غريزة امتلاك السلطة في اقصى درجاتها و في اشكال صراعية مختلفة اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا.. وكأنها – أي السلطة – هي الهيولي تتشكل في اشكال فدائية ، برجوازية ، اسلاموية ، مافيوية ، عقائدية أيديولوجية ، حيث يرد على لسان تاليا ( إن البشر الذين اخترعوا الخرافات كانوا يتوقون إلى السلطة و لا شيء سواها ، الكلمات المنمقة و الأفكار العظيمة التي تتحدث عن البطولة و التضحية ليست إلا اكسسوارات خادعة لتجميل فكرة التسلط – ص11 )
(7)
تعري و ترصد الرواية الصلات المشبوهة و الدور الأداتي الذي تلعبه السلفية الجهادية …والانتكاس المجتمعي باتجاه الأسلمة في العقدين الأخيرين ( هل أصبح أبو بكر من هؤلاء؟ كيف؟ ألم يكن ماركسيا، لا، لا، لم أعد أفهم شيئا – ص132. كذلك عواد الباز المتهتك سابقا المتأسلم حديثا أصبح يخاطب زوجته: على الأقل حين تخرجين البسي ملابس محتشمة و فاضلة، و هذا يرضي الله، و إن رضي الله عنك، فسأرضى و هذا يعنى الكثير من الخير و الهدايا- ص150)
(8)
تظهر الشخصية اليهودية الوحيدة في الرواية (تاليا ) بشكل نمطي متوافق مع صورة اليهودية في الرواية و الخطاب العربي بشكل عام ، كجميلة، ماكرة ، شبقة ، برغماتية ، تحوك أو جزء من نسيج مؤامرة ما.. تُحاك من وراء الكواليس.
(9)
بالوقوف عند رمزية خصاء ابن عواد الباز ( ذئب الله ) في التفجير الارهابي، قد نجده بصيص أمل في أن ذئب الله… الأب الداشر الشرير في برية عباده… لن يُخلِّف ولدا يدشر مرة أخرى ، أو نجده في الاحالة الى فرضية الانتقام الالهي أو مقولة ” كما تُدين تُدان “.
_
ذئب الله – رواية- جهاد أبو حشيش- دار فضاءات – عمان 2017

المصدر: الحوار المتمدن