أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » فريد ياغي يكتب حكاية المرحوم جده باسلوب سلس جميل

فريد ياغي يكتب حكاية المرحوم جده باسلوب سلس جميل

لقد كان جدّي بسيطاً إلى درجة أنّه لم يقم بكتابة سيرة ذاتية و لم يقدّم CV طوال حياته
لذلك سألخص حياة هذا الرجل في بضعة جمل أرجو أن تقرأوها فهي و إن لم تكن تهمّ البعض إلّا أنّها أنموذج عن حياة رجل بسيط نقي طاهر السريرة:
الاسم الثلاثي: عدنان حسين فخر الدين الملقب بالنمر
الميلاد: 1940 و لا يعرف إلى أي شهر ينتمي كان يقول مازحاً حين يسأل عن برجه (برج النمر) (لأنو ما حدا بيقدر يقرب على الأسد بهالبلد)
تصنيفه: طبقة البؤساء الذين أتعبتهم الحياة
هذا الرجل البسيط يتيم الأب كان قويّ البنية بشكل ملفت للنظر فقد عوّده أبوه على حمل عجل صغير في صغره و كبرت قوته مع هذا العجل إلى أن أصبح قادراً على حمل ثور إلى السطح كان يعشق الطبيعة، و الزراعة، و الحيوانات، البرية كما نقول في دمشق
و لكنّ عائلته عائلة دمشقية مدنية لا تمتلك الأراضي فبدأ يعمل بضمان الأراضي و يحب النوم في البساتين في يوم ما قتل أمام عيني أفعى منظرها و حجمها يكفي ليغمى على أيّ منكم كان يلقّب بالنمر لأنّه رشيق و قوي كالنمر لا يهاب أحداً (إيدو و الكف) و لكن إذا أعتدي عليه، تشاجر على عيني أكثر من مرة و كانت ضربة واحدة كافية لوقوع الخصم أرضاً أو هربه، حمل أمام عيني خزنة حديد بوزن 400 كغ على ظهره
حلم في حياته ثلاثة أحلام فشل في تحقيق جميعها
الحلم الأوّل: حلم الدراسة الذي ارتطم بواقع اليتم و كونه الابن البكر
الحلم الثاني: حلمه في بيت أهله بعد توزيع الميراث فقام بدفع ثمن الحصص إلّا حصّة تمّت المماطلة بها ثم اجتمع الجميع على صرف البيت عنه و أعادوا له المال نفسه و لكن بعد 15 عام إي بعد انخفاض قيمة العملة و لأنّه طيب إلى حدّ غير مقبول وافق
الحلم الثالث: حلم دفعة السيارات الشاحنة التي وعدت الحكومة بها سنة 1978 حيث دفع 34 ألف أي سعر بيت كبير في دمشق و بقي رهين الانتظار حتّى عام 2001 حيث أعيدت المبالغ بالليرة السورية بسعر 3 كيلو لحم مخصوماً منها الضرائب و الرسوم
كما ترون هذا الرجل رهين مشكلة تبدّل قيمة العملة
حتّى آخر عمره بقي يشتم أقاربه الذين ضحكوا عليه و الحكومة
إلّا أنّه كان يخاف و يستدرك حين يشعر بالشطح و يبدأ يصرخ بصوت عالٍ ليسمع الجيران
الحكومة ما في منها كلشي عنا شو بدنا أحسن من هالحكومة
كنت أضحك و أقول له (شبك غيرت رأيك) فيجيبني (ولك سكوت سكوت هلأ مننشحط)
حين توقف عن ضمان الأراضي حدد نفسه بأعمال بسيطة و أصبح يزرع حديقة بيته التي حولها لمزرعة فتارة يريد تربية الدجاج و تارة يحضر حمارة و يقول أنّه يخطط لتعمير غرفة في الحديقة و يريد الاعتماد عليها لزق البلوك و تارة يحضر طلي خاروف صغير و يقول أنّه دخل قلبه
و كل هذه المحاولات كانت تبوء بالفشل بعد ضغط جدتي أطال الله عمرها إذ أنّه ليس من المنطقي تربية حمار أو غنم أو دجاج في بيت في دمشق
و لكنّه كان يحافظ على عناده في بعض الأحيان فيفرض أمر واقع لا يغيره إلّا ضغط عائلي كبير
بعد أن فقد الأمل بتربية الحيوانات بدأ يجمع الكراكيب و هذه القصة طريفة
حيث أنّه شغل غرفة من غرف المنزل بالكراكيب و بدأ يفكر كيف سيبيع الكراكيب و يجني ثروة طائلة يورثها لأبنائه
و لكنّ أحلام اليقظة انتهت نهاية أولدمان في فيلم العرض الأفضل حين دخل مع كركوبة جديدة فوجد أنّ جدتي (وهي محقّة) قامت بالتخلص من هذه الكراكيب بأجرة حمولتها عن طريق عامل التنظيفات
و هنا سقط جدي على ركبتيه و هو يصرخ (الله لا يوفقكم خربتو بيتي)
أظنّ أنّ أحلامه بعد هذا اليوم صارت تقتصر على كأس شاي و وجبة طعام
مغامراته شيّقة فالنمر كان كثير العراك مع من يعترض طريقه من الزعار كما أنّه كان يشتم عبد الناصر الذي أراد إرغامه للاتحاق بالخدمة العسكرية إلّا أنّ النمر قضى وقت خدمته فراري فهو لا يريد لأحد أن يأسر حريته
هذا الفراري نفسه الذي راح بكل ما أوتي من شموخ و عز لحرب 1967 ليحارب و قد كان على سلاح المدفعية
خسر الحرب و نزل اسمه مع الشهداء إلّا أنّه عاد ليكمل شقاءه في هذه الدنيا
مأساة ال67 مضحكة جدّاً حين يحكيها جدي
أذكر أنّه حدثني عن هذا الانتصار المبهدل ما يزيد عن 1300 مرة و في كل مرة كان يضيف جديداً و في كل مرة كانت قهقهاتي تملأ آفاق دمشق
نعم قصة النكسة بلسانه قمة بالسخرية و الضحك
جدّي البرّي كان يهوى الثياب الخفيفة
محاولاتي و محاولات أمّي و خالاتي بشراء بيجامة جديدة تليق به كانت تبوء بالفشل
كل شيء كان يرمى بالخزانة و يبقى على بنطال أقرب للشروال و كنزة خفيفة يضاف لها كنزة صوفية شتاءً و طاقية شامية على الرأس
إلّا أنّني حين كنت أصطحبه لصناعة بدلة أسنان كان يلبس طقم العرس لكي (يبيض وجهي) مع أصدقائي الحكما لأنّ الطبيب كان صديقي
طقم العرس الذي أصبح أكبر من قياس جدي بكثير
و حين انتهينا من صناعة البدلة رماها جدي في سلة المهملات بعد يومين
و كان تعليله (ما بعرف يا جدي حاسس في شي بتمي)
طبعاً بدو يكون في شي بتمك يا جدي وين متوقعو يكون مثلاً ؟؟
كان يقول يا رب لا تسلط علينا حاكم ولا حكيم لذلك كان يرفض زيارة الطبيب و يطرد الطبيب الذي نحضره إلى البيت
حتّى أنّ طبيب الأسنان الذي قلع له أضراسه فشل في إقناعه بإبرة مخدّر لأنّه يكرهها فكان يقول (شلاع الضرس عالصاحي و إذا تحركت عميل الي بدك ياه) و هكذا كان كان الضرس بشروشه الضاربة يقلع على الصاحي
هذا هو عدنان النمر الرجل الشجاع
كانت نهايته مؤلمة
نهاية رجل شجاع
شجاع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع