أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » حيّ الكرنتينا في بيروت: حي “الغرباء”

حيّ الكرنتينا في بيروت: حي “الغرباء”

عندما كنت طالباً جامعياً يحاول الوصول إلى الجامعة في بيروت، تلخصت كل معرفتي بحي الكرنتينا فيما رأيته من نافذة سيارتي خلال قيادتي في شوارعها كي أهرب من الزحام الخانق على أوتوستراد إميل لحود السريع، الممتد من مخرج طريق البحر حتى فوروم دو بيروت.

في ذلك الوقت، كانت رحلتي في شوارع الكرنتينا توصلني إلى نصب المهاجرين اللبنانيين إلى المكسيك، مروراً بالمرفأ ومتفادياً الزحام المروري. لا بد أنني أخذت هذا الطريق ألف مرة، وربما أكثر، لكنني لن أخدعكم وأقول إنني كنت أعلم حقاً ما يحويه حي الكرنتينا وتاريخه.

بعد بضع سنوات حملت معها صحوات سياسية، وجدت نفسي في الكرنتينا مرة أخرى مع صديق لي من أجل شراء بعض المنصات الخشبية، قيل لنا إن بالإمكان العثور عليها هناك بسعر زهيد.

يقع حي الكرنتينا جنوب مرفأ بيروت، على الضفة الغربية لنهر بيروت، وتملأه  معدات الموانئ والشحن، والشاحنات المهجورة، وما إلى ذلك. كنا قد اشترينا ما جئنا من أجله، وحملناه في سيارة الجيب، وبدأنا نتحرك ببطء عندما لاحظت شيئاً بغير محله في الحي.

أحدهم كتب كلمة “درعا” باللون الأسود على جدران ما بدا وكأنه مرآب قديم، في البداية لم أفهم لماذا كُتب اسم المدينة السورية الجنوبية التي أطلقت شرارة الثورة السورية والأزمة التي لحقتها، على جدار أحد المباني القديمة المتهالكة على حواف بيروت.

بدت الكلمة في غير محلها. ترجلت من السيارة، والتقطت صورة للجدار، ثم لمعرفة المزيد، اتجهت إلى متجر قريب وتحدثت إلى المالك، الذي كان سورياً، كما كان جميع من هم في المخزن.

تحدثنا عن هذا وذاك، ثم أدركت أن المنطقة بأكملها تضم اللاجئين السوريين الذين نزحوا بسبب الصراع. كانوا تقريباً في الخفاء. على ناصية شارع آخر في الكرنتينا، تجد أيضاً باللون الأسود على الجدران شعارات تدين حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله الذي كان مشاركاً في الصراع السوري ومؤيداً للرئيس السوري بشار الأسد.

بدا أن الشيء الوحيد الذي كان في غير محله هنا هو عدم معرفتي بتاريخ المكان.

الكرنتينا ليست بغريبة على اللاجئين، في عام 1915، هرباً من الاضطهاد والإبادة الجماعية على يد القوات العثمانية. استقر الناجون الأرمن على أطراف شرق بيروت تحت المرفأ، حيث تم عزلهم في خيام مؤقتة، وبالتالي سمي المكان بالكرنتينا (La Quarantaine – Karantina) بمعنى “الحَجْرُ”.

كانت الأرض تتكون في معظمها من الأهوار، ويقطن فيها عدد قليل من السكان البدو، وشُيّد فيها مسلخ لا يزال بإمكاننا العثور عليه هناك حتى اليوم، ولكن تم نقله إلى الضفة الشرقية لنهر بيروت.

ثم وصلت موجة ثانية من الأرمن إلى ضفاف الكرنتينا عام 1922 كجزء من معاهدة أنقرة التي نصت على أن السلطات الفرنسية ستتخلى عن سيطرتها على قيليقية لتركيا مقابل موافقتها على السيطرة الفرنسية على سوريا الكبرى.

كان لهؤلاء اللاجئين مؤيدون أقوياء مثل الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية وعصبة الأمم، وبمساعدة من السلطات اللبنانية، سرعان ما حصلوا على حقوق المواطنة كاملة، وانتقلوا في العشرينات وأوائل الثلاثينيات من القرن المنصرم إلى سكن دائم أكثر استقراراً في شرق نهر بيروت في منطقة تسمى برج حمود، المركز الحديث للثقافة الأرمنية في لبنان.

وفي عام 1933، اندلع حريق دمر آخر الوحدات السكنية المتبقية في الكرنتينا.

لم يمضِ الكثير من الوقت قبل أن ينتقل سكان جدد إلى المنطقة. في عام 1948، مع إعلان دولة إسرائيل، تم نفي آلاف الفلسطينيين، الذين نزحوا قسراً من فلسطين نتيجة للنكبة التي تلت الإعلان.

انتقل الكثير منهم شمالاً باتجاه لبنان، وأقاموا مستوطنات متعددة للاجئين. وقد أنشئت إحدى تلك المستوطنات في الكرنتينا، التي توسعت بين عامي 1948 و1975 لتصبح من بين أكثر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أهمية في البلاد.

ومع ذلك، لم يلقَ هؤلاء اللاجئون ترحيباً مماثلاً من مضيفينهم اللبنانيين. فعلى الرغم من استثناءات قليلة، تم منعهم في معظم الأحيان من الحصول على حقوق المواطنة، وكانوا محصورين في المخيمات.

ثم اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975 واشتدت التوترات بين المسيحيين الموارنة والميليشيات الفلسطينية ووصلت الحرب إلى أعتاب المخيم. وفي 18 يناير 1976، اجتاحت ميليشيات القوات المسيحية والجبهة اللبنانية المخيم، مما أدى إلى مذبحة راح ضحيتها أكثر من 1500 من السكان، بعضهم من اللبنانيين المسلمين.

وقال داني شمعون أحد قادة الميليشيات في ذلك اليوم، وهو ابن الرئيس اللبناني السابق كميل شمعون، إن قواته كانت ببساطة تحاول استعادة ممتلكات خاصة، وإن اللاجئين كانوا معتدين على تلك الممتلكات ويعرضون القيمة الاقتصادية للأرض للخطر.

وفي مقابلة أُجريت معه بعد ذلك، نفى شمعون حدوث المجزرة قائلاً بلكنته البريطانية الراقية الرخيمة وببرود مخيف: “لقد كانت عملية عسكرية موجزة جداً، مُنح اللاجئون خلالها مخرجاً حراً ووسائل للانتفال إلى الخارج. ما جعلها تبدو قاسية هو أننا قد أزلنا العشوائيات. هذه الأراضي ملكية خاصة، والآن يمكن استخدامها للتنمية. نحن نحتاج بشدة إلى الأرض، وأنا على يقين من أن الناس سوف تستخدمها من أجل التنمية السليمة”.

ردت الفصائل الفلسطينية المسلحة في وقت لاحق على مذبحة الكرنتينا بارتكاب مجزرة في بلدة الدامور المسيحية.

بعد 40 عاماً من المجازر، لا تزال الكرنتينا تجذب اللاجئين، وهذه المرة السوريين، الذين استقروا فيها مطلع عام 2013 كجزء من التحركات الجماعية الأولى للسوريين الفارين من الصراع في وطنهم.

وقد تلقوا إلى حد كبير المعاملة نفسها التي تلقاها الفلسطينيون بدلاً من المعاملة التي تلقاها الأرمن من قبل اللبنانيين. وعلى الرغم من مرور أربعة عقود، فإن السردية السائدة عن اللاجئين السوريين تشبه إلى حد كبير السردية التي سادت عن الفلسطينيين عام 1976.

ومنذ أن انتقل اللاجئون السوريون إلى لبنان، اختار السياسيون وأصحاب المصلحة عدم إظهار أي ردة فعل أو وضع أي خطة للطوارئ، وهم في الوقت نفسه يشحنون الأجواء بالكلام الجاهز والتعليقات المثيرة عن وجود اللاجئين الذي يعرض فكرة الهوية اللبنانية الهشة وثباتها للخطر.
إن الإحساس بثقل التاريخ في الكرنتينا لا نظير له سوى سخف إنكار المجتمع اللبناني لما حدث هناك أو حتى وجوده

يقولون إن هؤلاء اللاجئين يعيشون على الأراضي اللبنانية، ويستهلكون الموارد اللبنانية، وبالكاد يساهمون في المجتمع اللبناني، وأنهم يتجاوزون على كرم المضيفين. بل يهتف البعض أنهم عبء وقنبلة موقوتة يجب التعامل معها عاجلاً وليس آجلاً، وإلا فلن يتبقى شيء من لبنان أو اللبنانيين.

ومع كل ذلك لم يفعلوا شيئاً واستقروا على تلك الإستراتيجية المدهشة التي تقضي على تجاهل المشكلة حتى تختفي بأعجوبة.

كل هذا النقد اللاذع كان من شأنه أن يؤدي إلى شكل من أشكال العمل الملموس. اليوم لدينا بلدات لبنانية تفرض حظر التجول على جميع السوريين المقيمين داخل حدودها، وتمنعهم من التنقل بحرية، وبين الحين والآخر، ترى على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو جديداً يظهر لبنانيين وهم يضايقون أو يضربون أحد اللاجئين السوريين، ثم نعلم أن مخيمات اللاجئين في البقاع تندلع بها النيران بطريقة غامضة مما يجبر سكانها اليائسين على مواجهة ظروف أكثر خطورة.

وصف شوقي عازوري، وهو صحفي لبناني، الكرنتينا بأنها “مدينة الغرباء”. استقبل الحي خلال القرن الماضي عدداً لا يحصى من أولئك الذين فروا من الأذى والاضطهاد، ثم وقف شاهداً على الرعب الذي واجهه من هربوا على يد مجتمع يعترض بلا هوادة على مواجهة ماضيه أو التساؤل عن أسس هويته.

إن الإحساس بثقل التاريخ في الكرنتينا لا نظير له سوى سخف إنكار المجتمع اللبناني لما حدث هناك أو حتى وجوده.

قال الكاتب والروائي الأمريكي جيمس بالدوين مرة إن التاريخ ليس محض ذخائر غير شخصية من الأحداث يؤرشفها المرء ثم يستشهد بها للمتعة، بل هو قوة، مثل الجاذبية، دائماً حولنا وتتجلى داخلنا.

يربطنا التاريخ ويتشبث بنا، وإن لم نكن على استعداد لوضع ماضينا بالحسبان وإعادة إستكشاف أنفسنا داخله، ققد نجد قريباً التاريخ يطرق بابنا. وحتى ذلك الحين، لا يسعني إلا أن أتمنى أن يظل سكان الكرنتينا الحاليون في الخفاء.

المصدر: رصيف 22