أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » “انتفاضة البكيني” تواجه الإسلاميين على شواطئ الجزائر

“انتفاضة البكيني” تواجه الإسلاميين على شواطئ الجزائر

لم تكن تعلم سارة، ابنة الـ 27 ربيعاً أن فكرتها العفوية التي أرادت من خلالها التمكن من ارتداء البكيني على شاطئ مدينة عنابة شمال شرق الجزائر دون خوف أو مضايقات، ستقلب الجزائر رأساً على عقب، وستعيد هذا البلد إلى صدارة عناوين الصحف والمواقع الغربية، لا سيما الفرنسية، بعد هدوء طويل جعل من الجزائر في أسفل الاهتمامات الإعلامية.

تشهد “انتفاضة البكيني” التي انطلقت من مواقع التواصل الاجتماعي، توسعاً كبيراً وغير متوقع في الجزائر. فبعد شهر من تنظيم أول “خروج جماعي” لفتيات وسيدات يرتدين البكيني في 5 يوليو الماضي، على شاطئ مدينة عنابة ضمت 50 مُشارِكة فقط، اهتزت الجزائر بهذه المبادرة الجريئة، وتعددت “الخروجات الجماعية” المنظمة بعد ذلك، لتغزو الفكرة غالبية المدن الشاطئية، وتتأسس مبادرات محلية في كل مدينة، تتولى تنظيم خروجات مماثلة، مع ازدياد عدد المشاركات فيها، ليصل العدد في إحدى المجموعات على فيسبوك، التي تنظم المبادرة، إلى أكثر من 5000 سيدة.
البكيني رمز لمقاومة “أسلمة” الجزائر

بدأت الأزمة منذ نهاية رمضان الماضي، مع تبني مجموعات إسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي خطاباً يستهدف السيدات اللواتي يرتدين البكيني. فحثت هذه المجموعات متابعيها والمتعاطفين، على التقاط صور من يرتدين البكيني، ونشرها على مواقع التواصل من أجل “فضحهن” والتشهير بهن.

تشرح لينا كنوش، الباحثة الجزائرية والحاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، لرصيف 22: “فعلياً، هناك تصاعد في الأيديولوجيات الرجعية في المجتمع، المدفوعة بتنامي برجوازية إسلامية، التي تفرض شيئاً فشيئاً معاييرها بفضل قوتها الاقتصادية”.

تترحم بعض السيدات على الأعوام السابقة “للعشرية السوداء” الدموية بين الجيش والإسلاميين في الجزائر، حينما كان ارتداء السيدة للبكيني أو أي لباس استحمام آخر من الأمور العادية التي لم ينظر إليه كمشكلة.

تقول وردة، المسؤولة عن النشاطات الثقافية في العاصمة الجزائرية: “هناك أسلمة في كل مكان، حين كنت مراهقة، لم يشكل المايوه أي مشكلة، لكن الحرب الأهلية الجزائرية تركت إرثها هنا”. وتضيف الشابة الثلاثينية، التي شاركت مرتين في خروجات جماعية للسيدات تحت مسمى “انتفاضة البكيني”، في تصريحات لموقع “فرانس أنفو” الفرنسي: “الإسلاميون لم يصلوا إلى السلطة، لكن المجتمع تأسلم. خلال العامين الآخرين، ليس هناك أريحية في الذهاب إلى الشاطئ، أحياناً أجد نفسي الوحيدة التي ترتدي البكيني، بعد أن كنا الغالبية”.

مع تنامي هذه الدعوات، أصبح “الرأس سكيني” الحل الذي لجأت إليه بعض الجزائريات للهروب من الكاميرات التي تطاردهن. فكما ذكر في الإعلام، أن غطاء الوجه المأخوذ من الصينيات، أصبح الملاذ لبعض الجزائريات. وتعلل إحداهن الأمر في تصريحات للصحيفة، بالخوف من أن تُلتقط لها صور دون علمها وهي ترتدي لباس البحر، وتنشر عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، في حين ترتديه أخريات للوقاية من أشعة الشمس، بحسب كلامهن.

غير هؤلاء السيدات اللواتي اخترن الهروب إلى الرأس سكيني، اختارت أخريات فكرة المواجهة كحل، إذ أحزنهن اختفاء البكيني من الشواطئ الجزائرية. للوهلة الأولى تبدو الفكرة غريبة، فبدلاً من أن يخشين الكاميرا التي تبحث عنهن لالتقاط صورة وفضحهن على مواقع التواصل الاجتماعي، لماذا لا تصبح المرتديات للبكيني كثيرات فتتحطم فكرة التشهير والفضح أمام ضخامة العدد؟

وعلى الرغم من أن البكيني مسموح به في الجزائر، فإن الكثير من الناشطات يشجبن اختفاءه عن الأنظار على الشواطئ خلال الأعوام الأخيرة، ومنهن سارة مُطلقة الدعوة.

سارة: الحصان الأسود

بدأت هذه الرياح اللطيفة تهب في مدينة عنابة، البالغ عدد سكانها 260 ألفاً، لتصيغ من جديد زي النساء على الشواطئ وترجع البكيني ضمن الملابس التي تلامسها مياه البحر المتوسط شمال الجزائر، والفضل يعود في ذلك إلى فتاة عشرينية قررت التمرد والبحث عن الحرية المفقودة للنساء على الشواطئ.

يذكرها الجميع بهذا الاسم من دون التأكد من أن هذا الاسم حقيقي أو مستعار، لكن المؤكد حقاً أنها خلف إطلاق هذه الحملة. فعلى الرغم من أن سارة لم تستهدف التصدي لـ “كاميرات” الإسلاميين، إنما إيجاد تجمع مع سيدات يشاركنها اللبس نفسه، يحميها من التحرش وعيون المتلصصين، إلا أن الأهداف تقاطعت مع تطلعات الأخريات اللواتي ينظمن مذاك خروجات على الشواطئ بشمال البلاد.

في نهاية يونيو الماضي، جلست سارة على شاطئ مدينة عنابة، الذي تذهب إليه كعادتها مع الأسرة، تتخيل العواقب التي ستواجهها إذا نزعت ملابسها لتنزل إلى البحر بالبكيني، متأملةً الشاطئ، الذي أصبح محروماً من مايوه ذي القطعتين. فخوفها من التعرض لاعتداء لفظي أو جسدي من الموجودين على الشاطئ، أجبرها على البقاء في ملابسها التي جاءت بها، بينما تفكر كيف أن قوانين المجتمع باتت أقوى من قوانين الدولة نفسها.

وحين عادت إلى المنزل، قررت سارة أن تجري محاولة ربما تساعدها في تحقيق طموحها بالظهور يوماً بالبكيني على الشاطئ. فقامت بإنشاء مجموعة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم خروجات في جماعات، بالمايوه. في البداية دعت سارة من تعرفهن فقط، ولكن شيئاً فشيئاً اتسعت المجموعة.

تشرح سارة لصحيفة “بروفانسيال” الجزائرية: “الهدف ليس إثارة ضجة أو تصدر الإعلام، إنما تغيير المجتمع بعمق وبلطف”، قبل أن تستدرك: “وهذا لن يحدث إلا بأن يعتاد الآلاف من الناظرين رؤية ما يتم اعتباره محظوراً”.

تقول هاميلا، التي هي من سكان مدينة عنابة: ” تكمن الفكرة في أن يكون العدد كبيراً. الآن يمكن لأي سيدة أن تعلن على مجموعة فيسبوك أنها ستذهب إلى الشاطئ في وقت ما وفي مكان ما، ثم تنتشر الرسالة بشكل واسع، وهناك الكثيرات اللواتي يستجبن إلى دعوتها ويحضرن في المكان والوقت المعلن عنهما”.

تبين ليليا، التي شاركت في أحد الخروجات بالبكيني: “في البداية لم آخذ هذه المبادرة على محمل الجد. شاركت في أحد الخروجات التي تم تنظيمها على شاطئ عام في عنابة، ومر ذلك بشكل جيد. كان هناك رجال ينظرون إلينا، لم يكونوا معتادين ذلك لكنهم لم ينطقوا بكلمة، ربما لأننا كنا كثيرات”. ووفقاً لها، وصل العدد في هذا اليوم إلى 150 سيدة.
جدل في الجزائر

تلفت الباحثة كنوش إلى أن الرسالة الرئيسية التي رفعتها هذه الحملة هي الحريات الفردية، فهن نساء يرغبن في أن يكون لديهن الحق في ارتداء ما يردن دون أن يتعرضن للتحرش. ولكن سريعاً أخذت لوناً سياسياً مناهضاً للإسلاميين. مشيرةً إلى أن هؤلاء الفتيات أردن التصدي للخطاب المعادي “للمايوه” الذي تشهده الجزائر خلال الفترة الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الانتفاضة لاقت دعماً كبيراً من الصحف الغربية خارج الجزائر، فإنها لم تعجب الجميع داخل البلد. فاشتعلت المواجهة على مواقع التواصل الاجتماعي بين التيار المحافظ وبين هؤلاء الناشطات، اللواتي يرفعن راية الدفاع عن الحريات الفردية في ارتداء البكيني على الشاطئ.

فعلى مواقع التواصل، يمكن قراءة تعليقات مثل “أستحم بحجابي وأترك العري للحيوانات”، و”أين آبائهن؟” و”فتيات عاهرات”.

أضحى “غروب سارة” بمثابة الشعلة الأولى، وانطلق بعده العديد من المجموعات السرية التي تنظم مثل هذه الخروجات، وقد وصل عدد أعضاء إحدى هذه المجموعات إلى 5248 حتى 3 أغسطس الماضي، بحسب موقع “فرانس تي في أنفو” الفرنسي، موضحاً أن عدداً كبيراً من المناصرات للبوركيني هم أيضاً منتسبات إلى المجموعة، ويشجعن الناشطات على الاستمرار.

نسوية جزائرية صاعدة؟

في الوقت الذي ترى سارا شلال، مسؤولة البعثة للجزائر عن الشراكة الأورومتوسطية “يوروميد”، أن هناك انطباعاً بأن المجتمعات المغاربية تتراجع، فإن هذه المجتمعات تحقق تقدماً، لا سيما في وضع المرأة، والشاهد على ذلك هذه المبادرة، إلا أن لينا كنوش ترى أن النسوية الجزائرية تعيش انحرافاً كبيراً عن مبادئها. وتقول: “إستراتيجيات الكفاح لتحرير السيدات داخل المجتمع الجزائري ليكون لها تأثير حقيقي لا ينبغي أن يتم توجيهها نحو معارك جانبية لا تخدم إلا فئة محدودة من السيدات اللواتي يكافحن فقط من أجل حرياتهن الفردية، في حين أنهن عاجزات عن رؤية المجتمع بنظرة شاملة”.

وتضيف: “هذه القضايا الفردية تقسم النسوية الجزائرية، التي من بينها نسوية إسلامية لديها هي الأخرى أهداف مثل الكفاح ضد التمييز، ويطالبن بالمساوة بين الجنسين”.

واختتمت كنوش بالقول إن المخاوف حيال ارتداء البكيني لا تنتاب سوى السيدات المنتميات إلى وسط اجتماعي ثري. وبالتالي فإن تلخيص النسوية في مسألة تتعلق بحريات فردية وفئوية وتفريغ هذه النسوية من كل محتواها الاجتماعي، يعكس المأساة التي تعيشها في الوقت الحالي.

المصدر: رصيف 22