أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » مخاطر المضاربة على العملات الافتراضية

مخاطر المضاربة على العملات الافتراضية

لم تعد الأرباح الخيالية التي تحققها العملات الافتراضية، حديث الأسواق فحسب، ولكنها تداعب أحلام الراغبين في الثراء السريع، فهي من وجهة نظر الشباب والمضاربين تحقق أرباحا خيالية تفوق أي نشاط مالي أو اقتصادي حقيقي.

فحسب الأرقام المنشورة أخيرا، حققت إحدى هذه العملات وهي “بيتكوين” زيادة في سعرها بنسبة تزيد عن 400% مقارنة بما كانت عليه قيمتها مع بداية عام 2017، أي أن من باع ما لديه من عملة “بيتكوين” اليوم حقق أرباحا خيالية، فسعر العملة الواحدة من “بيتكوين” بلغ 5103 دولارات.

كثير من الشباب يسأل الآن عن هذا الباب السحري، وكيفية الوصول إليه والمبلغ المطلوب للاستثمار، البعض يتحدث عن أن أصدقاء لهم تزوجوا من عوائد المضاربة بالعملات الافتراضية، وآخرون تركوا عملهم وتفرغوا الآن للتعامل في هذه السوق، والبعض الآخر يتعامل مع الأمر بحذر، حيث يتوجه ببعض مدخراته للمضاربة مع الاحتفاظ بمصدر دخله من تجارة أو وظيفة.

ولكن شريحة المغامرين موجودة وبنسب ليست بالقليلة، ولمسنا سلوك هذه الشريحة من قبل في اكتتابات البورصات العربية، حيث تم بيع الذهب والبيوت أو تصفية الشركات من أجل المضاربة في البورصة، ثم خسارة كل شيء مع انهيار البورصات. ومع الفقاعات المنتظرة للعملات الافتراضية سنكتشف مآسي المضاربين، وبخاصة في دولنا النامية.

“بيتكوين” ليست العملة الوحيدة، ولكنها أشهرها وأسبقها في النشأة والمضاربات، فهناك أنواع أخرى تصل لنحو 60 عملة افتراضية، مثل: إيثريوم، ولايت كوين، وريبيل. والحصول على هذه العملات يتم عبر برامج حاسوبية واستخدام معادلات رياضية معينة، وتسمى هذه العملية بالتعدين، فبعد اجتياز المعادلات الرياضية، يكون لك عدد معين من الوحدات النقدية الافتراضية، أو أن تتجه لشراء عملات من السوق وهذا الأكثر استعمالا الآن في ضوء اشتعال سوق المضاربة.

والعملات الافتراضية أتت خارج نطاق سيطرة البنوك المركزية على إصدار العملات، ولكن نظراً لما تحمله من مخاطر سارعت بعض الدول للسيطرة عليها من خلال السماح بالتعامل بها، وتقييمها بعملتها، كما حدث في ألمانيا وكندا.

وفي أسواق المضاربة يتم تقييم العملات الافتراضية بالدولار الأميركي، وفي إطار تحوطات بعض الدول من مخاطر المضاربة على هذه العملات، أعلنت روسيا أخيرا أنها ستنشئ عملات افتراضية خاصة بها.

وإذا كانت ألمانيا وكندا قد سبقتا في الاعتراف بالعملات الافتراضية، فإن باقي البنوك المركزية تترقب هذه العملات وأسواقها. وفي اجتماعات الربيع الماضية لكل من البنك وصندوق النقد الدوليين، عقدت جلسات خاصة بهذه العملات وكيفية التعامل والسيطرة على مخاطرها.

وسيكون لسوق المضاربة على العملات الافتراضية مروجون يلبسونها ثوب النشاط الاقتصادي الحقيقي، عبر الحديث عن تطور حجمها، وارتفاع أسعارها، وتنوع إصداراتها، والتركيز على كثرة الحديث عنها عبر وسائل الإعلام، حتى يهيئون الأفراد نفسياً للتعامل والقبول بهذه العملات.

لكن يجب التساؤل حول كم ستضيف هذه العملات لإنتاج السلع والخدمات، وكم ستخلق من فرص عمل، وعن أي شيء تعبر، فالذهب والفضة معادن لها قيمتها، كما أن باقي أنواع النقود لها غطاء لدى البنوك المركزية، بينما يتعامل الأفراد الآن مع وهم اسمه العملات الافتراضية.

مخاطر المضاربة

وتتزايد التساؤلات حول مخاطر المضاربة بهذه العملات على الاقتصاد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام.

ـ على ما يبدو فإن الدول والشعوب لم تتعلم من الأزمة المالية العالمية 2008 شئ، فالمضاربات هي قاسمة ظهور الاقتصاد، فالأصل أن يسخر المال للاستثمار، وإنتاج ما ينفع الناس، وبخاصة أن لدينا من لا يجد قوت يومه، وإحصاءات الفقراء تحت خط الفقر بحجم إنفاق 1.25 دولار في اليوم تصل إلى قرابة المليار إنسان على مستوى العالم.

ـ انصراف الناس عن الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، والذي يوفر السلع والخدمات الحقيقية، إلى المضاربة على العملات الافتراضية، ويزيد من معدلات البطالة، ويعطل دورة رأس المال، ويوجد لدى الشباب المزيد من الفراغ، ووصول الرغبة في الحصول على الثراء السريع إلى مرحلة الجموح، وعدم الرضا بأي فرصة عمل أو دخل أقل من الأرباح الخيالية التي قد تسمح بها المضاربة على العملات الافتراضية.

ـ بالمعايير الاقتصادية فهذه العملات ليست مخزن للقيمة ولا مقياس للثروة ولا أداة للتداول، فهي مقومة بالعملات الطبيعة الأخرى من دولار، أو يورو، أو الين، وغيرها من العملات المتعارف عليها والملموسة، وإن كان مؤخرا اتخذت خطوة لإصدار ملموس من “البيتكوين”، بحيث يتم التعامل “كاش” بعملة البتكوين.

ـ نحن أمام دوامة جديدة من المجهول الذي يؤدي إلى إهدار ثروات الناس، فصعود قيمة هذه العملات غير طبيعي، فأي نشاط اقتصادي أو أي عملة يمكن أن يرتفع قيمته أكثر من 400% خلال 8 أشهر؟ فكما مر الاقتصاد العالمي بفقاعات البورصات والبيع الشبكي وغيرها، ينتظر أن تأتينا فقعة جديدة من بوابة العملات الافتراضية، وبخاصة مع كثرة الإقبال على المضاربات في هذه العملات. وعلى سبيل المثال فقد انهارت عملة “اثيريوم” في 22 يونيو 2017 من 319 دولار إلى 13 دولار، وفُسر ذلك بموجات بيعية كبيرة، ويتوقع البعض أن تكون فقاعة “بيتكوين” خلال الأيام القادمة أكبر مما حدث في “اثيريوم”.

ـ ستكون المضاربة على العملات الافتراضية، البوابة الكبيرة لعمليات غسل الأموال، ومن المرجح أن تدفع الدول النامية فاتورة هذه الجريمة، حيث أنها تفتقد للمتابعات الفنية اللازمة لتتبع الأموال، ومن السهل الدخول بعوائد العملات الافتراضية والمضاربة عليها للأسواق الحقيقية في الدول النامية، لتكون الأموال القذرة قد تم غسلها عبر المضاربة في العملات الافتراضية، وتدخل أسواق الدول النامية على أنها أموال شرعية.

ـ وليس بمستغرب أن نرى نشاط خاص تقوم به بعض المؤسسات أو الشركات، لاستغلال جهود بعض الشباب الذي يمتلك مهارات التكنولوجيا المؤهلة لعمليات التعدين الخاصة بهذه العملات، وبيعها للغير، مما يعد إهدار ثروات باقي الأفراد الذين يعملون في باقي قطاعات النشاط الاقتصادي الحقيقي.

ولن يقف حاجز سماح بعض الأشخاص المتحكمين في عملية الإصدار بحد معين لعمليات التعدين، فسيكون الأمر بابا واسعا لابتزاز الآخرين، والمزيد من عمليات المضاربة.

حب المال فطرة إنسانية، ولكن هذه الفطرة تحتاج إلى ضوابط وحدود، وإلا تحولت إلى طمع يذهب بما يتوفر للانسان من ثروة، ولذلك يفرق علماء الإدارة بين المخاطرة والمغامرة، فالمخاطرة تعتمد على البحث والدراسة، بينما المغامرة تعتمد على الحدس والتخمين، والمضاربون بلا شك هم مغامرون بالدرجة الأولى، وسيدفعون ثمن التورط في المضاربة على هذه العملات من مدخراتهم وثرواتهم.

المصدر: العربي الجديد – عبد الحافظ الصاوي