أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » جديد فيروز بين “حرّاس الأيقونة” وذكوريي زياد الرحباني

جديد فيروز بين “حرّاس الأيقونة” وذكوريي زياد الرحباني

في الحادي والعشرين من شهر سبتمبر الحالي تصدر أسطوانة فيروز الجديدة بعنوان ”ببالي“.

أثار هذا العمل ومنذ الإعلان عنه أزمة أعادت طرح أسئلة قديمة حول مدى تمسك فيروز بزمام مسيرتها ،وتأثير ولديها زياد وريما بقراراتها الفنية، إضافة لانقسام الرأي العام بين متحسرين على ماضي تعاون زياد الرحباني وفيروز، وبين مدافعين شرسين عن ”حاملة الشعلة“ ريما الرحباني.

هذه الأسطوانة هي أحدث مجموعة أغانٍ لفيروز بعد أسطوانة ”إيه في أمل“، وأول إنتاجات ريما الرحباني التي عرفها الجمهور كمديرة أعمال ومخرجة حفلات فيروز المصورة منذ التسعينيات.

يحمل العمل إمضاء إبنة فيروز وعاصي الرحباني معدةً ومترجمةً لكلمات الأغاني ومنتجةً للأسطوانة التي تحتوي 10 أغنيات مترجمة للمحكية اللبنانية، تسجلها فيروز بصوتها بعد أن غناها آخرون بلغات أخرى, أمثال فرانك سيناترا، باربرا سترايسند، جون لينون، وغيرهم.
“شغلة لذيذة” تصبح أسطوانة بعد 12 سنة

تشيد قائمة الأغاني وأسماء المساهمين في إنتاجها بأصل هذه الأسطوانة العائد لشباط 2005، أي عندما أحيت فيروز حفلتين في مدينة مونتريال الكندية وأصدرت أسطوانة اقتصر بيعها على جمهور هاتين الحفلتين.

حملت الأسطوانة أغنية منفردة جديدة بصوت فيروز اسمها “بيتي الصغير بكندا” وهي “Ma cabane au Canada” بتعريب ريما الرحباني، سجلتها فيروز في مونتريال بإدارة مايسترو وموسيقيين من الأوركسترا المرافقة لها في الحفلتين الكنديتين.

سنة 2008، صرحت ريما الرحباني بأن عملية إنتاج هذه الأغنية أخذت يوماً واحداً فقط، تقول: “كتبت هذه الأغنية في ظروف غامضة جداً، (تضحك): ”إنو هلق بدنا نعمل هاي، خلص بدها تحضر هاي“. كنا بالغربة وأنا أصلاً لم أكن أعرف الأغنية، طلعتها عن الإنترنت… كانت كثير لذيذة الشغلة كيف صارت… بنهار واحد فقط عملناها”. هذه الأغنية حلت في خاتمة أسطوانة “ببالي”.

إذن، فمشروع هذه الأسطوانة الذي رأى بدايته في كندا قبل 12 سنة تبلور اليوم بعد القطيعة التي حلت بين زياد الرحباني وفيروز. لأول مرة منذ عام 1995 تكسر فيروز حصرية تعاونها الموسيقي مع زياد الرحباني وتطل بعمل جديد مثقل بالتساؤلات.

ربما كانت عملية إنتاج “بيتي الصغير بكندا” بالفعل “شغلة لذيذة” كما قالت ريما، لكن القلق حقيقي من أن تكون أسطوانة “ببالي” قد أنتجت بالحرص نفسه  و”الظروف الغامضة” نفسها التي صاحبت إنتاج أولى أغنيات هذا الألبوم، ناهيك بالترجمة التي صيرت الكلمات الأصلية طفولية ركيكة.
لحظة ريما الرحباني أو “البلاغ رقم واحد”

إن مقاطع الفيديو التشويقية التي رفعتها ريما الرحباني على صفحتها الخاصة على فيسبوك قبيل الإعلان عن أسطوانة فيروز الجديدة يجب ألا تمر أمام الأبصار والأسماع مرور الكرام، لأنها تحمل دلالات لا يستهان بها.

فهذه المقاطع – على الرغم من تدني جودتها وتشويهها بالختم أو “الووترمارك” القبيح الذي يتوسط كافة مقاطع الفيديو التي ترفعها ريما على الإنترنت “حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية” – لا توصف بأقل من السوريالية لسببين.

أولاً: رفع ريما الرحباني لهذه المقاطع المصورة على صفحتها الشخصية على فيسبوك هو دليل آخر على سعيها للتأكيد أن كل ما يخص فيروز يجب أن يصدر منها هي فقط حتى ولو بصفتها الشخصية كابنة، في خلط معتاد – ربما مقصود هذه المرة – بين الشخصي والمهني في علاقتها مع فيروز.

ثانياً: ريما التي لم يتعود الجمهور على رؤيتها داخل نفس الإطار مع فيروز باستثناء بضعة مقاطع فيديو وصور من التدريبات للحفلات، لم تعد مجرد موثقة للعمل هذه المرة بل “مؤلفته” ومنتجته. اليوم، وبعد أن ثبتت القطيعة بين فيروز وزياد الرحباني – الذي ربما نسي أن يذكر نبوخذ نصر وهولاكو ضمن قائمة الطغاة الذين ادعى أن فيروز معجبة بهم – كان لا بد من إيجاد من يسد الفراغ. في رابع فيديو تشويقي، تظهر ريما داخل الاستوديو بجانب فيروز وهي تعطيها التوجيهات خلال عملية التسجيل.

ظهور ريما الرحباني في هذا الفيديو يشبه بشكل كوميدي – سوداوي ظهور أحد قادة الجيش وهو يتلو “البلاغ رقم واحد” على شاشات التلفزيون لإعلان حكم عسكري وانقلاب على ما يسمى “الشرعية”.

في الماضي غير البعيد كان زياد الرحباني الشخص الوحيد الذي بالإمكان مشاهدته بجانب فيروز داخل استوديو تسجيل، أما اليوم وقد قطعت السبل لأي صلح بينه وبين فيروز وريما، فقد حلت الأخيرة محله في مقطع الفيديو المذكور، وكأنها تقول بوضوح شديد: لا شرعية لزياد الرحباني بعد اليوم، ولا مكان له بجانب فيروز… حتى في الاستوديو!

النجدة، إنهم يقامرون بالأسطورة

في الحادي والعشرين من شهر حزيران الماضي صدرت أول أغنية منفردة من أسطوانة “ببالي” بعنوان “لمين”. تبعت صدور الأغنية حرب “إعلامية” عنيفة تشبه جميع الحملات التي رافقت صدور كل عمل لفيروز منذ انفصالها عن الأخوين رحباني في 1979.

“نيرون مات، ولم تمت روما”، مات الأخوان رحباني وأصدقاؤهم في “الصحافة الفنية” أمثال جورج إبراهيم الخوري، ومحمد بديع سربيه وحبيب مجاعص، لكن أبت أن تموت طرائقهم في النيل والتنكيل بفيروز لسبب أو دونما سبب.

جاء الهجوم أشد ضراوة هذه المرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكن المضمون لم يتغير البتة.

الكليشيهات ذاتها تلاحق فيروز كظلها كلما أطلت بعمل جديد من أيام “البوسطة” حتى اليوم: “أحدهم يحاول النيل من فيروز: مريمنا عذرائنا، قهوة صباحنا، عمود بعلبكنا، أرزة لبناننا، رمزنا أسطورتنا، وأياً كان ذاك، عليه أن يدفع الثمن!”.

ليس مستغرباً أن معظم من يكررون هذا النداء لا يعرفون من إنتاج فيروز سوى “الوطني” المغرق في الشوفينية، أو اليوطوبي المغرق في السذاجة (على نسق”كلوا تبولة، ادبكوا وغنوا عتابا وسيتوقف العنف وتحل كل النزاعات“).

ذلك أن هؤلاء قد فاتهم أن التجديد صفة ملاصقة لفن فيروز منذ انطلاقتها في خمسينيات القرن الماضي، وبأن الروح الجديدة التي ظلت فيروز تبعثها في الأغنية العربية أكسبتها الكثير من العداوات والهجمات التدميرية، التي لو اختارت الرضوخ لها لالتزمت منزلها من عقود ولم تغنِ إطلاقاً.

من جهة أخرى، على هؤلاء أن يعرفوا أخيراً أن فيروز هي الآمر الناهي وصاحبة القرار والكلمة الفصل في مسيرتها الفنية، على الأقل فيما يخص اختيارها للأغنيات.

ربما يصعب على هذه الفكرة أن تتبلور في ذهن من ربط فيروز لعقود بصورة المرأة الخجول “الصامتة” الخاضعة لسلطة رجلين يتمتعان بقدر كبير من النفوذ والكاريزما.

فيروز نفسها لم تنكر تحكم عاصي الرحباني الكلي في حياتها الفنية، إلا أن الأمور تبدلت منذ أن هجرت فيروز دولة الرحباني ومضت بطريقها تصنع لنفسها خطوطاً جديدة وشراكات موسيقية جديدة مع فيلمون وهبي، رياض السنباطي، زكي ناصيف، وزياد الرحباني.

إلا أن الهجوم الأقبح جاء هذه المرة من مناصري زياد الرحباني الذكور(يين) ممن دبت بهم الحمية لاستبعاد “رفيقهم” من مشروع فيروز الجديد الذي تديره شقيقته الأقل شعبية وموهبة.

كما المتوقع، جاءت تعليقات هؤلاء تنضح بذكورية ليست مستغربة من كثر في اليسار العربي، ترجمها وسم قوم شوف اختك شو عاملة يا زياد الذي انطلق على فيسبوك يذيل منشورات الغاضبين من “عملة” ريما الرحباني الأخيرة.

أما وقد بلغت فيروز الـ83 ولا تزال تعمل بعطاء وشغف، فيحق لهذه المرأة أن تغني ما يحلو لها، حتى وإن قررت ذات يوم أن تغني بأعلى صوت “عالسكين يا بطيخ”

ربما نسي مناصرو زياد أن هذا الأخير مشى بخطى واثقة نحو الاستبعاد الكلي من حياة فيروز بعد ”معمعته“ الإعلامية التدميرية التي ابتدأت بتصريحه الشهير عن فيروز وحسن نصرالله، ولم تنته عند تهديده لفيروز وريما الرحباني باللجوء للقضاء إن لم ينل حقوقه من مقاطع الفيديو التي تنشرها ريما على حسابي فيروز الرسميين على فيسبوك ويوتيوب، في استعراض مكرور للعضلات القانونية، الذي يبدو أن معظم أبناء عاصي ومنصور الرحباني قد امتهنوه، أولاً ضد فيروز وثانياً ضد بعضهم البعض.

يجب أيضاً التذكير بأن المقارنة بين إنتاج زياد وريما الرحباني أشبه بالمقارنة بين “مديح الظل العالي” و”بيسي بيسي نو”، لذلك فيجب تجنبها لما تحمله من ظلم لطرفي المعادلة وخيبة أمل لمن يقوم بهكذا مقارنة.

صدرت إلى اليوم 4 أغنيات منفردة من أسطوانة “ببالي” تتفاوت في جودة الكلمات والتوزيع، استقبلها معظم الجمهور تارة بحنق وتارة بفتور، إلا أن الحقيقة الساطعة ههنا هي صوت فيروز الذي انساب من هذه الأغنيات عذباً معتّقاً لم تزده السنون إلا سحراً.

لكن من يدري، ربما تحمل الأسطوانة حين صدورها بعضاً من المفاجآت السارة الكفيلة بإرضاء طرفي الجمهور ومن لم يستطع التماهي في أي من الفريقين. ”اسمعوها مرتين بتصيروا تحبوها“، هكذا ردت فيروز على منتقدي جديدها مع زياد الرحباني سنة 1987 (فيروز في أميركا، مجلة الحوادث، 1987/5/22).

نعم، فلنعطِ هذا العمل فرصة، فإن لم يكن ضمن المستوى فإرث فيروز الفني باقٍ، نستمع له دون ملل. أما وقد بلغت فيروز الثالثة والثمانين ولا تزال تعمل بعطاء وشغف، فيحق لهذه المرأة أن تغني ما يحلو لها، حتى وإن قررت ذات يوم أن تغني بأعلى صوت “عالسكين يا بطيخ”!

المصدر: رصيف 22