أخبار عاجلة
الرئيسية » سينما وتلفزيون » يوم قاطع العرب صوفيا لورين وشارل أزنافور

يوم قاطع العرب صوفيا لورين وشارل أزنافور

شغلت قضية زياد دويري العامة والخاصة في لبنان، وباتت حديث البلد والناس. انقسمت الآراء بين مؤيدين للمخرج الشاب بإسم “حرية التعبير”، وبين آخرين يتهمونه بالتطبيع الثقافي مع اسرائيل. شهد العالم العربي في الماضي القريب قضايا مشابهة دخلت اليوم في النسيان، وهذه القضايا لا تماثل قضية دويري بالتأكيد، وأبطالها في الدرجة الأولى نجوم أوروبيون اتهموا بمناصرة إسرائيل بشكل أو بآخر.

جاء شارل أزنافور إلى لبنان في نهاية العام 1967، وأحيا حفلتين في بيروت. وعند حضوره، أثيرت قضية مقاطعة أغانيه بسبب أغنية “يوراشالايم” التي وضعها وغنّاها قبل عامين، وحظرت كل الدول العربية بثّها. عقدت مجلة “الأسبوع العربي” يومها، اجتماعات مع النجم الفرنسي، ومع نديم حلاق رئيس مكتب مقاطعة اسرائيل في لبنان، وخرجت بتحقيق شرح فيه أزنافور قضية هذه الأغنية وظروف كتابتها، مبعداً عن نفسه تهمة الدعاية لإسرائيل. عدّد نديم حلاق شروط مقاطعة الفنانين الأجانب، وقال إنها تتم في حال انضمامهم إلى إحدى المنظمات الصهيونية، كما انها تصيب كل من ثبت بأدلة مقنعة تكرار تبرعه لصالح دولة اسرائيل او لهيئات صهيونية، وتطرّق إلى قضية صوفيا لورين التي قاطعتها الدول العربية ومنعت أفلامها زهاء ثلاث سنوات، موضحاً: “صوفيا لورين مثلاً، قالت بأنها لم تكن نعرف ان اشتراكها في فيلم “جوديت” يخالف مبادئ المقاطعة، وأن عملها في الفيلم كان بدافع مادي فقط، وأظهرت استعدادها للاشتراك في فيلم عربي، وأعلنت توبتها، فرُفع الحظر عن أفلامها”.

في ما يشبه المساءلة، توجّه نديم حلاق بالكلام مباشرة إلى أزنافور، وقال له: “لماذا غنّيت الأغنية؟”، فصعد إلى غرفته في الفندق، وعاد بنص “يوراشالايم”، وقرأ كلماتها، وقال إنها تتحدث بالدرجة الأولى عن مدينة وقفت حاجزاً بين حبيبين، وهذه المدينة هي القدس المسيحية لا اليهودية، كما يُستدلّ بالكلمات التي تذكر جراحات المسيح، ولهذا لم تقابل الأوساط اليهودية هذه الأغنية بالكثير من الارتياح. عاد المطرب إلى الوراء، وأكّد بأنه كتب هذه الأغنية لفيلم سينمائي لم يُنفّذ، وهذا الفيلم يتحدّث عن سائح كاثوليكي أُجبر على مغادرة إسرائيل، وحالت الظروف دون زواجه من حبيبته اليهودية التي بقيت في هذه البلاد، ورأى أن هذه الأغنية “ليس فيها لا من قريب ولا من بعيد دعاية لاسرائيل”. وسأله نديم حلاق لماذا اختار “يوراشالايم” عنواناً للأغنية، فردّ: “استعنت بالتعبير التوراتي لأن له وقعاً على الأذن أكثر من الاسم الفرنسي جيروزاليم”، وأضاف: “أنا مستعد أن أحمّل أغنياتي كلمات عربية اذا وجدت الكلمات او التعابير التي تنسجم مع الأغنية والنص الفرنسي من دون ايذائه”.

واصل أزنافور الدفاع عن نفسه، وقال: “لست فناناً ملتزماً، أنا فنان متحرر، أغني للحب، للطفولة، للوحدة، للمرارة، للحنين”. وأضاف: “أنا مستعد ان أغني أغنياتي بالعربية، إذا وجدت من ينقلها بالروح نفسها والتعبير، تماماً كما غنيت بالإيطالية والاسبانية”. وتابع حلاق التحقيق معه، فسأله: “قيل أنّك عقدت زواجاً دينياً في اسرائيل، فماذا تقول؟”، فأجاب: “تزوجت بروتستانتية في الكنيسة الأرمنية، بحسب الطقس الغريغوري”. في الختام، قال رئيس مكتب مقاطعة اسرائيل في لبنان مستفسراً: “لقد اشتركت في مظاهرات تأييداً لاسرائيل أو تبرّعت بمبالغ طائلة لها؟”. فأنتفض المغنّي وردّ: “أني اتحدّى أياً كان أن يكون رآني أتظاهر في الشارع. اتتصوّرني أنا أزنافور أتظاهر في الشارع؟ كما أني لم أتبرّع يوماً. أنا لم أقم يوماً بنشاط سياسي. وأكرّر: لست ملتزماً، أنا فنان وكفى”.

في الواقع، جاءت قضية أغنية أزنافور بعد قضية أغنية أداها المغني سلفاتور آدامو “انشالله”، وبسبب هذه الأغنية، قوطع آدامو وسجّل اسمه في القائمة السوداء في العالم العربي. ولدت هذه الأغنية العام 1966، وتبنتها اسرائيل في حرب 1967 حيث رددها جيشها وجعل منها نشيده. أعاد المغني تسجيلها في مرحلة لاحقة، وبدّل كلماتها في 1993، فذكر اسم فلسطين إلى جانب اسم اسرائيل، كما استبدل عبارة “ستة ملايين من الأرواح” بعبارة “ملايين الأرواح”، وختمها بـ”كفى دماً، سلام، شالوم”. ثم عاد ووضع أغنية جديدة حول هذا “الشرق المتألّم”، وفيها تمنى أن يرى “أبناء ألله” و”أبناء يهوه” يعيشون في سلام وأخوة.

ذكر نديم حلاق في مداخلته قضية صوفيا لورين، وفي آب/أغسطس 1968، احتلت صورة هذه النجمة غلاف “ملحق النهار” مرافقة بعبارة “العرب يغفرون لها”، وظهر عمر الشريف في هذه الصورة حاضناً بيديه وجه صوفيا في مشهد من فيلم دينو ريزي “كان يا ما كان” الذي أُنجز في هذه الفترة. التقى سمير نصري بصوفيا صدفة في روما، وأجرى حديثاً سريعاً معها نقله في تحقيق تناول قضيتها. بحسب ما جاء في هذا التحقيق، اتخذت مكاتب المقاطعة العربية قراراً برفع اسم صوفيا لورين من اللائحة السوداء والسماح بأفلامها، وذلك بعد توصية اقترحها مندوب مكتب المقاطعة في القاهرة. وقبل تبنّي هذا القرار رسمياً، سمحت القاهرة بعرض فيلم شارلي شابلن “كونتيسة هونغ كونغ”، وذلك “لأجل قيمته الفنية الخارقة التي من المؤسف حرمان الشعب اياها”. وبهذا الفيلم، عادت صوفيا إلى مصر بعد مرور ثلاث سنوات لم يُعرض خلالها فيلم واحد تظهر فيه الممثلة الإيطالية في البلدان العربية، باستثناء بلاد المغرب حيث المقاطعة كانت شبه مرفوضة. واستعدت صالات السينما لعرض 13 فيلماً مثّلت فيها لورين خلال فترة منعها، وقد اتّضح خلال هذه الفترة عدم قيام النجمة الإيطالية بأي نشاط عدائي للعرب بعد تمثيلها فيلم “جوديت” المأخوذ عن قصة لورنس داريل، وقد لعبت في هذا الفيلم دور يهودية تلجأ إلى إسرائيل، وتُغرم هناك بقائد من الجيش الإسرائيلي، وتلتقي بضابط انكليزي يُغرم بها.

تحدّث سمير نصري إلى صوفيا لورين، وسألها عن رأيها في المنع الذي أصاب أفلامها في البلدان العربية، فكان جوابها: “آه تلك الحكاية، ما رأيي فيها؟ وماذا تريدني أن يكون رأيي؟ وكل ذلك لأي سبب؟ هل لأجل كوني مثّلت “جوديت” وعملت في اسرائيل؟ فأية علاقة لي في المسائل السياسية؟ هل تظن أنني أرفض إذا عُرض عليّ دور جيد لامرأة عربية؟ هل أرفضه بحجة ان لي أصدقاء يهوداً؟ إنني ممثلة وحسب. ولماذا تريدونني، بأي ثمن، أن أتدخّل في السياسة؟ انني أظن أن العرب كانوا مجحفين بحقي. ولست أريد أن أكون جافة، لكن مجرد وجود اسمي على اللائحة السوداء الشهيرة، لن يمنعني من الاستمرار في التمثيل. إلا انني لا أفهم لماذا. وأخيراً ما جدوى الكلام؟ فذلك لن يكون نافعاً بشيء. إن كل ما آمله هو أن ينتهي الخلاف ذات يوم. اننا نعيش على كرة هي من الصغر بحيث لا تتسع لهذا القدر من الحقد”.

شهد العالم العربي العديد من القضايا المشابهة في المرحلة التي تلت هزيمة 1967، ومنها قضية عمر الشريف العام 1968، كما شهد قضايا أخرى بعد توقيع معاهدة “كامب ديفيد” العام 1979، ومنها قضية صباح العام 1980، وآخر هذه القضايا قضية زياد دويري التي كشفت ضياع البوصلة، وضرورة تحديد شروط الحظر والمنع في زمننا الحاضر. مع التأكيد بأن دويري أخطأ حين صور فيلمه “الصدمة” في إسرائيل.

almodon