أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » نصري شمس الدين الذي لا نعرفه مع مجموعة كبيرة نادرة لصوره

نصري شمس الدين الذي لا نعرفه مع مجموعة كبيرة نادرة لصوره

عاد نصري شمس الدين إلى الواجهة هذا الصيف من خلال أمسيتين غنائيتين. في منتصف شهر تموز-يوليو، قدم الأخوة مروان وغدي وأسامة رحباني على خشبة مهرجانات بيبلوس الدولية حفلاً حمل عنوان”نصري وفيلمون في البال”، وفي نهاية الشهر الماضي، احتفلت بلدة جون بالذكرى التسعين لميلاد ابنها الراحل، ونظّمت مهرجانا أحيته الاوركسترا الشرقية اللبنانية بقيادة أندريه الحاج.
بدايات نصري شمس الدين تبقى مجهولة إلى اليوم. في سنوات الشباب الأولى، بدأ الشاب الآتي من جون، مشواره في عالم الغناء في موطنه، وغادر إلى مصر العام 1949 حاملاً معه عقداً من شركة “نحاس فيلم” للظهور في السينما، لكن هذا العقد لم ينفّذ، وبعد عامين ونيف في القاهرة، عاد إلى موطنه ليشق طريقه في ميدان العمل الإذاعي، ودخل محطة “الشرق الأدنى” حيث التقى بالأخوين رحباني، وبدأ بالعمل معهما في الكورس. في هذه المحطة، شرع عاصي ومنصور في تقديم اسكتشات “سبع ومخول وبوفارس”، وأسندا إليه دور “نصري بو دربكة” الذي صنع شهرته الأولى.

عمل عاصي ومنصور في هذه الفترة المبكرة من مسيرتهما مع العديد من الأصوات، منها وديع الصافي وصابر الصفح وميشال بريدي وحسن عبد النبي وسعيد الناشف وعفيف رضوان، وكان نصري أحد هذه الأصوات التي رافقت فيروز في أعمالها الإذاعية الأولى التي لا يعرفها الجمهور العريض. جمع الأخوان رحباني نصري مع فيروز في لوحة “كاسر مزراب العين” المحفوظة في ارشيف إذاعة دمشق، كما جمعاه مع نجاح سلام في تحفتهما “ساعات الهوى” التي سُجلت في صيف 1955، إثر عودتهما من رحلة مصر.

بعد توقف “محطة الشرق الأدنى” إثر الاعتداء الثلاثي على مصر العام 1956، سعى مديرها الفني إلى مواصلة الخط الذي شقّه من خلال عمله هذه الإذاعة، وأنشأ مع ثري فلسطيني يُدعى بديع بولس “الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية”، ووقّع عقوداً مع الفنانين الذين عمل معهم من قبل، وكان نصري واحداً من هؤلاء الفنانين. شكّل نتاج هذه الشركة الجديدة استمرارية لنتاج محطة الشرق الأدنى، واللافت انه أُنجز في الاستوديو نفسه الذي شغلته من قبل المحطة التابعة للإذاعة البريطانية. في هذا السياق، غنّى نصري العديد من الألحان التي وضعها أبرز العاملين في هذه الشركة، وعلى رأسهم الأخوان رحباني وفيلمون وهبي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف ومحمد محسن، وكان احد المطربين الذين خصّهم عاصي ومنصور بعدد كبير من أعمالهم، كما في النصف الأول من الخمسينيات. وأغلب هذه الأعمال ما زال مجهولاً، بسبب عدم طبعها على اسطوانات، ومنها من غناء نصري “تفتا هندي”، “عالأوف مشعل”، “على مهلك”، “يا حلوة”، “بتمش شوي”، “نشيد العلا”، و”ذكريات المجد”.

خرج صبري الشريف من العالم الإذاعي إلى عالم المهرجانات العام 1957، حين أسندت إليه لجنة “مهرجانات بعلبك الدولية” مهمة تقديم “مهرجان الفن الشعبي” مع الأخوين رحباني وتوفيق الباشا وزكي ناصيف، وشارك نصري شمس الدين في هذا المهرجان إلى جانب فيروز. نجحت التجربة، وتكرّرت في العام 1959، وتوطّدت علاقة نصري بالأخوين رحباني بشكل وثيق بعد قيامها بإنشاء “الفرقة الشعبية” بإدارة صبري الشريف. هكذا “تخلّى” عاصي ومنصور عن صابر الصفح وميشال بريدي وحسن عبد النبي وسعيد الناشف، وارتبطا بنصري شمس الدين، بينما ظل تعاونهما مع وديع محدوداً. في شهادة نقلها هنري زغيب في كتابه “طريق النحل”، عاد منصور الرحباني إلى هذه الحقبة، وقال: “كان يتمتع بكفاءات فنية نادرة لا تُعوّض، أبرزها غناؤه على المسرح بعظمة وهيبة، أمام أوركسترا تعزف نوطات أخرى يفرضها التوزيع، فيما هو يستمر في غنائه مسلطنا بثبات وثقة، لا يضيع، بينما الكثيرون يضيعون في موقف صعب كهذا”.

تحوّل نصري إلى عنصر ثابت في المسيرة الرحبانية منذ مطلع الستينات، فلعب تباعاً دور الشيخ فارس في “موسم العز”، ثم الناطور في “البعلبكية”، وشيخ المشايخ في “جسر القمر”، والحارس في “الليل والقنديل”، والمختار في “بياع الخواتم”، وفهد العابور في “دواليب الهوى”. ووصل إلى القمة عام 1966 حيث جسّد دور الأمير في “أيام فخر الدين”، ثم تُوّج في العام التالي على عرش مدينة سيلينا في “هالة والملك”.

لم يحتكر الأخوان رحباني نتاج نصري شمس الدين. كما في السابق، واصل المطرب العمل مع أغلب الملحنين اللبنانية، كما خاض تجربة التلحين لنفسه، أسوة بالكثير من زملائه، لكنه لم يحقق اي نجاح يُذكر. على سبيل المثال لا الحصر، في حوار أُجري معه العام 1962، يقول نصري إنه سجّل خلال أسبوعين لحساب “الاتحاد الغني” تسع عشرة أغنية من تلحين محمد محسن وعفيف رضوان سمير مجدي سامي الصيداوي، كتب كلمات معظمها عبد الجليل وهبي وميشال طعمة. وتضم مكتبة الإذاعة اللبنانية مجموعة كبيرة من الأغاني تفوق بعددها تلك التي حملت توقيع الأخوين رحباني، كما نقع على اسطوانات له تحوي اغنيات مثل “محسوبك درويش” من كلمات عبد الجليل وهبي وألحان فيلمون وهبي، “السنديانة” من كلمات اسعد السبعلي وسمير مجدي، و”وين بدك وين نتلاقى” من كلمات توفيق بركات وألحان جورج تابت، غير أن هذه الأغاني لم تعرف النجاح الذي عرفته ألحان الأخوين رحباني.

سجّل نصري محاورتين غنائيتين مع صباح من تأليف رشيد الكيلاني وألحان جميل العاص، “لمين اشكي همومي” و”على دلعونا”، كما غنّى من ألحان زكي ناصيف وكلماته “ما أهولى بدالك يا هنا وما ريد لك الا الهنا”، و”بقطفلك وردة حمرا يا أهلا وسهلا بهالعين”، وأحيا حفلات في بيت الدين، كما جال في أفريقيا وأميركا، لكنه لم يلمع إلا مع الأخوين رحباني، وعندما سألته مجلة “الشبكة” العام 1965 ان كان مِلكاً لهذا الثنائي الاستثنائي، أجاب: “مع احترامي لكافة الزملاء، أفخر جدا بالتعاون مع الأخوين رحباني، فقد استطاعا أن يفهماني أكثر من سواهما. ومنذ عشر سنوات حتى الآن وأنا أتعاون معهما ومع فيلمون وهبي، فإذا بنتيجة هذا التعاون مثمرة جدا، وناجحة، وهذا النجاح أدّى إلى الاستمرار، ولا أعتبر في القضية ملكية، بل فيها تعاون وإلى أقصى حدود”.

استمر هذا التعاون المثمر بعد “هالة والملك”، وظهر نصري في كل المسرحيات والمهرجانات التي أحياها الأخوان رحباني، من “الشخص” إلى “ميس الريم”، مرورا بـ”جبال الصوان”، “يعيش يعيش”، “صح النوم”، “ناس من ورق”، “ناطورة المفاتيح”، “المحطة” و”لولو”، كما شارك في الأفلام السينمائية الثلاث التي قامت ببطولتها فيروز. قيل في نهاية السبعينيات أن الأخوين رحباني لم يعطياه الاهتمام الذي يستحقّه، فردّ موضحا: “انهما، أحيانا، لا يسندان إليّ الدور الذي يناسبني ويناسب تاريخي الطويل معهما، ومع ذلك كنت أرضى لمحبّتي بالمسرح الغنائي وبالسيدة فيروز وبجمهوري، وبالمستوى الجميل الذي كان يلازم أعمالهما الفنية والمسرحية. وكنت أحب أن تنجح المسرحية قبل أن أنجح أنا”.

طوال هذه المسيرة، ظلّ نصري يعمل في تجارة الزيت والزيتون التي ورثها عن أبيه في قريته جون، ونسج الأخوان رحباني له من وحي هذا العمل أهزوجة غناها في “ناس من ورق” باتت اليوم اشبة ببطاقة تعريفية به: “جون، جون بلدي جون، جون بتعطيك زيت وزيتون، الله عالزيت والزيتون، هالله هالله يا جون، بلد الحبايب هالله يا جون، وأنا مسوكر نايب، ربينا بفياتك، قطفنا زيتوناتك، وهلق بدي إترشح وترشيحي مضمون”.

 

فيديو يحتوي اغلب اغاني المرحوم نصري مع مجموعة كبيرة نادرة لصوره

almodon