أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي فوزي مهنا: الفساد في سورية الراحل عصام الزعيم والخطوط الحمراء

المحامي فوزي مهنا: الفساد في سورية الراحل عصام الزعيم والخطوط الحمراء

يقول المفكر الفرنسي “الكسي دوتوكفيل” إن أسوأ لحظات الحكومات الفاسدة، هو لحظة قيامها بالإصلاحات.
في صيف عام ١٩٩٨ قام الراحل عصام الزعيم، بإلقاء محاضرة في المركز الثقافي في السويداء، بعنوان “أهمية التخطيط والتنظيم في حياة الدول” وهو الدكتور والخبير المتخصص بالعلوم الإدارية والاقتصادية، أربعة عقود أمضاها، واصلاً ليله بنهاره، وهو يتنقل كالنحلة بين الجامعات الغربية ومعاهد الأبحاث فيها، ليستجمع رحيق العلوم منها، قبل أن يتم استدعائه على وجه السرعة إلى وطنه سورية، لإيجاد العلاج اللازم لما يواجهه الاقتصاد السوري، من روتين وفساد، وتجنيبه من مغبة الانهيار والسقوط.
تحدّث لنا الزعيم بمحاضرته عن المهمة الإسعافية التي قدم لأجلها، بتكليف من رأس السلطة بالذات، والتي كان الهدف منها وضع خطة الإصلاح والتطوير المناسبة، قال الزعيم: “أنه بعد أن قمنا بإعداد الخطة المطلوبة، وأوضحنا مراحل تنفيذها، لما من شأنه البدء بعملية الإصلاح والنهوض، عُرِضت الخطة على رأس السلطة فتبنّاها، عندما تم البدء بالتنفيذ، وجدنا أن هناك خطوطاً حمراء “سقفاً في هيكلية السلطة لا يمكن المساس به أو اختراقه” وهو ما أكّد عليه تماما صديقه الشاعر شوقي بغدادي، مُعقباً على ذلك بنفس المحاضرة.
أذكر عندها أننا صفقنا للمذكورَين بحماس وحرارة شديدين لصراحتهما وجرأتهما، وتجرعنا على أثرها الغصّات، قبل أن ينتقل بنا صديقنا الدكتور فندي أبو فخر إلى مكتبه في المركز الثقافي، لنستمع من الزعيم والبغدادي لمزيد من صراحتهما، ولتتفاقم لدينا أكثر مزيداً من تلك الغصات.

دارت الأيام فتشكّلت حكومة جديدة، في عهد الأسد الأب، أُسند للزعيم فيها وزارة التخطيط، ثم بعدها تسلّم وزارة الصناعة، في عهد الأسد الابن، عمل المذكور خلالها بكل تفانٍ ودأب وإخلاص، لخدمة وطنه الذي أحبه وعشقه، مصرا على تنفيذ ما آمن به وما جاء لأجله، حتى سميت وزارته من دون منازع بالوزارة التي لا تنام.
كان من المشكوك فيه أن تتمكن هذه القامة الوطنية الكبيرة من شق طريقها بسهولة، في ظل تلك الخطوط الحمراء والمنزلقات الخطيرة، التي تمنع الاقتراب منها ذئاب السلطة ومافيات الفساد، بل كان من المؤكد أن تلك الخطوط ستغرقها في وحول فسادها.
رغم ذلك تابع الرجل مهمته دون كلل أو ملل، لم يمضِ بعض الوقت حتى قامت تلك الذئاب، باتهامه بالفساد وهدر المال العام، بسبب موافقته على الإفراج عن مستحقات مالية تعود لشركة ألمانية، كانت بصدد مساومتها لاقتسام تلك المستحقات فيما بينها، فصدر قراراً بإلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله وأموال زوجته، رافق ذلك حملة شرسة من التشهير به والتحريض، أخذت تطارده وتضغط على قلبه، حتى قضى نحبه.
إنها سُنّة الفساد، فعندما يحاول الشرفاء الوقوف في مواجهته، لابدّ أن يدفعوا الأثمان غالية، عندما قام النائب في مجلس الشعب “رياض سيف” بالإشارة لأهمية وضع الدولة يدها على شبكة الهاتف الخليوي، والتي تفوق مواردها موارد بئر بترول، قامت الدنيا ولم تقعد بمواجهته، من حملات تخوين وتحريض، إلى إلقاء الحجز الاحتياطي على أمواله، لاعتقاله سبعة أعوام، حتى أعلن إفلاسه، ومثله كان حال زميله في مجلس الشعب “مأمون الحمصي”، ومثلهما أيضاً كان حال كل من نائب رئيس الوزراء الدكتور سليم ياسين، والدكتور عارف دليلة، وآخرون كثر.
عبر مسيرتها الطويلة في الحكم قامت السلطة السورية بعدة حملات يائسة لما من شأنها مكافحة الفساد، كانت بداياتها بعد إقالة حكومة “عبد الرؤوف الكسم” 1887 والتي تزامنت مع إحالة أربعة وزراء للمحاكمة، طالت تلك الحملة عدد من الموظفين الصغار، ثم جاءت حكومة “محمود الزعبي” 1987 ، 2000 والتي انتهت بعد أكثر من ست سنوات لرئاسته مجلس الشعب، وأكثر من ثلاثة عشر عاماً لرئاسة الحكومة، باتهامه بارتكاب “ممارسات وسلوكيات، وسوء ائتمان تُشكِّل خرقاً للقانون، وتسبب أضراراً فادحة بسمعة الحزب والدولة والاقتصاد الوطني” تلا ذلك إحالته ونائبه، مع وزيري الإعلام والنقل، ومجموعة من الموظفين، للقضاء بتهمة “الفساد”، ثم طرده من حزب البعث، وما انتهى إليه الأمر من وضعه تحت الإقامة الجبرية، من ثم انتحاره برصاصة في الرأس في يوم 21 مايو 2000 فمن ثم طي ملف القضية وكأنها لم تكن.
عندما جاء الأسد الابن للسلطة في عام 2000 جاء بصفته رمزاً لمحاربة الفساد رُفِعَتْ عندها شعارات مسيرة الإصلاح والتطوير، ومكافحة الفساد، لذلك كان على رأس مهام جميع الحكومات المتعاقبة، مهمة محاربة الفساد، بدءاً من حكومة “مصطفى ميرو” وصولاً لحكومة عماد خميس الحالية، بالتوازي مع ذلك تم تشكيل عدة لجان للنظر في الحد من ظاهرة الفساد، والإصلاح الإداري، إلا أن المفارقة الكبرى أنه لم يكن من بين كل تلك اللجان لجنة برلمانية واحدة، وإنما كانت تتشكل من قبل الحكومة المطلوب مراقبة أعمالها.
من بينها اللجنة العليا للإصلاح الاقتصادي، عام 2001 والتي تكونت من (18) شخصاً، من بينهم الدكتور عارف دليلة، والتي عملت على مدار عدة أشهر، انتهت باعتقال دليلة، قبل أن تصدر اللجنة تقريرها، الذي قرأه المذكور وهو في السجن، كما صرّح بذلك، بقوله: “كان تقرير اللجنة فارغا كليا من الاهتمامات الرئيسة التي ملأت جلسات عملنا، خصوصاً التخلص من أسباب الانتكاسة الاقتصادية وعلى رأسها الفساد الكبير، الذي أصبح العائق الأكبر أمام التطور الاقتصادي والاجتماعي”.
كانت النتيجة أن تلك الحملات لم تطل سوى عدد قليل من صغار الموظفين بالدولة، حيث لم تتجرأ أبداً من الاقتراب من رموز الفساد، وإذا صادف أن طالت أحدهم، فإنها لم تكن سوى من باب تصفية الحسابات، كما في حالة الحكم على رئيس المخابرات العامة اللواء محمد بشير النجار عام 2000 , وسجنه 15 عاماً، والتي لم يكن لتلك المحاكمة أن تتم لولا العداء القائم بين كل من النجار وأحد أقطاب مافيا الفساد، وفقاً لما أشارت إليه بعض المصادر، في حين بقي كبار رموز الفساد يدخنون السيجار في مكاتبهم ويتنقلون بسياراتهم الفارهة ويتبخترون بقصورهم الخاصة.
أو أنها كانت مجرد حسابات سياسية سلطوية بحتة، كإبعاد رفعت الأسد عن سورية، الذي لم يترك بمصرفها المركزي ما يكفي لقوت فأر جائع، على حد قول زميله مصطفى طلاس، بكتابه “ثلاثة شهور هزّت سورية” ومثله نائب الرئيس عبد الحليم خدام، الذي أقام مجلس اللوردات السوري عليه الأرض ولم يقعدها، فقط عندما أعلن انشقاقه، ليتم تخوينه بعد ذلك، والأمر بالحجز على أمواله وإحالته للمحاكمة، أو كما حصل عند إبعاد كبار قادة الجيش والأمن المتنفذين في السلطة للتقاعد.
أو أنها جاءت بشكل ارتجالي دون تقديم المشكوك بنزاهتهم إلى القضاء المختص، رغم وجود الأدلة الكافية، بصدور قرارات غير قابلة لأي من طرق المراجعة القانونية أو الطعن، وذلك خلافا لجميع الأعراف القانونية والدستورية.
كما هو الحال في قضية فصل 81 قاضياً من الخدمة، دون تعليل أو معرفة الأسباب، كذلك إعفاء أكثر من 32 مديراً ومعاون مدير من مناصبهم، بالإضافة لعدد من ورؤساء البلديات، أو نقل 12 موظف من إدارة الجمارك إلى وزارات أخرى لأسباب تمس النزاهة، أو فصل عدد كبير من موظفي السويداء إما بسبب مواقفهم السياسية، أو لعدم التحاقهم بالخدمة الاحتياطية.
هكذا إذاً تتم حملات مكافحة الفساد، بل الأنكى من ذلك أنه عندما يشير أحدهم لصفقات الفساد المستشري يتم محاربة هذا الشخص، بينما يتم ترقية صاحب تلك الصفقة، كما في حالة مرفأ طرطوس، الأمر نفسه فيما يتعلق بمدير عام السكك الحديدية، “إياد غزال” بعد أن قام بنهب وإغراق تلك المؤسسة بصفقات الفساد، تمت ترقيته محافظاً لحمص، عندما قامت جريدة “المبكي والمضحك” بالكتابة عن فساده في حمص، تم سحبها على عجل من الأسواق، ومثل ذاك أيضاً كان حال “أكرم عمران” مدير صفحة “سورية فساد في زمن الإصلاح الموالية، وفقا لما أورده موقع “عنب بلدي” بسبب انتقاده وزير المالية لإقامته عرساً باذخاً لابنه في فندق “داما روز” في دمشق.
ختاماً: من المفارقات الكبرى هي أنه في كل عام كانت تصدر المنظمة العالمية للشفافية تقريرها المتعلق بمؤشرات الفساد، والتي تظهر حجم الفساد المتقدم في سورية، كانت السلطات السورية تجند كل الطاقات والإمكانيات، بالطلب من فريق التخطيط وتعزيز التنافسية في وزارة اقتصادها للتصدي لمعدي تلك التقارير، فتنفق الأموال الطائلة بهدف دحضها وتفنيدها، بدلا من الوقوف على حقيقة تلك الكارثة من خلال البحث والتقصي عن الأسباب التي أوصلتها لمثل هذه المراكز المتقدمة بالفساد.

المصدر: أول مرة



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع