أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الرقة: المدينة التي لا يمكن أن يسكنها أحد / يحتوي هذا المقال على سرد لوقائع تتسم بعنف مفرط BBCARABIC

الرقة: المدينة التي لا يمكن أن يسكنها أحد / يحتوي هذا المقال على سرد لوقائع تتسم بعنف مفرط BBCARABIC

يحتوي هذا المقال على سرد لوقائع تتسم بعنف مفرط

هناك لحظة في الطريق الى الرقة تترك فيها العالم الحقيقي وراء ظهرك. فبعد ان تجتاز جسر السمرا المدمر، تختفي كل سمات الحياة الطبيعية.

فما عليك الا ان تتجه يمينا عند المحل الذي كان يبيع شواهد القبور- والذي غادر صاحبه المحل منذ أمد بعيد – لتجد نفسك في الرقة.

ولا تجد أمامك آنئذ الا الدمار والغبار والحطام.فهذه بلدة زالت منها الألوان والحياة والبشر.

ففي الأيام الستة التي قضيتها في الرقة، لم اقابل أي مدني البتة.

ولكن المدنيين موجودون، فهم مختبئين في دورهم خشية القصف والاختطاف.

فتنظيم الدولة الإسلامية يستخدم المدنيين كدروع بشرية وكطعم لجذب مسلحي “قوات سوريا الديمقراطية.”

يبدو أن كل مباني المدينة قد تأثرت بالقصف، فقد سحقت وسويت العديد منها بالأرض جراء القصف الجوي لقوات التحالف والقصف المدفعي.

فالقصف لا ينتهي ابدا، إذ أن الرقة تشهد أكثر من عشرين غارة جوية يوميا ناهيك عن المئات من القذائف التي تسقط عليها يوميا.

هدف هذه الغارات والقصف مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين لم يتبق منهم الا حوالي 400 في المدينة.
مسلحو قوات سوريا الديمقراطية

مسلحو قوات سوريا الديمقراطية

ويحقق مسلحو قوات سوريا الديمقراطية، التي تضم أكرادا وعربا – من مسيحيين ومسلمين – وأيزيديين وغيرهم، تقدما لا بأس به منذ انطلاق الهجوم على الرقة في حزيران / يونيو الماضي.

فقد تمكن هؤلاء المسلحون من محاصرة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وهم يتمكنون من تحقيق تقدم في الأحياء التي يسيطر عليها الجهاديون بفضل الدعم الجوي الذي يوفره التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وهي ليست الا مسألة وقت – شهر او شهرين – قبل ان يتمكن هؤلاء المسلحون من دحر مسلحي التنظيم في الرقة والاستيلاء عليها.

كانت الرقة عاصمة دولة الخلافة التي أسسها تنظيم الدولة الإسلامية، وكان عدد سكانها يناهز نصف مليون نسمة.

ولكنها الآن لا تصلح للسكنى، ويستغل تنظيم الدولة الإسلامية الدمار الذي شهدته المدينة لأغراض دعائية.تقول الولايات المتحدة إن هذه حرب إبادة. فالرقة هي أرض المعركة وضحيتها في آن.
شعب الرقة

كانت الدولة الإسلامية هاجسا مرعبا استولى على حياتنا لأربع سنوات. لقد تعبنا وفقدنا الأمل. فقد توقفت مسيرة الحياة، وكان الحل الوحيد أن ننهمك بالعمل

هذا ما قاله حاتم (ليس اسمه الحقيقي)، وهو صاحب متجر في الرقة في الثلاثينيات من عمره.

كان حاتم واحدا من عدة مئات من المدنيين الذين خاطروا في أواسط آب / أغسطس الماضي بالهرب من المدينة التي غلفها الموت والدمار.

يقول حاتم إن سكان الرقة شعروا بالسعادة – وقليل من القلق – عندما اعلنت قوات سوريا الديمقراطية انطلاق عملية تحرير المدينة، خصوصا فيما يتعلق بالدور الذي يلعبه الأكراد في العملية.

ولكن الأنباء الواردة من المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية كانت انباء مشجعة.

قال حاتم، “سمعنا بأن تل الأبيض اصبحت مستقرة الى حد ما، وانخفضت فيها أسعار المواد الغذائية الأساسية. وانخفض سعر برميل زيت الغاز (الديزل) في تل الأبيض الى 12 الف ليرة، أما في الرقة فيبلغ سعر البرميل 4 أضعاف ذلك.”

ولكن الأمر الذي أثار اهتمام سكان الرقة أكثر من أي شيء آخر هو مشاركة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العملية العسكرية.

فقد اعتقد سكان المدينة بأن الأسلحة المتطورة التي يحوز عليها التحالف قد تجنبهم الأضرار المترتبة على حرب المدن التي كان يعد لها تنظيم الدولة الإسلامية.

قال حاتم، الذي يقع متجره على مقربة من موقع الغارة التي نفذتها طائرة دون طيار، “بعد أن قتلت غارة للتحالف الجهادي الفرنسي عند دوار الساعة، توجهت الى المكان لتفقد الموقف.”

ومضى حاتم للقول، “احترق الجهادي في سيارته، ولكن لم يقتل أي شخص آخر في العملية، ولم أر أي أثر لأضرار تسببت بها شظايا. كنا متحمسون لأننا اعتقدنا بأن الأمريكيين سيزجون بهذه التقنيات المتطورة في المعركة.”
شارع مدمر في البلدة القديمة في الرقة

شارع مدمر في البلدة القديمة في الرقة

ولكن الحماس لم يدم طويلا. إذ سرعان ما بدأ سيل من سكان بلدة الطبقة بالوصول الى الرقة جالبا معه روايات عن قصف “عشوائي” ومبان مدمرة والمئات من القتلى المدنيين.

كانت هذه الأنباء كفيلة بإدخال الرعب في قلوب سكان الرقة.

وفي حزيران / يونيو، تم اطباق الحصار على الرقة بالكامل، وبدأت الحملة العسكرية الأمريكية بكل قوة. وأصبح سكان الرقة رهائن في مدينتهم حالهم حال مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

قال حاتم، وصوته يعبر عن غضب ويأس، “أمريكا قوة عظمى، وكان مفروضا منها أن تستخدم القنابل المسيرة بأشعة الليزر والاعتدة ذات التصويب الدقيق. ولكن ماذا الذي حصلنا عليه عوضا عن ذلك؟ قنابل كبيرة وقذائف هاون وعدد لا يحصى من قذائف المدفعية. هل هذه هي الطريقة لتحرير الرقة؟ انكم تقتلون المدنيين.”

تقول جماعة (Airwars) المتخصصة بمراقبة الضحايا المدنيين للقصف الجوي الذي تقوم به القوات الروسية وقوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وسوريا إن قوات التحالف القت بـ 5,775 قنبلة وقذيفة وصواروخ على الرقة في شهر آب / أغسطس فقط، مما أدى الى سقوط 433 قتيلا مدنيا على الأقل.

دوّن أحمد، وهو ناشط من الرقة يقيم في تركيا، مقتل 750 مدنيا على الأقل في المدينة منذ حزيران / يونيو الماضي، 520 منهم قضوا جراء قصف التحالف الجوي. من جانبها، تقول (Airwars) إن الفا على الأقل من مدنيي الرقة قتلوا منذ ذلك الشهر.

أما التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة فلا يعترف الا بمقتل 4 مدنيين خلال معركة الرقة. ويقول التحالف إنه ملتزم بشروط تهدف الى خفض المخاطر التي يتعرض لها المدنيون.

وكما كانت عادته دائما، سعى تنظيم الدولة الإسلامية الى استغلال هذه الخسائر في صفوف المدنيين لمنفعته، ونشر الشريط تلو الآخر يظهر جثثا متفحمة ومدنيين مشوهين.

أصبح المحامي عبيد أغا الكعكجي رمزا لهذه المدينة المبتلاة.

بدا وجه عبيد مكسوا بالدم والتراب. أما شعره الأبيض الكث ولحيته الطويلة فقد اتشحا بلون بني. وكان مصابا بجرح عميق في جبهته.
واختفى بياض عيناه خلف نظرة تنم عن عذاب وذهول كبيرين.

كان عبيد يوما معروفا في الرقة كمحام يهتم بأعمال الخير ومساعدة المحتاجين.

قال أحد أقارب عبيد، وهو مواطن سعودي يدعى هاني، إن عبيد بوصفه محاميا، كان مسؤولا عن أملاك عائلته في الرقة. وعندما أحكم الحصار على المدينة في رمضان الماضي، رفض المغادرة مفضلا مساعدة المحتاجين.”

تمكنت بي بي سي من الاستدلال الى أحد جيران عبيد السابقين يدعى زياد (ليس اسمه الحقيقي). كان زيادا هذا قد شهد الغارة الجوية للتحالف التي استهدفت مسكن آل الكعكجي.

يقول زياد إن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية كانوا قد استولوا على المنزل في الاسبوع الأخير من شهر حزيران /يونيو، ونصبوا في باحته موقعا للهاونات.

وأضاف، “خبأوا الهاونات تحت شجرة، وكانوا يأتون كل يومين أو أكثر ويطلقون بضعة قذائف على أهداف تقع الى الشرق من الرقة.”

ومضى للقول، “حاولنا ثنيهم عن ذلك، ولكنهم غضبوا واتهمونا بأننا مرتدون عن الدين.”

وفي الثاني والعشرين من تموز / يوليو 2017، في الساعة العاشرة والنصف صباحا، استهدفت غارة للتحالف الغربي منزل المحامي عبيد في اللحظة التي كان زياد فيها متوجها للمنزل لتناول القهوة من الأسرة.

يقول زياد إن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية لم يحضروا الى الدار ذلك اليوم، ويضيف “عندما كنت أوشك على طرق الباب، سمعت صوتا مخيفا وتحول كل شيء الى سواد.

شعرت وكأنما ضرب اعصار البيت رفعني الى الأعلى ثم القى بي على الحائط. حاولت الفرار، ولكن في تلك اللحظة ضربنا الصاروخ الثاني.”

لم يصب زياد الا بجروح بسيطة وبعض الرضوض، ولكنه تمكن من لملمة جراحه والتوجه الى ركام المسكن من أجل مساعدة الناجين. تعرف زياد على جاره عبداللطيف الشيخ، ولكنه كان فارق الحياة.

وكانت إحدى قريبات عبيد، وتدعى اعتدال، تعاني من ألم بالغ.

قال زياد، “كانت مستلقية على ظهرها وساقيها مهشمة تماما. كانت تستجدي مني العون.

ما زلت اتذكر تنهداتها، ولكن لم يكن بوسعى أن أفعل شيئا. فقد ماتت أمام عيناي.”

نجا من القصف 6 اشخاص، وكان عبيد منهم.

فقد كان موجودا في باحة المنزل عندما سقطت الصواريخ.

وكان أحد الجدران قد انهار عليه، ويقول زياد إن عبيد لم يصب اصابة بالغة، ولكنه كان “مرتبك ومشوش.”

نقل زياد عبيد الى مستشفى يديره تنظيم الدولة الإسلامية يقع في غربي الرقة.

قال زياد، “لا يعتنون الا بجماعتهم. فحال معرفتهم أن المصاب مدني، يتوقفون عن العناية به. فاصابات المدنيين تصبح في أدنى اولوياتهم حتى لو كانت خطيرة.”

استرعى منظر المحامي عبيد البائس انتباه اعلاميي تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن سرعان ما تخلى هؤلاء عنه. وبدأت حالته بالتدهور في اليوم الثاني. ظن الأطباء أنه اصيب بعارض داخلي. وبعد ثلاثة أيام توفي عبيد دون أن يحظى بأي عناية أو علاج.

ما زال زياد يشعر بغضب عندما يتذكر ما جرى ذلك اليوم.

يقول: “نعلم علم اليقين إن دماء المدنيين رخيصة الثمن بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية.
ولكن هل الأمر كذلك بالنسبة للأمريكيين؟ لم يكن احد يستخدم مدافع الهاون ذلك اليوم، ولم يكن أي من مسلحي الدولة الإسلامية في الجوار. كان الهاون موجودا لمدة شهر تقريبا وكانت طائراتهم المسيرة تحلق في سماء المنطقة ليلا ونهارا. لماذا قصفونا؟ لماذا؟”

ولكن هذا السؤال قد لا يجد له جوابا البتة.

بالنسبة لحاتم، صاحب المتجر الذي كان متحمسا للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، اصبحت الرقة تبدو وكأنها مصيدة موت. ففي البدء كان أناس لا يعرفهم زياد يقتلون في الغارات؟

ولكن بمرور الزمن، بدأ الناس الذين يعرفهم واصدقائه واقاربه يموتون في القصف.

يقول زياد، “كان يقتل 20 الى 30 مدنيا يوميا. كان الناس يدفنون تحت ركام مساكنهم.”

ويقول إن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية اصبحوا اكثر عدوانية في تعاملهم مع السكان المحليين. وتوقفوا في مرحلة عن ارسال الجرافات والشاحنات لازالة حطام المباني المهدمة وانقاذ المدنيين المطمورين تحت الركام.

يقول، “كانوا يسألوننا: هل تريدون إن أضحي بحياة أحد الاخوان من أجل جثة؟ كيف يمكن ان تتجادل مع حيوانات كهذه؟”

في أحد أيام شهر آب / أغسطس، كان فيها حاتم حبيس منزله دون كهرباء، بدأ بحساب أصوات القذائف الساقطة.

وقال، “بدأت الحساب في العشرة صباحا. وبحلول الساعة السابعة مساء، كنت قد أحصيت اكثر من 290 انفجارا. كان القصف أصبح دائما ومستمرا ولا يلين.”

عندذاك، بدأ زياد بالتخطيط للهرب من الرقة.

ففي الأيام العشرة المقبلة، بدأ زياد في التفكير بالطريق الذي سيسلكه، آخذا بنظر الاعتبار الألغام التي زرعها مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية والأوقات التي يكون فيها عدد أقل من مسلحي التنظيم في الشوارع.

اختار زياد ان يتوجه جنوبا، عبر محطة الحافلات وامام المصرف المركزي باتجاه الجسر القديم المهدم.

تم اختيار وقت ملائم، وطلب من افراد الأسرة المقربين والاصدقاء للانضمام الى محاولة الهرب.

وفي الساعات الأولى من يوم الثاني عشر من آب / أغسطس، وفي جنح ليل غاب عنه القمر، تجمع أربعون شخصا عند دوار الساعة في الرقة استعدادا لرحلة خطرة قد تؤدي بهم الى شاطئ الأمان.

يقول حاتم، “اخترنا أن نقوم بهذه المخاطرة، لأننا كنا نعلم بأن البقاء في الرقة سيعني موتنا.”

ويضيف، “انطلقنا في الساعة الثالثة الا خمس دقائق فجرا، وكان معنا كهول ومعاقون. تطلب منا الأمر 90 دقيقة تقريبا لقطع مسافة ميل واحد. ووصنا الجسر في الساعة الرابعة والنصف فجرا، واختبأنا تحته.”

من نافلة القول إن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية كانوا أعدموهم لو كانوا ظفروا بهم.

وقال،”واصلنا تحركنا عند الضياء الأول ونحن نرفع علما أبيض. رصدنا مسلحو قوات سوريا الديمقراطية وأرسلوا لنا زوارق نقلتنا الى الجانب الآخر من النهر.” فيتلك الأثناء، كان حاتم أوعز لمجموعة أخرى من الهاربين باتخاذ الطريق ذاته.

خلاصة الأمر أن 12 من الهاربين قتلوا بالالغام التي زرعها تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من المدنيين الـ 302 الذين هربوا في الليلة التالية.

بالنسبة لحاتم، كانت للسلامة ثمنها الباهظ. فقد احتجز مسلحو قوات سوريا الديمقراطية الرجال وشرعوا باستجوابهم حول مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة.

وقال،”تركنا خلفنا أكثر من 5 آلاف مدني. إن مواقع التنظيم مخفية في أحياء سكنية مازال يعيش فيها أصدقاؤنا واقاربنا. هل سيستهدفونهم بالقصف؟”

ورد حاتم على سؤال وجه له حول ما إذا كان قد كشف عن مواقع التنظيم بالقول، “لا استطيع التذكر،فالأمر مؤلم حقا. عليّ أن اتناول فنجانا من القهوة وأدخن سيجارة.”

يتجول ابوعبده في قلب مدينة الرقة في سيارة مصفحة كانت يوما تعود لتنظيم الدولة الاسلامية. السيارة قبيحة المنظر وغير مريحة بالمرة.

أما الآلية العائدة للوحدة التي ينتمي اليها ابو عبده فهي تخضع للتصليح بعد ان أطلق مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية النار على مبرد محركها. ويشكو أبو عبده اضافة لذلك بأن مكيف السيارة لا يعمل.

لا يوجد في السيارة الا مقعد واحد، وهو مقعد السائق. وهذا المقعد محجوز لقائد وحدة قوات سوريا الديمقراطية العربي.

ينحدر ابوعبده من مدينة منبج السورية الشمالية. ورغم ان سنه لا يتجاوز الرابعة والعشرين، يبدو أكبر من ذلك بعقود.

الوحدة التي ينتمي اليها قليلة العدد، وافرادها لا يرتدون الا احذية خفيفة ويحملون بنادق AK47 صينية الصنع.

لا يرتدي أي منهم بزة عسكرية كاملة، فهم عبارة عن ميليشيا مسلحة وليس جيشا نظاميا. ولكنهم يتعاونون بشكل جيد ويتميزون بالشجاعة.

بعض من المسلحين في وحدة حاتم من صغار السن. سألت واحدا منهم عن عمره، فابتسم وهز برأسه. فمثل الكثيرين من الشبان في الرقة، يعرف هذا الفتى كيف يتجنب الاجابة على الأسئلة.
يتكئ أبوعبده على مقود السيارة ولحيته تكاد تلمس المقود.

ويشير الى جثث قتلى تنظيم الدولة الإسلامية المبثوثة هنا وهناك كما يفعل الدليل السياحي بينما تسير آليته ببطء في شوارع المدينة المهشمة.

فالشوارع مكسوة بالحطام، ولكن الجرافات شقت طريقا وسطه. ولا توجد أي علامات لوجود حياة في أي مكان. والأصوات الوحيدة التي تسمع هي أصوات القصف واطلاقات القناصة.

الحرارة مرتفعة كما هو الضجيج داخل الآلية المدرعة المنتجة محليا، فركوبها يماثل التدحرج داخل برميل نفط.

يقول ابوعبده، “غنمنا هذه العربة عندما هاجمنا موقعا لداعش (تنظيم الدولة الإسلامية). باغتناهم، ولم يكن لديهم متسع من الوقت للاحتفاظ بهذه العربة المدرعة، ولذا فهي ملك لنا الآن.”

سألته عن الحكمة في قيادة عربة تعود لداعش في الرقة خصوصا وان طائرات التحالف المقاتلة والمسيرة تحلق باستمرار في سماء المدينة.

قال،”قبل أن نخرج نحيط مركز العمليات علما بالأمر ونقول لهم إن هذه الآلية تعود لنا.

كما نرفع على الآلية علم قوات سوريا الديمقراطية. بامكان الطيارين ادراك أن هذه الآلية تعود لنا.”

ولكن، وعندما كنا نتجول بالعربة، نوهت لأبي عبده بأنها لا ترفع أي علم. تلكأ قليلا ثم قال، “توقفنا قبل قليل وأزال رجالنا العلم.”

بعد ذلك،اتصل أبو عبده لا سلكيا بنقطة التفتيش المقبلة لاعلامها بوصولنا.

وأخذنا الى مبنى عال يقع قرب دوار النعيم في قلب الرقة.

تمثل هذه المنطقة الجبهة الأمامية مع تنظيم الدولة الإسلامية.

تسير العربة ببطء في شارع يشرف عليه قناصة التنظيم.

يريد ابوعبده أن يصل الى اقرب نقطة يمكن عندها مبارحة العربة بأمان، ولكنه يسيء التقديرفيصطدم بقوة بدعامة احد المباني.

خشيت من أن شدة الاصطدام قد تؤدي الى تهاوي المبنى المتهالك الذي كادت أن تهدمه غارات طائرات التحالف.

ترجلنا من العربة ودخلنا المبنى، الذي كان في سابق الأيام مستشفى خاصا. وكان رجال ابو عبده قد كدسوا قطعا من الأثاث عند أسفل سلم المبنى خشية أن يحاول مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية مداهمته.
الدمار الذي حل بأحد مستشفيات الرقة

وكان بامكاننا مشاهدة علم التنظيم الأسود وهو مرفوع على مبنى آخر في الشارع ذاته.

كان الجو حارا والريح ساكنة تماما، ولذا فكان العلم لا يتحرك ابدا. كان من اليسير الوصول اليه لولا أن ذلك كان سيعرضنا لنيران القناصة.

لذلك، لايجرؤ مسلحو قوات سوريا الديمقراطية على ازالة العلم في الوقت الراهن.يحاول مسلحو قوات سوريا الديمقراطية الاستيلاء على دوار النعيم، مركز الرقة التي تعد قلب دولة الخلافة.

ويعد دوار النعيم نقطة ذات أهمية تكتيكية بالغة، إذ أنه يشرف على العديد من الطرق في منطقة كانت تعج بالمتاجر والمقاهي والمكاتب.

أما الآن، فتعرف باسم “حلقة الجحيم.”
أبو عبده

وثمة سبب آخر لتصميم قوات سوريا الديمقراطية على السيطرة على الدوار، وهو ان تنظيم الدولة الإسلامية أعدم العديد من عناصرها هناك.

ويقول مسلحو قوات سوريا الديمقراطية إنهم بمجرد سيطرتهم على دوار النعيم سيتمكنون من تطهيرالرقة من سطوة تنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن مسلحي التنظيم قاموا بتلغيم المباني والطرق في المنطقة، ولم يزل الا القليل منها.

ووضع مسلحو التنظيم مجسات حركة في عدد من المباني مصممة لتفجير عبوات مزروعة فيها حال دخول مسلحي قوات سوريا الديمقراطية اليها.

لم يسلم أي منزل أو ورشة من الدمار، ولم يجرؤ مسلحو قوات سوريا الديمقراطية على تفتيش مستودع للأسلحة تابع للتنظيم مخافة أن يكون ملغوما.

أراني ابو عبده قناعا يستخدم للتمويه، وهو من الأشياء القليلة التي تمكنوا من جلبها من ذلك المستودع.

قناصوهم يسيطرون على أسطح المباني. اخفض رأسك.

وفجأة، جاء نداء عبر جهاز اللاسلكي يفيد بأن أحد مسلحي الوحدة التي يقودها أبو عبده قد أصيب وهو محاصر في شارع مجاور.

هرعنا الى المكان، ولكننا لم نتمكن من الوصول الى الرجل الذي أصيب بطلق ناري في صدره.

وكان قناصو تنظيم الدولة الإسلامية يطلقون النار في الطرف البعيد من الشارع، مما حدد حركة رجال ابو عبده الذين كانوا لا يتمكنون من التقدم نظرا للنيران التي كانت تصوب اليهم.

كان مسلحو قوات سوريا الديمقراطية تواقون للوصول الى رفيقهم المصاب واسعافه، ولكن كلما حاولوا التقدم صوبه كانت الاطلاقات تنطلق نحوهم.

وفجأة، وقع انفجاران كبيران في الجوار، فقد أفلح مسلحو تنظيم الدولة الاسلامية في استخدام طائرات مسيرة لإسقاط متفجرات من الجو، مما أجبر مسلحي قوات سوريا الديمقراطية على الفرار والاختباء في المتاجر المجاورة.

أخرج أبوعبده جهاز اللاسلكي ونظر الى هاتفه المحمول الذي استخدمه لإظهار خارطة للشارع وارسال الاحداثيات التي ظهرت فيه. نظر الي وقال، “قصف جوي”. وأمر الجميع بالاختباء.
أبو عبده يطلب عونا جويا

أبو عبده يطلب عونا جويا

أما المسلح المصاب، واسمه نديم ابو عزيز، فما زال مستلق على قارعة الطريق بلا حراك.

لجأت لمتجر لبيع الأدوات الكهربائية، من خلال ثقب في الحائط. وجدت آلة ثقب هوائية ملقاة على الأرض. ومن خلال المتجر رأيت متجرا آخر فيه من الماء المعلب والمواد الغذائية ما يكفي لسنة كاملة.

ومن خلال ذلك المتجر، كان هناك ثقب آخر في الجدار يؤدي الى مبنى آخر وغرفة فيها سرير وموقد ودراجة نارية.

كان ذلك أحد مخابئ تنظيم الدولة الإسلامية.

يشمل هذا المخبأ ثلاثة مبان، وكان بامكان مسلحي التنظيم الوصول الى كل طوابق المباني بما فيها الأسطح.

أسس تنظيم الدولة الإسلامية الآلاف من هذه المرابض في شتى أرجاء الرقة. ونتيجة علمي بالأفخاخ التي يزرعها التنظيم، لم اواصل بحثي في المكان.

ولكن تمكنت من سماع أزيز طائرات الحالف وهي تحلق على ارتفاعات منخفضة قرب المكان الذي كنا فيه.

تمكنت الطائرات من ضرب المبنى المستهدف بدقة، مما حوله الى ركام.

فالتحالف دأب على تدمير مبان كاملة من أجل قتل مسلح واحد.

ولذا فليس من المستغرب ان تكون الرقة قد دمرت بشكل شبه تام. فقوات سوريا الديمقراطية تفتقر الى القدرة على تطهير المباني من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، ويعتمد مسلحوها على غارات التحالف من أجل ذلك.

لذلك نرى مايشبه آلاف من مطارق التحالف وهي تحاول تكسير جوزة صغيرة، مبنى إثر مبنى وشارع إثر شارع.

خلاصة القول إنه بعد الغارة توقف قناص الدولة الإسلامية عن اطلاق النار، فربما قتل أو ولى الأدبار.

عقب الغارة، هرع مسلحو قوات سوريا الديمقراطية الى الجريح ابو عزيز، وحملوه الى ظهر الآلية المدرعة التي كانوا غنموها من تنظيم الدولة الإسلامية.

كانت عيناه مغمضتان، ويبدو ان قناص الدولة الإسلامية أصابه في صدره.

وعندما عاد أبو عبده وأخبر رجاله بنبأ وفاة أبو عزيز، لم يفاجأ احد منهم، ولكنهم التزمواالصمت مع ذلك.

وأخرج احد المسلحين صليبا من تحت قميصه وأمسك به وردد دعاءا، بينما برك آخر في الشارع دون أن يقول شيئا.

بدأت الشمس بالغروب، وبلغ التعب من الرجال مبلغه.

ولكن ابوعبده قال هازا رأسه بأن هذا اليوم لم يكن يوما استثنائيا.

بالأمس كان من المفترض أن نتسلم بعض المدنيين، ولكن قتل واحد منا في العملية. ذهبنا لمساعدة الأسر والأطفال، ولكن واحدا منا أصيب بطلقة في رأسه.

ويضيف بأن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية يختبئون بين المدنيين ويستخدمون اسلوب التخفي.

وقال،”هاجمونا وهم متخفون بزي النساء، وكان عددهم كبيرا يناهز المئة. تصورنا أنهم مدنيون، إذ كان بصحبتهم اطفال، ولكن فجأة انتبذ المدنيون والأطفال الى جانب الطريق وبدأ المسلحون باطلاق النار علينا.”

يذكر أن المدنيين في الرقة الذين قد يبلغ عددهم 20 الفا يستخدمون كطعم ودروع بشرية في آن.

يقول أبو عبده، “سنواصل المسير، وسنضحي بدمائنا في سبيل الرقاويين وشعبنا في المدينة لأنهم يعانون بشدة.”

الرقة مدينة تشبه يوم المحشر.

فالمخاطر داهمة وموجودة دائما خلف الزوايا وفي الظلال، مصدرها القناصون والعبوات المخفية والأنفاق العميقة التي تنخر في جوف المدينة.

ويتمكن مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية من التسلل حتى الى المناطق المحررة تحت جنح الظلام.

من جانبها، لقوات سوريا الديمقراطية وحدة خاصة للقناصة عناصرها اربعة أجانب: الماني واسباني وأمريكي وبريطاني.

قبل شهر واحد، كان هؤلاء مختبئون في البلدة القديمة قرب سطح أحد المباني. كان الظلام قد أسدل ستائره، وكان القناصون يرصدون المشهد لأي أثر لحركة.

ينتظرالقناصون لساعات دون حراك، ثم يصدر صوت اطلاقة قد تكون اصابت أحد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

القناص البريطاني جاك هولمز

قال القناص جاك هولمز – الذي ينحدر من مدينة بورنموث الانجليزية الساحلية – “نحن دائما في موقع الهجوم، بينما داعش في موقع الدفاع ولذا فلديهم الأفضلية. فقد كانت الرقة مدينتهم منذ سنوات ولذا فهم يعرفونها أفضل منا. كان الأمر صعبا للغاية.”

كانت تلك الليلة صعبة بشكل استثنائي، إذ شم القناصة الأجانب رائحة دخان في المبنى الذي كانوا يستمكنون فيه.

قال جاك،”توصل داعش الى طريقة لاضرام النيران بسرعة بالغة، ولذا يتسللون الى المبنى ويحاولون طردنا منه باستخدام الدخان.”

كان القناصون الأجانب يسمعون مسلحي التنظيم وهم يتحركون بينما زادت كثافة الدخان.
بدأوا باطلاق النار على الطوابق السفلى التي كانت سبيلهم الوحيد للنجاة ولكن تنظيم الدولة كان لهم بالمرصاد. كان الأجانب محاصرون من كل جانب.

ولكن جاك وأفراد وحدته كانوا عثروا في السابق على حزامين ناسفين للتنظيم.

وكان هذان الحزامان جاهزان للاستخدام، فما كان من الأجانب الا ان سحبوا اسلاك التفجير وألقوا بهما الى الطوابق السفلى من المبنى وسط الدخان والظلام.

يقول جاك إن انفجار الحزامين هز المبنى هزا، ويضيف “لم نعلم عدد الذين اصبناهم، ولكن كانوا هربوا عندما هبطنا الى الطوابق السفلى. كان الانفجار من القوة بحيث أطفأ الحريق.”

التقيت بجاك للمرة الأولى قبل عامين قرب الحدود التركية.

كان راقدا في المستشفى آنئذ وكانت ذراعه مضمدة جراء اصابة من طلقة اطلقها مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية. كان يسخر ويقهقه على الاصابة حينها، ولكن بدا عليه أنه غير مؤهل لمواجهة مسلحي التنظيم.

كان جاك يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات قبل ان يتوجه الى سوريا، وتساءلت وقتها عن الفترة التي سيقضيها حيا قبل أن يقتل على أيدي مسلحي التنظيم.

لقد تغير جاك، فقهقهاته اختفت وأصبحت له لحية كثة، وارتفعت منزلته بين صفوف قوات سوريا الديمقراطية.

لا يرغب جاك في الحديث عن عدد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين قتلهم، ويقول “لماذا يسأل الجميع عن ذلك؟”

ولكن ما هوالشعور أن تقتل رجلا؟

يقول “لا تشعر بشيء”، مستدركا “تشعر ببعض الاثارة.”

السلاح الذي يستخدمه جاك هو بندقية من طراز M16 مزودة بناظور. ليس سلاحا مثاليا، ولكن جاك يقول، “لسنا على مسافة كبيرة منهم، حوالي 400 متر. فالمواجهة قريبة جدا على الخط الأمامي.”
البندقية التي يستخدمها جاك

ولا يتقاضى جاك الا 100 دولار شهريا من قوات سوريا الديمقراطية.

ليس لجاك موقف واضح ازاء الإيديولوجية الاشتراكية التي يعتنقها الأكراد، فكل الذي يحتاجه من طعام ولباس يوفر له بالمجان. اما الدولارات الـ 100 التي يتقاضاها فينفقها على المشروبات والسكائر.

ولكن معتقده الثابت هو كراهيته لتنظيم الدولة الإسلامية.

إنهم عبارة عن تنظيم فاشي ارهابي هدفه السيطرة على العالم. واذا لم تمتثل لأوامرهم سيقتلونك. الأمر بهذه البساطة.

قتال في الشوارع

لم تشهد الرقة ما شهدته الموصل من الهجمات المباشرة والسيارات المفخخة.

ففي الرقة، كان القناصة والعبوات هي الاساليب التي يستخدمها التنظيم في تنفيذ عملياته.
وفي غالب الأحوال، لا يبادر مسلحو التنظيم في الهجوم بل يفضلون الانتظار حتى تهاجمهم قوات سوريا الديمقراطية.

كان رجال ونساء فرقة “كوباني” التابعة لقوات سوريا الحرة على علم بكل ذلك عندما كانوا يستعدون لشن هجوم على سايلوات الحبوب في الرقة. كانوا على علم بذلك، ومع ذلك واجهتهم مفاجئات عدة.

كان يبدو بعض من المسلحين على انهم ليسوا محض صبيان.

كان هؤلاء، ولم تكد تبزغ على شفاههم أي زغب، جالسون وهم يملأون مشاجب اسلحتهم بالعتاد.

عندما سألتهم عن أعمارهم، هزوا رؤوسهم وابتسموا.

كانوا يعرفون إن عليهم الامتناع عن الاجابة. وكان العديد منهم مراهقون ليس إلا.

كان قائدهم يدعى شيفغار هيمو. وكان شيفغار هذا قد احتفل توا بعيد ميلاده الـ 24 في الرقة.

شيفغار هذا ذو خلفية كردية وعربية، ويندر رؤيته دون كمبيوتر لوحي أو هاتف سامسونغ حديث.

ويخطط هؤلاء، الذين يحظون بدعم أمريكي، لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

يتجمع رجاله استعدادا للقتال، وأمامهم شارع سكني قصفت معظم منازله ولكن التنظيم ما زال يسيطرعلى الركام.

الهدف هو مستودعات الحبوب في المدينة التي يسيطر عليها منذ زمن تنظيم الدولة الإسلامية، والتي تعد مواقع مهمة لأنها تشرف على هذا الجزء من الرقة.
شيفغار هيمو

يقول شيفغار هيمو، “تقوم الجرافة بفتح الطريق وتتبعها العربة المدرعة. سنقوم بتطهيرالمنطقة، وعندئذ سنتواصل مع مجموعة اخرى من قوات سوريا الحرة التي تهاجم التنظيم من الجهة الأخرى.”

حسب الخطة، ستتم محاصرة تنظيم الدولة الإسلامية من قبل مسلحي قوات سوريا الديمقراطية.

ولكن مسلحي قوات سوريا الديمقراطية وجدوا انفسهم في مرمى مسلحي التنظيم فور انتشارهم في المواقع المحيطة بالمناطق التي يسيطر عليها التنظيم.

ولكنهم يحافظون على انضباطهم ويتأكدون من أن مقاتليهم لا يتجمعون مع بعضهم البعض مما يجعلهم اهدافا لصواريخ تنظيم الدولة الإسلامية.

يعبر مسلحو قوات سوريا الديمقراطية الشوارع الخالية واحدا واحدا وهم يتعرضون لنيران مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

العيارات النارية التي يطلقها مسلحو التنظيم تملأ المكان، على مسافة سنتيمترات فقط من رؤوس مسلحي قوات سوريا الديمقراطية.
جرافة مدرعة

سارت الأمورعلى ما يرام أول الأمر، ولكن المفاجأة الأولى جاءت بعد قليل.
قناصو تنظيم الدولة الإسلامية بارعون. فجرافة قوات سوريا الديمقراطية نخبتها العيارات، منها واحدة أصابت وسط شباك السائق.

ولكن مسلحي التنظيم يعرفون أين يطلقون النار.

سمعت صوت اطلاقتين، نجحتا في ثقب مبرد محرك الجرافة.

تقدمت إثرذلك جرافة ثانية، وانطلق عيار ثان، وسمعنا صوت هواء يخرج من أحد اطاراتها.

فقد أفلح قناص للدولة الإسلامية كان مختبئا وغير مرئي بالنسبة لمسلحي قوات سوريا الديمقراطية في اصابة صمام اطار الجرافة. أحاط المسلحون بالجرافة وهم متعجبون من دقة تصويب القناص.

وبذا اعطبت الجرافة الثانية، مما أجبر مسلحي قوات سوريا الديمقراطية على البحث عن خطة أخرى.

في غضون دقائق فقط، تتفتق اذهانهم عن خطة جديدة. فقد قرر ستة منهم – احدهم مزود بقاذفة صواريخ – استهداف قناص كان يستمكن عند أحد المساجد.

ورغم التعاون الوثيق بين المسلحين العرب والأكراد في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، تحصل بين الفينة والأخرى لحظات من الفوضى.
فأحد القادة الأكراد لا يتكلم العربية، بينما لا يتكلم نظيره العربي الكردية.
لذا فهما بحاجة الى مترجم.
وعندما سألت عددا من المسلحين عن مناطق سكناهم، اجابوا بأنهم من “روجافا”، الاسم الذي يطلقه الأكراد على المنطقة التي يسيطرون عليها شمالي سوريا. ولكن من الواضح أنهم ليسوا من هناك.
يعتقد أن بعضا من أشد المقاتلين في الرقة ينتمون الى حزب العمال الكردستاني التركي.
تصنف الحكومة التركية وعديد من الدول الغربية حزب العمال بأنه تنظيم ارهابي.
ولكن هنا في الرقة، ينظر الى مسلحي الحزب على أنهم من أفضل القوات في المعركة وأكثرهم فعالية.

بدأ المسلحون في الطرف الآخر من الشارع هجومهم على الموقع الذي يستمكن فيه القناص. كان صوت اطلاق النار مدويا ولا ينقطع حتى للحظة واحدة.
وتحت غطاء النيران الكثيفة، جرى المسلح الذي يحمل قاذفة الصواريخ الى منتصف الشارع وأطلق قذيفة صوب الموقع الذي كان يستمكن فيه قناص تنظيم الدولة الإسلامية.
تبع ذلك اطلاق كثيف للنار، ثم ساد الصمت المكان.
ولكن عندما هممت بمغادرة المكان والعودة الى العربة المدرعة، شرع القناص باطلاق النار مجددا.

أطلق حوالي ستة عيارات، وسمعت أزيزها وهي تمر بقربي وترتطم بجدار مجاور. لحسن الحظ لم يصب أحدبأذى.
إهتز الشارع بدوي غارة جوية تسفر عن مقتل القناص.
كان كل هذا القتال يتركز في شارع لا يتجاوز طوله كيلومتر واحد، ولكن مسلحي قوات سوريا الديمقراطية تمكنوا رغم ذلك من الاقتراب الى مستودعات الحبوب.
وتمكنوا في اليوم التالي من الاستيلاء على تلك المستودعات، وعاد جزء كبير من الرقة الى سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
كان تنظيم الدولة الإسلامية قد تعهد ببناء امبراطورية جديدة بدءا من هذه الشوارع، ولكن، وعوضا عن ذلك، فإن جثث قتلاه تتكدس في بالوعاتها.
إذ اننا نكتشف في كل بضع مئات من الأمتار جثثا أخرى، بعضها مقطعة الأوصال والبعض الآخر مازالت متمسكة باسلحتها.
كان مسلحان مختبئان في مدخل أحد المباني، ولكن تم رصدهما.
قتلا في المكان الذي كانا يستمكنان فيه، وكانت ساقا أحدهما فصلت عن جسده.
كانت أجنحة الصاروخ الذي قتلهما ما زالت بارزة في الطريق. كما بدت علامات الحرق على مدخل المبنى الذي كانا يستمكنان فيه.
يدوس مقاتل عربي، على بزته رمز جمجمة وعظمتين، على جثث القتلى ويهم بفحص المبنى لوجود أي مفخخات.
وعند دوسه لجثث المسلحين القتلى، يقول لهم “الله بالخير” مما يثير ضحك رفاقه.

يقوم مسلحو قوات سوريا الديمقراطية بتوثيق كل جثة بواسطة هواتفهم وحواسيبهم اللوحية.
ويعتقد مسلحو قوات سوريا الديمقراطية أن معظم مسلحي تنظيم الدولة الذين بقوا في الرقة هم من الأجانب. وعندما سألتهم عن عدد هؤلاء، قالوا إن عددهم لا يتجاوز الـ 400.
عدد صغير ولكنه مصمم على الصمود حتى النهاية، وينجح في كبح جماح قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف، وينجح ايضا في ضمان تدمير ما تبقى من الرقة.
“لن نغادر حتى تتحول الرقة الى كوباني ثانية. لن نبارح الرقة حتى نقتل جميعا.”

تحولت الرقة ومنذ 4 شهور الى مسرح لحرب إبادة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن الرقة تحولت ايضا الى ضحية لا تكاد تتمسك بالحياة.
في الخارطة التي تظهر على هاتف قائد وحدة قوات سوريا الديمقراطية مربع أحمر يشمل ملعب الرقة ومستشفاها ويمتد لبضع كيلومترات شمالا.
وهذا المربع يمثل كل ما يتبقى من المناطق التي ما زال يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة.
وهذه هي الأرض – التي لا تتجاوز مساحتها 5 كيلومترات مربعة – التي ستنتهي فيها معركة الرقة.
الأكراد واثقون بأنهم منتصرون في هذه المعركة، ولذلك فهم بدأوا في تحويل قواتهم الى جبهة دير الزور جنوب شرقي سوريا بعيدا عن الرقة.
وتقلص عدد الغارات الجوية داخل المربع الأحمر في الأيام الأخيرة، وهي المنطقة التي ما زال يقطنها معظم المدنيين.

لا يساور جاك هولمز – القناص البريطاني في صفوف قوات سوريا الديمقراطية – أي شك في أن الغارات الجوية لعبت دورا حاسما في المعركة.
ويقول، “كان للغارات أثرا كبيرا، فدونها لم نكن لنحقق هذا التقدم ناهيك عن استعادة الرقة.”
ويقال إن معظم مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين بقوا في الرقة هم من الأجانب جلهم من آسيا الوسطى، وهم لا يكنون أي حب للمدينة أو لسكانها.
لا يهمهم أن يروا الرقة تدمر عن بكرة أبيها.
وهذا يصب في غاياتهم الدعائية أيضا، إذ سيقولون إن في الرقة دمرت القنابل الغربية مدينة عربية عريقة.

في الطبقة القريبة من الرقة التقيت باسماعيل علي.

قال اسماعيل بلسان انجليزي ضعيف، “لقد دفع أهالي الرقة الثمن. فقد هدمت مدينتهم. لقد دفعت الرقة الثمن نيابة عن العالم بأسره.”

وعلى مقربة منا، كانت عجوز تمسح دموعها بغطاء رأسها. قالت، “تركنا احبائنا وأطفالنا وكل شيء ورائنا. لا نعلم ما حل بهم. نريد أن نعود الى الرقة. لا نريد شيئا آخر، فنحن مستعدون للنوم في خيام في الشوارع.”ولكن هؤلاء لم يروا ما حل بمدينتهم.وعندما يعلمون بما جرى، سيتساءلون عن سبب تدمير معظم رقتهم العزيزة من أجل انقاذها.

المشاركون في إنجاز هذا العمل
المؤلفون:كوينتين سومرفيل وريهام دالاتي
المصورون:دارين كونواي وبيتر ايمرسون
المنتجون الميدانيون:ديبي راندل وفيرل ديفيز وبشير طلعت وجوان عبدي
منتجو نسخة الانترنت:جيمس بيرسي وبول كيرلي
الجرافيك:برينا شاه
الصور الفضائية:ديجيتال غلوب
رئيسة التحرير:كاثرين ويستكوت
انتج باستخدام Shorthand

المصدر: bbcarabic

كوينتين سومرفيل وريام دالاتي