أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » د. أسامة قاضي: الاقتصاد السوري يتعافى في حال وجود انتقال سياسي حقيقي في البلاد

د. أسامة قاضي: الاقتصاد السوري يتعافى في حال وجود انتقال سياسي حقيقي في البلاد

مشعل العدوي – الفيحاء نت

تعدّ مجموعة عمل اقتصاد سوريا، الشريك الأساسي الاقتصادي الوحيد مع مجموعة أصدقاء الشعب السوري المعني بإعادة إعمار سوريا بقيادة دولة الإمارات العربية وألمانيا، وعمل رئيسها د. أسامة القاضي، عن قرب، مع معاون وزير الخارجية الإماراتية للشؤون الاقتصادية والخارجية الألمانية وسكرتير مجموعة الأصدقاء، وكان رئيس الوفد الذي صاغ الرؤية الاقتصادية لسوريا الجديدة في برلين والتي تلاها بالنيابة عن المجلس على أسماع ممثلي ستين دولة، وعشر منظمات دولية في مؤتمر أبوظبي لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد السوري في 24 مايو/أيار 2012.

ما شكل الاقتصاد السوري الحالي، في ظلّ الكارثة الاقتصادية التي تعيشها سوريا؟ وكم من الوقت سيبقى الاقتصاد السوري ليتعافى بعد سقوط النظام؟

هذه الأسئلة وغيرها يطرحها (الفيحاء نت) مع د. أسامة قاضي رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا..

ماهي طبيعة ماتقدمه مجموعة عمل اقتصاد سوريا؟

مجموعة عمل اقتصاد سوريا مجموعة بحثية مستقلة ومنظمة غير ربحية بدعم من بعض رجال الأعمال السوريين، مهمتها توعوية اقتصادية بالمقام الأول والحضور الدائم في المشهد الاقتصادي السوري إعلامياً، ومحاولة الحضور في المحافل الدولية ماأمكن لشرح تعقيدات المسألة الاقتصادية السورية، وقد قدمنا أربعة عشر تقريراً اقتصاديا تحت عنوان الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة، وهي تقدم رؤية أولية لخطة إسعافية وخطة متوسطة الأجل وخطة طويلة الأمد لما ينبغي على الحكومة السورية القادمة أن تفعله في عشر قطاعات اقتصادية بمافيها الزراعة والمياه، والنفط، والمواصلات، والإسكان، والصناعة وغيره. كما أننا قدمنا سبعة عشر اقتصادياً بعنوان المشهد الاقتصادي السوري تدرس هذه التقارير كيف تدار النواحي والمناطق السورية إدارياً واقتصادياً، بمعنى كيف يعيش أهلنا في إعزاز، والطبقة، وأرمناز، وحريتان ونواحي أخرى وماهي مواردهم الاقتصادية، كما قدمنا دراسة اقتصادية حول المنطقة الآمنة في شمال سوريا وإمكانياتها الاقتصادية والسكانية، وقدمنا مؤخراً سلسلة تقارير عن “الخارطة الزراعية السورية” تناولت قضايا مستقبل القطاع الزراعي السوري، من مثل غاباتنا والنظام البيئي والزراعة المحمية وصناعة البذور الهجينة وزراعة القطن والزراعات البديلة وغيرها من التقارير التي كتبها متخصصون بالزراعة السورية.

فضلاً عن أننا كنا شركاء رئيسيون لأصدقاء الشعب السوري المعنية بإعمار سوريا التي ترأستها ألمانيا والإمارات وكنا الطرف السوري المعني بمؤتمرين أساسيين في أبوظبي مارس 2012، والآخر في دبي نوفمبر 2012 بعنوان “الاستثمار في سوريا المستقبل” وقد حضره مئات رجال الأعمال السوريين وغير السوريين، وتصدينا إعلامياً للشأن الاقتصادي السوري منذ اليوم الأول للثورة السورية وأجريتُ شخصياً مئات اللقاءات الصحفية والإعلامية، وقد كتبتُ “الخطاب الاقتصادي للثورة السورية” في الأشهر الأولى للثورة، وساهمتُ في القسم الاقتصادي في مشروع “اليوم التالي”، وترأستُ القسم الاقتصادي في تقرير “خطة التحول الديمقراطي” لرسم الملامح المستقبلية لاقتصاد سوريا.

هل لكم توصيف المشهد الاقتصادي السوري الحالي؟

المشهد الاقتصادي السوري مُرعب بامتياز، حيث لم يعد هناك واقعياً أية إدارة مركزية تحكم الاقتصاد السوري بكل محافظاته، وفَقدت “الحكومة” السورية أدواتها الإدارية المركزية، فضلاً عن فقدانها أدنى درجات السيادة على معظم الأراضي السورية، بما في ذلك فقدانها السيطرة على معظم المعابر السورية، وبالتالي فقدت إمكانية إدراتها للتجارة، وخرجت جُلّ الثروة النفطية من إدارتها، وكذلك الحال بالنسبة للثروة الزراعية والحيوانية، فمحافظات “السلة الغذائية” السورية – المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية- خرجت معظمها من سيطرة النظام، يضاف لهذا أكثر من خمسة سنوات من التدمير المنهجي للمحافظات السورية، جوا وبرا وبحرا.

إن أجواء الحرب والفوضى في سوريا على مدى سبعة سنوات ساهمت انخفاض ناتج الدخل القومي لأقل من الربع، حيث خسر الناتج المحلي الإجمالي في أكثر التقديرات تحفظاً 163.3 مليار دولار أمريكي والخسائر الاقتصادية وصلت عام 2015 إلى 254.7 مليار دولار ، وكانت عاملا رئيسيا في تنفير المستثمرين والصناعيين، وقطّعت أوصال الطرق بين المحافظات، وزلزلت وضع القوى العاملة السورية الذي يفوق عددهاخمسة مليون عامل وموظف أو مرزارع، والتي بات معظمها إما نازحاً أو مهاجراً مع أهله هربا من انعدام الأمن، أو منخرطاً في صفوف الثورة العسكرية ، أو في الخدمة الإلزامية مع النظام وقد توقف تسريحه أو تم طلبه للخدمة مع القوى الاحتياطية، أو هارباً من السلطة الأمنية، أو أنه قبيع سجون النظام، أو جريح في إحدى المشافي الميدانية، أو خارج حدود سوريا، والتقديرات المتحفظة تقدر أن 45 بالمائة من السكان غادروا أماكن سكنهم (حوالي 10 مليون) ، نتج عن هذا الوضع المؤسف للاقتصاد السوري ارتفاع –نفس التقديرات – معدل بطالة وصل 52 بالمائة عام 2015 ،ولكنه فعلياً وصل في فاق الثمانين بالمائة عام 2016، ومعدل الفقر تجاوز ال 85 بالمائة عام 2015 ولكن مع استمرار القصف الروسي والنظام ودخول جحافل الفصائل العراقية وحزب الله فإن الأمر ازداد سوءا، ومع وصول التضخم لأكثر من 500 بالمائة وفي بعض المناطق المحاصرة لأكثر من 3000 بالمائة، وانخفاض قيمة العملة السورية أكثر من عشرة أضعاف ، وإغلاق معظم محلات الصرافة وتعرض معظم العاملين بها إلى السجن والملاحقة، كما تمخض عن هذا الوضع البالغ السوء ارتفاع مستوى التضخم في المتوسط 500 بالمائة، ووصل ارتفاع بعض أسعار السلع الغذائية لأكثر من 4000 بالمائة في بعض المناطق التي يحاصرها النظام.

في ظل وضع مأساوي كهذا لم يعد هناك معنى للحديث عن الاقتصاد كمفهوم مركزي وطني، وعودته ستكون صعبة جدا – وليس مستحيلة – بعد انتهاء الأزمة.

أن النموذج السوريّ بات فريداً في سمته التفكيكية اللامركزية الاقتصادية والإدارية، إذ انتقل من واقع “الاقتصاد السوريّ” إلى واقع “اقتصاد النواحي السورية”، وهو أخطر النماذج. ما سيجعل مهمة أيّ حكومةٍ انتقاليةٍ قادمةٍ، في ظلّ أيّ حلٍّ سياسيٍّ أو غير سياسيّ، غايةً في الصعوبة، فقد باتت معظم النواحي والمناطق السورية بمثابة جزرٍ منفصلةٍ غير مرتبطةٍ عضوياً بأيّ إدارةٍ مركزية . اقتصادياً، مشكلة سوريا الرئيسية هي وجود شلل جزئي أو كلي أصاب بشكل متفاوت كل القطاعات الاقتصادية على المستوى الوطني، فقد خرجت السلة الغذائية من يد الحكومة المركزية، وكذلك خرجت قريبا كل ثروتها النفطية والغازية، وخسرت سوريا أكثر من نصف قوتها العاملة المهنية والمؤهلة وفي بعض الاختصاصات الطبية والهندسية والنادرة –تقديرياً- لم يبق إلا أقل من عشرين بالمائة منها وهذه الخسارة البشرية لاتقدر بثمن، وكذلك خرجت عن السيطرة تقريباً كل معابرها التي تدرّ دخلا لايستهان به، وتضبط به مستورداتها وصادراتها، والاقتصاد السوري دخل في حالة تفكيكية فوضوية عبثية ، انتهى الأمر به للعودة إلى اقتصاد النواحي والمناطق ، وحتى إلى مرحلة الاقتصاد العائلي البدائي بهدف أن يبقى الناس على قيد الحياة.

هل يُعتبر الاقتصاد السوري الآن “اقتصاد حرب”؟

إن سوريا تعيش أسوأ من اقتصاد الحرب، لأن إدارة الاقتصاد في زمن الحرب تبقى تحت سلطة مركزية وعلى فرض وجود إدارات مستقلة ولكنها ستكون بعلم السلطة المركزية، وتخضع لقوانين اقتصادية يلتزم بها الشعب، ويكون هناك سلسلة قوانين تقشف وقوانين “شد الحزام”، ولكن في الواقع السوري هي ليست حرب أهلية بالمعنى الدقيق حيث يتم تحييد السلطة المركزية لأن القوى المسلحة الشعبية تعاني من اصطفافات متناحرة لاتستطيع معها السلطة الحفاظ على الأمن والاستقرار، بل إن السلطة الحاكمة في سوريا تنحر الشعب، وتعد الشعب السوري خصمه اللدود يستحق القصف لكل اللأسلحة الكيماوية والعنقودية والفوسفورية وغيرها في حالة سريالية غير مسبوقة!…وتسلط فئة من الجيش على الجمهور ليدمروا البيوت فوق رؤوس أهلها ويعتقلوا أولادها ويغتصبوا نسائها….لم يشهد التاريخ أن سلّط حاكم على رؤوس كل أهل البلد براميل ديناميت وصواريخ سكود وراجمات صواريخ ومدافع دبابات على أهل البلد.

لذا أميل لتسمية هذا النوع من الاقتصاد “اقتصاديات نيرون” وهو المثال الوحيد الذي حدث عام 64 قبل الميلاد أي منذ أكثر من 2000 سنة عندما جلس المختل عقليا نيرون يراقب حريق سبعة أحياء في روما كي يعيد بنائها بطريقة جديدة…هتلر مثلا قاد اقتصاد حرب ولكنه لم يقتل الألمان ولم يقصفهم!!… في ظل اقتصاد الحرب تقوم الحكومة بالعناية بقطاعها الزراعي وسكانها، لكن في ظل اقتصاد نيرون انخفضت انتاجية القطاع الزراعي للربع مثلا، وقلّت الاستفادة من الانتاج الزراعي في ظل تردد الفلاحين من بيع محصولهم الاستراتيجي للنظام الذي يقتلهم، وفي ظل تقطع أوصال المحافظات فلم تعد الطرق آمنة لابين المحافظات، ولاضمن المدينة الواحدة التي فيها عشرات الحواجز مابين النظام والثوار. وبات هنالك شح في توفر البذار والأدوات الزراعية، والسماد، والمبيدات، وشح مادة الديزل اللازمة للزراعة، وكذلك انخفاض اليد العاملة الزراعية بسبب انخراط الأرياف السورية كلها في الثورة، فما بين مناضل وهارب ومسجون ومعاق ومستشهد، فضلاً عن استمرار عملية الحرق والقصف الذي أثر على خصوبة الأراضي الزراعية التي باتت مليئة بالبارود والنفايات والمواد السمية القاتلة الناجمة عن القصف، بمعنى أن الحكومة هي التي تدمر أهلها وقطاعهاالزراعي فكيف يكون هذا اقتصاد حرب يستفيد من ندرة موارده المادية والبشرية؟.

أي نظام اقتصادي برأيك ستعتمده سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد؟

إن بوصلة الثورة الاقتصادية واضحة منذ أن وضعنا الخطاب الاقتصادي للثورة بعد شهرين من بدء ثورة الحرية والكرامة السورية، وأكدنا عليها في البيان الاقتصادي الذي ألقيته شخصياً على مسامع 59 دولة في مؤتمر أبو ظبي لمجموعة «أصدقاء الشعب السوري« المعنية بإعادة إعمار سوريا وتنميتها في 24 أيار 2012، وفصّلنا الرؤية في خطة «التحول الديمقراطي« التي أصدرها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية والتي أعلنّا عنها في 21 آب 2013، والذي يعتمد على اربعة أسس: أولا، دعم اقتصاد السوق الحر وتحفيز القطاع الخاص المسؤول الاول عن خلق فرص عمل للسوريين ومن في حكمهم. وثانياً تبني معايير ومؤشرات الحكم الرشيد المتعارف عليها في الامم المتحدة (الفاعلية الحكومية، سيادة القانون، مؤشر مشاهدة الفساد…). وثالثاً إصلاح القطاع العام بما يضمن كفاءة الانتاج، والبحث عن سبل لتشجيع الرابح منه، وايجاد حلول آمنة اجتماعياً للخاسر منه. ورابعاً العناية بالطبقات الاقل حظاً في المجتمع (صحة مجانية وبأسعار مخفضة للطبقة الفقيرة، التعليم المجاني، تعويضات بطالة). إننا نعتبر أن المهمة الاقتصادية للدولة السورية يجب أن تكون تكثير سواد الطبقة المتوسطة الدخل وضمان تجاوز عتبة الفقر لكل السوريين.

الحرية السياسية توأم الحرية الاقتصادية، ولا تستطيع الوصول إلى الحرية السياسية الحقيقية بشكل منفصل عن الحرية الاقتصادية، على عكس النظام السوري الذي دأب وفريقه الاقتصادي على فصل الليبرالية الاقتصادية عن الليبرالية السياسية ومعايير الحكم الرشيد المعتمدة من قبل البرنامج الانمائي للامم المتحدة، الامر الذي جعل سوريا قبل الثورة السورية – تتبوّأ مقعدها بين أسوأ الدول المتهالكة اقتصاديا وأكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر وواحدة من أفشل خمسين دولة، كانت على مؤشر الدول الهشة ترتيبها 47 من أصل 178 دولة والآن طبعا ترتيبها الخامس.

أن النظام الاقتصادي المطلوب لسوريا الجديدة أقرب ما يكون إلى النظام الاقتصادي الكندي والأألماني بمعنى أن هناك دوراً أبوياً للحكومة في العناية بالطبقات الفقيرة، مع مراعاة عدم التدخل ما أمكن في العملية الاقتصادية، وانسحاب الحكومة من الحياة الاقتصادية. إنه نظام اقتصادي ليبرالي ولكن ليس الليبرالية المطلقة المتوحشة، وهو أقرب ما يكون للتطبيق غير المجتزأ لاقتصاد السوق الاجتماعي التي تبنتها الخطة الخمسية العاشرة ولكن بحزمتها الخماسية التي تشمل: احترام حقوق الانسان، سيادة القانون وتطبيقه بحزم، المشاركة الشعبية في العملية السياسية، نظام اقتصادي على طريق اقتصاد السوق الاجتماعي، تدابير حكومية ذات توجه تنموي. لقد شوه النظام كل شيء بما فيه اقتصاد السوق الاجتماعي الذي كان وراء المعجزة الاقتصادية الألمانية.

حقيقة الامر أن النظام الاقتصادي عقب انتصار الثورة يجب أن يحاكي الجوانب الإيجابية في التجربة السورية الاقتصادية في بعدها المُشرق مع تحاشي سلبياتها لفترة ما بعد الاستقلال إلى قبيل الوحدة 1958، من حيث تعبئة الرأسمال الوطني أولا، بهدف أن تصل الطبقة المتوسطة محركة الاقتصاد لتشمل أكثر من ثلثي الشعب السوري.

كم تبلغ حتى الآن بشكل عام كلفة إعادة إعمار سوريا؟

للأسف كل يوم جديد من الدمار يزيد هذه التكلفة، إن التقديرات المتحفظة للخسائر الاقتصادية حوالي تتجاوز ال 300 مليار دولار، ولكن تكلفة إعادة الإعمار يعتمد في المقام الأول على دراسة إحصائية دقيقة ميدانية لايمكن توفرها الآن لأسباب أمنية، لذلك أعد أن وجود مكتب إحصائي مركزي جديد يستخدم أحدث الطرق بمعايير عالمية أهم مسألة بعد انتهاء هذا الكابوس وقد أفردنا له في المجموعة تقرير مطول خاص به، وهي متعلقة بحكمة الحكومة السورية الانتقالية القادمة التي ينبغي برأيي أن تكون حصراً من المهنيين التكنوقراط المستقلين بكل شفافية ومسؤولية ورشادة، وليس محاصصة بين أطراف دولية أو حزبية سورية.

إن تخفيف تكاليف إعادة الإعمار منوط أيضاً بحكمة رعاة الحل السياسي، لأنه إذا كان الحل هو تقاسم كعكة إعادة الإعمار بغض النظر عن مصلحة الشعب السوري فستكون التكاليف كارثية، وقد قدرت الأسكوا- الأمم المتحدة تكاليف بناء المساكن بحوالي 700 مليار ليرة سورية، بمعنى حوالي أقل من ملياري دولار وهذا الرقم متحفظ جداً.

أما في حال وجود حل سياسي ناجز فإن الحكومة الانتقالية لأفكار إبداعية وبدائل تمويلية وطنية وشراكات مع الشركات العربية خاصة ما أمكن حتى لا تغرق سوريا بالديون بعد هذا الدمار الكارثي الذي يفوق في حجمه الكارثة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية باعتراف رئيس النظام نفسه.

من سيعيد إعمار سوريا في ظل هذه الكارثة الاقتصادية؟

– يقع عاتق الإشراف على إعادة إعمار سوريا بالمقام الأول على الحكومة الانتقالية السورية القادمة، وهذا يستلزم رؤية اقتصادية واضحة من قبل تلك الحكومة حول قبول الشراكات العربية والعالمية في إعادة الإعمار، إضافة إلى تأمين كل القوانين اللازمة للترحيب بالرأسمال الوطني والأجنبي ضمن شروط تأخذ في عين الاعتبار خلق فرص للعمالة الوطنية، والسرعة والإتقان في الإنجاز.

وأعتقد أن رجال الأعمال والصناعيين السوريين هم أول من سيقوم بتولي إعادة إعمار بلادهم، ولكن المحذور الرئيسي هو أن تقوم المجموعة التي نهبت الاقتصاد الوطني سابقا، بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء، بالتصدر لمسألة إعادة الإعمار، وخاصة أن النظام السوري كان يخصّهم بامتيازات احتكارية استطاعوا أن يكوّنوا من خلالها ثروات خيالية ويصعب منافستهم وطنيًا من حيث امتلاك رأس المال، وهذا يستوجب الحذر الشديد من تبييض أموال تلك المجموعة في مسألة إعادة الإعمار. كذلك سيعترض الحكومة الانتقالية إشكاليات قانونية في أي عقود موقعة للشركات الإيرانية والروسية في مسألة إعادة الإعمار، وهذا يستوجب إيجاد مخارج قانونية ودبلوماسية سياسية للتخلص من الآثار السلبية لتلك العقود.

هل تعتقد أن سوريا تحتاج لـ(رفيق حريري) على الطريقة اللبنانية؟

– تبلغ مساحة سوريا 17 سبعة عشر ضعفا مساحة لبنان، وتركيبتها الجغرافية والسكانية ومواردها الطبيعية وحجم سكانها مختلف عن لبنان. ستكون الأدوات التي ستنهض بالاقتصاد السوري مرسومة بوحي من الثورة السياسية والفكرية باهظة التكاليف التواقة للحرية والشفافية، وسيتشكل إطار يتم فيه تحديد الأدوار لرجال الأعمال وللمهنيين وللسياسيين ولمؤسسات المجتمع المدني والإعلام.

لذا لا أعتقد أن سوريا ستحتاج رجل أعمال واحدا كبيرا مدعوما إقليميا كما يحلو لبعض رجال الأعمال – أو بعض الدول – أن يتخيلوا. إن سوريا لاتحتاج لشخص واحد بل في أجواء شفافية وديمقراطية ستحتاج للكثير من رجال الأعمال السوريين الوطنيين ليلعبوا دور البرجوازية السورية الوطنية التي تنهض بالاقتصاد السوري.

هل هذا يعني أن المواطن السوري سيكون مدينا لسنوات طويلة نتيجة الحرب والكلفة العالية لإعادة إعمار سوريا؟

– للأسف سيبقى المواطن السوري مدينا لسنوات طويلة، فقد تدمرت البنية التحتية تماما، بما سينعكس على الخدمات المقدمة للمواطن وعلى رفاهيته، ومهمة أي حكم قادم التخفيف من آثار هذه الكارثة على المواطن البسيط. وللأسف أيضا، أن الحكومة الانتقالية المقبلة ستفاجأ بعدم وجود أي احتياطي نقدي، وستكون أمام اقتصاد شبه مشلول وممزق الأوصال وأمام إدارة مركزية أصابها العطب، وتحولت النواحي السورية إلى جزر منفصلة، كما ستفاجأ بجسد الدولة العميقة وقد اهترأ ولم يبق منه إلا بقايا في الدوائر الكبيرة في المدن الأساسية، مما يجعل تلك الحكومة تواجه إشكالية هائلة في تمويل مشاريع إعادة الإعمار، سواء المساكن المهدمة أو البنية التحتية، وينبغي تجنب تحمل المسؤولية المالية ما أمكن عن طريق التعاقد مع شركات استثمارية عقارية سورية (في الوطن أو خارجه) وعربية وعالمية، بحيث تتحمل تلك الشركات كافة التكاليف مقابل ميزات استثمارية وضريبية، إضافة للاعتماد فيما تبقى من مناطق لم تشملها الشركات الاستثمارية على شركات وطنية وبمواد أولية وأيد عاملة وطنية ضمن معايير جودة تحددها الحكومة. وتشرف – تلك الحكومة التي ستكون في موقف لا تحسد عليه – على عملية وضع القوانين الناظمة لعمل المطوّرين العقاريين بعد وضع استراتيجية للتخطيط العمراني العصري ومراعاة السمات الحضارية والتاريخية ما أمكن، إضافة لوضوح آليات تضمن الشفافية.

هل أنت متفائل بنهوض الاقتصاد السوري بعد كل هذا الخراب؟

أنا متفائل في حال كان هناك انتقال سياسي حقيقي لأنه الضامن الوحيد للأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية، وواقع الحال أنه كلما طال عمر الأزمة كلما بات اصعب الوصول إلى معدلات التنمية بعد انتهائها، فبعد 16 عاما من الحرب اللبنانية استغرقت لبنان عشرين عاماص حتى عاد لمستوى ناتج المحلي الاجمالي قبل الحرب.

افتراضياً، لو انتهت الحرب عام 2018 بحل سياسي ناجز، وبدأ الاقتصاد بالنهوض بمعدل 4.5% فإن سوريا تحتاج عشرين سنة لتصل لنفس مستوى ناتج الدخل القومي قبل عام 2011، لكنني متفائل أنه بوجود حكومة مهنية “تكنوقراط” سيكون معدل النمو حوالي 9 % وتعود سوريا خلال أقل من عشر سنوات لما كانت عليه عام 2011، وذلك بدخول البرجوازية الوطنية السورية لتشغل المصانع وتوفر فرص عمل للسوريين، وكذلك تقوم الحكومة باستقدام استثمارات – ولكن بصعوبة في السنوات الأولى- من دول الأشقاء والأصدقاء، والأهم من خلال مشروع الإعمار لسوريا أن يكون برعاية أمريكية وتعاون عربي و دولي ورجال أعمال سوريين على نمط مشروع مارشال الذي نهض بألمانيا وأوربا كلها، وليكن اسمه “مشروع تيليرسون” مثلا على اعتبار أنه تاريخيا جورج مارشال كان وزيرا للخارجية، وخاصة أن التواجد الأمريكي بات واقعاً حيث أنه هنالك العديد من القواعد العسكرية والمطارات الأمريكية داخل سوريا . إن الإعلان عن مشروع “مارشال” لسوريا، سيبُث الطمأنينية في روع المستثمرين، ويشجع كل المنظمات الدولية الاقتصادية، ودول العالم للاستثمار في سوريا، مما يساعد على حرق مراحل النهوض الاقتصادي.