أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » أبو بحر والمنشار : أمراء حرب في برزة تاجروا بكل شيء وعادوا لحضن المجرم بشار

أبو بحر والمنشار : أمراء حرب في برزة تاجروا بكل شيء وعادوا لحضن المجرم بشار

• كل ما فعله أمراء الحرب في برزة وما ارتكبوه صب في خانة دفع الناس لترديد: “يا محلا بشار”!

“هل يمكن لثورة كثورة الشعب السوري أن تتراجع فضلا عن أن تخبو؟”.. يجيب أحدهم على هذا السؤال الإشكالي الصعب بعبارة بسيطة مفادها: “نعم، إذا كثر الخبث”.. ولكن هل كنا بالفعل أمام كل هذا القدر من “الخبث” الذي تجاوز الحد وصار كارثة على الثورة وأهلها، ولماذا لم “تنف” الثورة “خبثها” وتتخلص منه مبكرا قبل أن يفتك بجسد كان يفيض حيوية وكرامة، وقبل أن يهاجم روحا كادت تلامس عتبة الملائكية؟

أسئلة كبيرة صغناها بلغة “شاعرية”نوعا ما، ولكننا سنتصدى للإجابة عنها بلغة “عملية” سندها الوقائع والشهادات والتواريخ والمعاينات، ونماذجها ماثلة بل وصارخة، ولعل من آخرها وأشدها “نفورا” شخصان يلقبان “أبو بحر” و”المنشار”، سبق أن سلكا طريق القتال المسلح ضد النظام ومظالمه، لكنهما انتهيا بالقتال إلى جانبه والدفاع عنه.

*من هما؟

منذ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وظهورهما في حفل رعاه النظام لـ”تكريم” بعض من يدافعون عنه.. شغل كل “أبو بحر” و”المنشار” كثيرا من السوريين، معارضين وموالين، ممن اتفقوا على مهاجمتهما بشدة وشتمهما بأقذع الألفاظ، فهما من جهة الثوار والمعارضين خائنان باعا حيّهما “برزة” وأهلهما ونفسيهما للنظام، أما من جهة الموالين فهما ليسا سوى مسلحين خارجين على “الدولة” قتلا وخطفا وعذبا من جنود النظام ومن مواليه الكثيرين، حتى إن بعض التقديرات تذهب إلى أن خسائر النظام تناهز 800 قتيل على جبهة “برزة”، رغم أن الحي كان من بين أوائل المناطق التي هادنت النظام وتوقفت عن قتاله، منذ أواخر 2013.

فمن هما هذان اللذان أثار تكريمهما كل هذا اللغط، وجر عليهما سيلا من التهديد والسباب، ونالا من سخط الموالين والمعارضين قسطا وافرا، وما مدى خطورة الجرائم التي ارتكباها، وهل كانا وحيدين في هذا المشهد “السوريالي” من الفساد والخيانة، أم هناك آخرون..

قبل عرض شهادات المصادر، لابد من تعريف مختصر بالشخصين، وموقعهما الذي كانا يشغلانه قبل أن يعودا إلى حضن النظام ويستحقا تكريمه.. فـ”أبو بحر” هو لقب شاب من “برزة” اسمه “معاوية البقاعي” كان يعمل قبل الثورة في بيع “المازوت”، أما “المنشار” فهو الاسم الحركي لشاب من نفس الحي يدعى “سمير شحرور” كان يعمل قبل أن ينخرط في القتال المسلح بمهنة “ميكانيكي”.

إثر دخول الحراك في طوره المسلح حمل الشابان البندقية في حيهما “برزة” ضد قوات النظام، وانضويا في صفوف “اللواء الأول” بقيادة “أبو الطيب”، وهو اسم الشهرة لشخص من برزة يدعى “وليد رفاعي”، قبل أن يهادن هذا اللواء وقادته النظام ويتحول أكثرهم إلى تجار أزمة، ثم أمراء حرب، وصولا إلى العمالة التامة للنظام والالتحاق علانية بصفوفه، بعد إتمام مهمة تسليم أكثر ضواحي دمشق حيوية.

لم تكن جرائم “أبو بحر” و”المنشار” وأمثالهما –ممن سيأتي ذكرهم في هذا التحقيق- لتقتصر على الإثراء غير المشروع والمتاجرة بآلام الناس وجني الأموال الطائلة على حساب الثورة، بل تجاوزت ذلك إلى التورط في أعمال تصفية وقتل، وخيانات ووشايات، وتجارات سوداء (مخدرات، آثار، سلاح&8230;)، قبل أن تبلغ مرحلة الخيانة العظمى بتهدئة جبهة “برزة” وتبريدها بعدما كانت من أسخن الجبهات، ثم تولي حماية النظام في دمشق، وتعطيل معركة كان يمكن لها أن تغير مشهد التوازنات في دمشق بل وفي سوريا بمجملها، كون دمشق قلبها ومحور ارتكازها، ولاحقا استطال هؤلاء بأذرع عمالتهم فسلموا “برزة” للنظام وساهموا بتهجير أهلها، وختموا ذلك بالالتحاق بصفوف مرتزقة النظام، ثم خرج أحدهم ليدافع عن هذه الخيانة بكل جرأة مفتخرا بانتمائه إلى “سوريا الأسد”.

*نقاط تطابق

قدم كل مصدر من المصادر شهادته لجريدتنا بشكل منفصل عن الآخر، ومع ذلك فقد تقاطعت الشهادات عند بعض التفاصيل بشكل لافت، وتطابقت عند تفاصيل أخرى، ومن أهم نقاط التطابق:

1- التأكيد على أن “أبو بحر” و”المنشار” بالذات بدآ كـ”ثائرين” حملا السلاح ضد النظام ولم يكونا عميلين له في البداية، كما يريد بعض المعارضين أو الموالين تصويرهما.

2- شكلت الهدنة التي عقدت أواخر 2013 مرحلة حاسمة وفاصلة في مسيرة “أبو بحر” و”المنشار” وكثير من قياديي الفصائل في برزة، ممن ألقوا بنادقهم جانبا، وشرعوا في أعمال التجارة، التي تقتضي حكما التواصل مع النظام وضباطه، وهو ما مثل نقطة الانحراف البارزة، وحوّل هؤلاء من أشخاص كانوا في “استراحة مقاتل” إلى ممالئين للنظام ومتواطئين معه ثم مدافعين عنه، بحكم تقاطع مصالحهم مع مصالحه.

3- “أبو بحر” بالذات شخص معروف بجبنه وتهيبه المشاركة في المعارك، وقد خرج في إحدى سنوات الثورة لمدة 6 أشهر إلى معربا (بلدة مجاورة لبرزة ومعروفة بأنها إحدى معاقل التشبيح)، وكان خروج “أبو بحر” إليها بدعوى العلاج، وليس هناك أحد يعلم بالضبط ماذا فعل خلال تلك الفترة أو مع من تواصل.

4- حب المال والسعي لجمع الثروة بأي وسيلة وبأي ثمن، بات الشغل الشاغل لمعظم قيادات الفصائل في برزة، وليس قتال النظام أو تخفيف معاناة الأهالي، ومن كان يعترض أو يناقش في هذا الأمر كان مصيره التصفية وبدون تردد، كما حصل مثلا مع القيادي “فهد المغربي” الذي تبدو بصمات زملائه في السلاح وفي “اللواء الأول” ظاهرة في عملية اغتياله.

5- التزام الأكثرية الصمت تجاه تجاوزات قيادات الفصائل في برزة وانتهاكاتهم وخياناتهم، وعدم التحرك لإسقاطهم ومحاسبتهم، إنما كان تحت وطأة الترهيب الشديد الذي كانت يمارسه قياديو الفصائل وشبيحتهم ممن لايقلون إجراما عن شبيحة النظام.

6- كل ما فعله قياديو الفصائل في برزة كان يصب في خانة واحدة هي تجميل صورة النظام القبيحة أصلا، وكأن مهمة هؤلاء القادة الفاسدين والخونة كانت دفع الناس ليرددوا بلسان الحال والمقال “يا محلا بشار”!

*لو وقعت لغيرت الموازين

يقول الشاهد الأول الذي مكث في برزة حتى الأيام الأخيرة لتسليم الحي بموجب “التسوية” التي عقدت في أيار، إن “أبو بحر” و”المنشار” وغيرهما من “الثوار” إنما جرى تجنيدهم بعد “الهدنة الأولى” في برزة، حيث بدأ احتكاكهم المتكرر بالنظام وضباطه، مرة بداعي فتح طريق، وأخرى لتحرير أسير أو مخطوف، وثالثة لإدخال شحنة أغذية.. إلخ.

ويلفت المصدر إلى أن “أبو بحر” كان رعديدا، أما “المنشار” فقد خاض عدة اشتباكات ضد النظام وأصيب نتيجتها بإحدى عينيه وإحدى خصيتيه، ولكن كل ما قدماه -إن كانا قد قدما شيئا مثمرا للثورة- سقط منذ اللحظة التي فضلا فيها جمع الأموال على مبادئ يفترض أنهما حملا السلاح لأجلها.

وحسب المصدر فقد بدأ “أبو بحر” طريق التجارة والمتاجرة من التعامل بالمازوت الذي كان يبيعه داخل برزة أو يمرره إلى الغوطة المحاصرة، ثم تطورت تجارته وشرع يعمل مع أعوانه وأقرانه لحصد الملايين.. ملايين الدولارات، وقد جمعوا بالفعل أموالا طائلة، وجد بعضها طريقه إلى تركيا في صورة “استثمارات”.

ويصف المصدر قادات الفصائل بأنهم كانوا تجار حصار وأمراء حرب فعليين، فرضوا الأتاوات واستغلوا حاجة الأهالي في الغوطة وبرزة، وعقدوا صفقات تجارية كبيرة ومتكررة مع النظام وضباطه، فضلا عن نهبهم وتلاعبهم بأموال الدعم التي كانت تقدر بنحو 124 ألف دولار، يتلقاها “اللواء الأول” شهريا، وقد انقطع هذا الدعم لاحقا، ولكن بعدما صار قادة “اللواء الأول” من كبار المتمولين، وبات هذا المبلغ مقدارا تافها لا يمثل بالنسبة لهم سوى مدخول يومين من تجارتهم.

وفضلا عن الدعم الدوري (الشهري) كانت هناك أموال دعم تصل لتغطية أمور استثنائية، من قبيل دعم مالي تلقاه “اللواء الأول” مقداره 650 ألف دولار، للقيام بأعباء “معركة دمشق” التي كان يفترض من “اللواء” وقادته أن يشاركوا فيها، فإذا بهم يساهمون في إفشالها وتحريض الأهالي لإيقاف المقاتلين العابرين من الغوطة لاقتحام دمشق، بحجة أنهم سيعطون ذريعة للنظام لتدمير برزة وتهجير أهلها وسكانها.

ويؤكد المصدر أنه عاين ضخامة الحشود والتجهيزات العسكرية التي تم تمريرها من الغوطة باتجاه برزة عبر الأنفاق يومها (آذار/مارس 2017)، فيما كان يبدو استعدادا لمعركة ضخمة كان من شأنها لو حصلت ونجحت أن تغير موازين القوى في دمشق، وتمكن الثوار من السيطرة على مناطق واسعة وحيوية تمتد من برزة حتى تخوم ركن الدين وشارع فارس الخوري الموصل بساحة العباسيين.

ووفقا للمصدر فإن “المنشار” و”أبو بحر” لعبا دورا محوريا في تعطيل معركة قبضا دعمها ودسوه في جيوبهم مع باقي قيادات “اللواء الأول”، حيث استولوا على نحو 500 ألف دولار من أصل الـ650 ألفا التي وصلتهم.

*تركيا تفضح ما تم نهبه من سوريا

لم يكن لعاب رجال النظام ليسيل بشكل أقل من لعاب قادات الفصائل أمام المال وهم يرونه يتدفق كالنهر الجارف، ومن هنا دخل كبار الضباط ومن بينهم “العميد قيس فروة” على الخط، فنال إلى جانب مودة “أبو بحر” هدايا ثمينة منه، إن في صورة سيارات أو جوال ذهبي.

ومن هنا أيضا، وفق مصدرنا، بات جميع قيادات الفصائل متورطين بالفساد والخيانة، باستثناء اثنين: الأول هو “فهد المغربي” الذي اغتاله عناصر من “اللواء الأول” لأنه لم يكن راضيا عن المسار الذي اختطته القيادات، والثاني هو “أبو حمزة سريحة”، أما البقية من أمثال: أبو الطيب، أبو وليد، شجاع، أبو أمير، أبو محجوب، أبو أنس طه، أبو محسن الصالحاني،فارس الدمشقي، أبو محمود سريحة، أبو بهجت العشرة، أبو وليم، أبو سلمو الصالحاني، فرعون.. وغيرهم، فقد ساهم كل منهم بنصيبه في تدمير الثورة ضمن حي برزة، والمتاجرة بآلام الناس، ونهب الأموال، والوصول بالأمور إلى الدرك الأسفل من السوء تمهيدا لتقديم الحي لقمة سائغة للنظام، تحت ستار حمايته من الدمار، والخوف على حياة أهله وقاطنيه، الذين انتهى بهم المطاف إما مهجرين أو خدما لدى النظام، طوعا أو كرها.

وحول السبب الذي منع معظم القيادات وفي مقدمتهم: “أبو الطيب” و”المنشار” و”أبو بحر” من مغادرة برزة نحو الشمال ومنها إلى خارج سوريا رغم أن لديهم من الأموال ما يكفي لـ”يعيشوا” حياة مترفة، بدل أن ينضموا للنظام الذي يزجهم في الصف الأول للمعارك، قال المصدر إن هؤلاء الأشخاص لطخوا سجلهم بكثير من الأعمال الشنيعة، من نهب وخيانة للأرض والعرض، حتى إن أحدهم متهم بجريمة اغتصاب، وقد زاد تغولهم وحجم إجرامهم مع اشتداد الحصار على برزة؛ ما جعل نقمة الناس عليهم تشتد، وهذا على الأرجح ما دعا هؤلاء القادة لاختيار حضن النظام، وعدم الخروج مع قوافل المهجرين خشية من أن يلقوا جزاءهم على يد إحدى ضحاياهم.

ورغم أن أكثر من ثلثي قيادات اللواء الأول قد بقوا في سوريا، وتحديدا مناطق النظام، فإنهم أرسلوا جزءا من أموالهم مع “رفاقهم” الذين خرجوا، وقد بدأت بعض هذه الأموال تطل برأسها في تركيا، ومن ذلك على سبيل المثال قيام كل من: أبو محمود سريحة، أبو بهجت العشرة، أبو وليم، باقتناء بناء وسط اسطنبول القديمة، وافتتاح مطعم فيه، بينما افتتح “أبو محسن الصالحاني” محل فروج في إحدى ضواحي اسطنبول التي تشتهر بكثافة السوريين فيها.

أما “فرعون”، الذي كان لديه مكتب لتحويل العملات ببرزة، وكان بمثابة “خازن” اللواء الأول والمؤتمن على أمواله، فقد خرج أيضا مع من خرجوا وافتتح في تركيا مكاتب تحويل وأخرى لاستيراد وتصدير الزيوت.

وبخصوص سر تغاضي النظام عنهم، رغم أنهم قتلوا واختطفوا من عناصره ومؤيديه، قال المصدر إن النظام يعلم يقينا بما فعله أشخاص أمثال “أبو بحر” و”المنشار”، حتى وإن حاولا التذاكي ورمي كل التهم على “أبو سلمو الصالحاني”، الذي غادر مع قوافل الخارجين.. ولكن معرفة النظام بما فعله “أبو بحر” و”المنشار” تبقى عامة، أي إنه ربما يكون غير مطلع على التفاصيل، ومن إحدى أخطر هذه التفاصيل أن “المنشار” قام بتصفية مساعد في المخابرات الجوية هو ابن ضابط رفيع برتبة لواء، كان محتجزا في برزة، وربما أدرجه النظام في عداد لوائح المفقودين، لعدم علمه بمصيره.

ويختم مصدرنا الأول مؤكدا أن “أبو بحر” و”المنشار” و”أبو الطيب” وغيرهم من القيادات لم يكونوا ليرضوا بالانغماس في مستنقع الخيانة وحدهم، فجروا إليه نحو 800 شخص، باتوا في عداد المليشيات التي تدافع عن النظام، وتشد أزره في سبيل إعادة ابتلاع سوريا وسجن شعبها في أقفاص العبودية من جديد، وبشكل ربما يكون أسوأ من أي وقت مضى.

 



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع