أخبار عاجلة
الرئيسية » إقتصاد » العملات الرقمية المشفرة تهدد الهيمنة الأميركية / «روبل» مشفر / عملة مشفرة تدعى «بترو»

العملات الرقمية المشفرة تهدد الهيمنة الأميركية / «روبل» مشفر / عملة مشفرة تدعى «بترو»

أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عزم بلاده إصدار عملة مشفرة تدعى «بترو» للتغلب على «الحصار المالي» الذي تفرضه الولايات المتحدة. وقد يعكس هذا الإعلان أسلوب تفكير عدد من الأنظمة المتمردة الأخرى. ونظراً لقدرتها على إتاحة إمكانية للتغلب على العقوبات وتوفير سبيل للعمل خارج النظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، تبدو العملات المشفرة جذابة أمام الدول غير الغربية، بل وأكثر جاذبية أمام الأنظمة المارقة.
أما الغرب فيتعين عليه حسم أمره قريباً حول ما إذا كان سيعمل على إصدار تشريعات تقضي على وجود العملات المشفرة، أم سينضم إلى عالمها، الأمر الذي ربما يفقده هيمنته المالية العالمية.
يذكر أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات ضد فنزويلا ومصدر العائدات الرئيسي بها، شركة «بي دي في إس إيه» النفطية، الأمر الذي زاد الصعوبات أمام جهود فنزويلا لإعادة تمويل ديونها، والذي تحتاجه بشدة البلاد التي تقف على شفا الإفلاس. إلا أنه حال نجاح فنزويلا في طرح عملة مشفرة تكون للبنك المركزي لديها السيطرة الرئيسية عليها، فإنها ستتمكن بذلك من طرح ديونها في صورة هذه العملة، مع توفير ميزة حجب الهوية للمستثمرين. وبذلك، سيتمكن مستثمرون من إقراض المال إلى فنزويلا واستعادة أموالهم في صورة عملة مشفرة، الأمر الذي يحتاجه مادورو للإنفاق على النفط وسلع فنزويلية أخرى.
ومع ذلك، فإن الإخفاق الاقتصادي الفاضح الذي أبدته حكومة مادورو يجعل من العسير نجاح هذا المشروع الطموح، خصوصاً أن هذا الإخفاق قتل بالفعل عملة البلاد، «بوليفار»، عبر نسبة تضخم تبلغ 949 في المائة لهذا العام، حسب توقعات «بلومبيرغ».
والتساؤل المنطقي: ما الذي يضمن التزام قادة فنزويلا الاشتراكيين بحرص أكبر في إدارتهم للعملة المشفرة الجديدة؟ في الواقع، فإن القول إن السلعة الجديدة ستأتي مدعومة باحتياطيات سلع لا يعني بالضرورة أن المسؤولين سيمارسون قدراً أكبر من الحذر والحيطة في التعامل معها. إلا أن الملاحظ أن ثمة أفكاراً مشابهة طرأت لكيانات اقتصادية أخرى أكثر مصداقية، مثل السلطات النقدية الروسية التي تنوي إصدار «روبل» مشفر في المستقبل القريب، ويأتي ذلك في الوقت الذي تدرس فيه الولايات المتحدة فرض عقوبات ضد روسيا على غرار تلك القائمة ضد فنزويلا، وكذلك قائمة طويلة من كبار الأثرياء الداعمين للنظام الروسي.
من جانبهما، نشر زورا كاكوشادزي، من الجامعة الحرة بتبليسي، وكيم كيونغ سو ليو، من جامعة جونز هوبكنز، ورقة بحثية الشهر الماضي حول المميزات المحتملة لمثل هذه الخطة، التي يمكن تطبيقها على فنزويلا أو إيران أو كوريا الشمالية أو أي دولة أخرى تخضع لعقوبات. وأوضح الباحثان أن ميزة حجب الهوية التي يتيحها الروبل الشفري (فيما عدا البنك المركزي الروسي باعتباره مالك دفتر أستاذ العملاء) ستجتذب الراغبين في غسل الأموال والأثرياء الساعين لضمان سرية ثرواتهم، رغم عزم الحكومة الروسية فرض ضريبة دخل بقيمة 13 في المائة على أي ثروات بالروبل المشفر يعجز أصحابها عن تحديد مصدرها. إلا أن هذا يبقى ثمناً زهيداً مقابل ضمان السرية أمام الجهات التنظيمية الغربية.
بالنسبة لروسيا، فإن استحداث عملة مشفرة سيكون بمثابة تأمين في مواجهة التهديد المستمر بالطرد من شبكة «سويفت» البلجيكية للنقل السريع للأموال، مثلما الحال مع كوريا الشمالية الآن وإيران حتى إبرامها الاتفاق النووي عام 2015 مع الولايات المتحدة وروسيا وعدد من الدول الأوروبية. على أدنى تقدير، من شأن وجود دفتر أستاذ لدى البنك المركزي ضمان التنفيذ الفوري لتعاملات مالية داخل روسيا دون الحاجة إلى «سويفت».
في المقابل، فإن الاعتماد على عملات غير مركزية قائمة بالفعل مثل «بيتكوين» للتغلب على العقوبات، مثلما تفعل كوريا الشمالية على ما يبدو، ينطوي على مخاطر كبرى بسبب التقلبات الشديدة في هذه العملات، وغياب السيطرة المركزية عليها.
من ناحية أخرى، فإن صرف البترو الفينزويلي أو الروبل الروسي المشفر سيتطلب بعض التفاعل مع النظام المالي العالمي القائم بالفعل. وقد يجري ذلك من خلال بورصات العملات المشفرة الموجودة حالياً.
وحتى بالنسبة للدول التي لا تواجه خطر التعرض لعقوبات، فإن خلق عملات مشفرة خاصة بها، قد يمثل سبيلاً للتخلص من الهيمنة الغربية والتوقف عن الالتزام بالقواعد التي تحددها لهم واشنطن أو فرنكفورت أو لندن، خصوصاً عندما تبدو هذه القواعد مقيدة. جدير بالذكر أن الصين التي حاربت لسنوات من أجل نيل الاعتراف باليوان عملة احتياطية، تعكف حالياً على تجربة الاعتماد على عملة مشفرة.
من ناحيتهما، شرح كاكوشادزي وكيونغ سو ليو، أنه نظراً لما تعد به العملات الرقمية السيادية المشفرة من تعزيز للسرية، فإنها ستقوض النظام النقدي العالمي. وأشارا إلى أن «ثمة تغييراً يطرأ الآن على النظام العالمي بالصورة التي نعرفها، ذلك أن العملات المشفرة ستحدث خللاً بالوضع القائم. ومع هذا، فإنه على المدى المتوسط على الأقل، فإن الدول السيادية ذات التفكير التقدمي التي تقر وتكيف هذه العملات لمصلحتها سينتهي بها الحال إلى الاستفادة من هذا الخلل، وليس التضرر منه. في المقابل، فإن الولايات المتحدة مرشحة لأن تكون الدولة الأكثر تضرراً من هذه العملات، الأمر الذي يفرض عليها ضرورة حسم اختيارها الآن من بين ثلاثة بدائل؛ التكيف مع واقع متغير، أو إصدار دولار مشفر الآن، أو مواجهة مخاطرة التعرض للتهميش».
ومع هذا، فإن مثل هذه الخطوة الجريئة تعني التنازل عن بعض الأدوات التي تمتعت بها الولايات المتحدة كقائدة للنظام النقدي العالمي. المعروف أن واشنطن تمارس درجة من السيطرة على الشركات العالمية والحكومات لاستخدامها الدولار والنظام المصرفي الأميركي في تعاملاتها. بيد أن التحول إلى العملات المشفرة سيجرد النظام المصرفي الحالي بدرجة كبيرة من أهميته بالنسبة للتعاملات المالية، وسيصبح الدولار مجرد واحد من العملات المشفرة المتاحة – عملة مهمة، لكن ليست بالأهمية المحورية التي هو عليها اليوم. كما لن يكون باستطاعة واشنطن شن حملة صارمة ضد العملات المشفرة التي تديرها دول ذات سيادة مثلما فعلت عبر «باي بال» التي وفرت لبعض السنوات حاجز حماية لعدد من الكيانات الخاضعة لعقوبات.
ورغم ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تتحرك نحو حل مختلف، محاولة تنظيم تداول العملات المشفرة. وبمجرد أن تظهر العملات المشفرة السيادية، من المحتمل أن تكون هناك محاولات لتنظيم تحويلها إلى دولارات، وإن كان سيبقى من الصعب فرض هذه التنظيمات إذا ما اضطلعت كيانات «أوفشور» بدور مراكز التحويل.

ليونيد بيرشيدسكي *بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

المصدر: الشرق الأوسط