أخبار عاجلة
الرئيسية » ترجمات » شاهد عيان يروي الطرق التي ابتكرها المعتقلون لتهريب الأسماء خارج المعتقلات

شاهد عيان يروي الطرق التي ابتكرها المعتقلون لتهريب الأسماء خارج المعتقلات

ما تزال ذاكرة المعتقلين تحتفظ بالكثير من الممارسات غير الإنسانية لنظام الأسد وسجانيه وتعرض مجلة نيويوركر الأمريكية في لقاء، أجرته مع الصحفي السوري والمعتقل السابق “منصور العمري” لتجربته التي يكشف فيها عن الطريقة التي ابتكرها المعتقلون لتهريب الأسماء إلى خارج جدران المعتقلات ومعاناتهم ليجدو (الحبر) لكتابة الأسماء على خرق تم عرضها في معرض “سوريا: من فضلكم لا تنسونا” حيث صدمت الزوار واختزلت الكثير مما لا يستطيع الانسان روايته.

 عدوى تأكل لحمك!

تم القبض على منصور العمري في 2012، مع أكثر من اثني عشر شخصا آخرين يعملون في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في دمشق، ليمضي حوالي السنة في مركز اعتقال عسكري مؤلف من ثلاثة طوابق تحت الأرض، بدون نوافذ، وبمساحة صغيرة، لا تدخله أشعة الشمس ولا يسمح فيه بممارسة الرياضة.

تأرجح عدد المعتقلين في الزنزانة بين 60 و80 شخص في غرفة قذرة واحدة تبلغ مساحتها حوالي خمسة وعشرون قدماً مربعاً (7 أمتار ونصف). كان المعتقلون يتناوبون بوضعيات الجلوس، يقفون، أو يجلسون القرفصاء، ينامون على جوانبهم بعكس بعض، ويتقاسمون مرحاض واحد مؤلف من حفرة في المجاري. لم يكن لدى العمري إمكانية الحصول على المساعدة القانونية ولا أي وسيلة للتواصل مع عائلته، الضرب كان منتظم، مع انتشار للحشرات، الكدمات والجرب والجروح كانت ثابتة على أجساد المعتقلين.

“كانت الرائحة لا تصدق، المعتقلون، الجميع تقريبا، مرضى، لدى كل منهم بثور أو جروح. إنها عدوى تأكل لحمك بسرعة ” وأضاف العمري أنه خلال فترة سجنهم، لم يسمح لهم السجانين أبدا بتغيير ملابسهم.

نظم المعتقلون في زنزانة العمري أنفسهم بشكل غير رسمي ضمن مجموعات مؤلفة من أربعة أو خمسة أشخاص تتقاسم ثلاثة بلاطات في الزنزانة الواحدة، وكان العمري، خريج أدب إنجليزي في جامعة دمشق، واحداً من القليلين الذين استطاعوا التنقل بين مجموعات الزنزانة الواحدة، كان يدَرس اللغة الإنجليزية، بدون أقلام أو ورق للكتابة، استخدم المعتقلين شرائط من القمصان البالية وكتبوا الكلمات بأظافرهم “عندما لم تعد قادراً على ارتداء القميص الخاص بك، تحوله إلى قطع”، يقول العمري “ويصبح القميص ثمينا جدا”.

توثيق الأسماء

فكر العمري مع زميلين له بالمعتقل هما صحفي من داريا (نبيل شربجي) ومعتقل آخر آثر العمري حجب اسمه بسبب التهديدات الأمنية وسماه (الخياط)، العمل على توثيق أسماء المعتقلين “أخبرتهم، ما رأيكم إذا كتبنا أسماء جميع الناس، باعتبار أننا لا نستطيع حفظ كل أسمائهم؟ “.

وواجهتهم عدة مشاكل عند بدء العمل على تنفيذ المقترح بدءاً من معرفة الأسماء الكاملة والبلدات الرئيسية لعشرات المحتجزين المغيبين، دون أن يتم كشفهم بداخل الزنزانة لأنه “ربما يكون لديك مخبر أو شخص ما يخبر السجان” حيث يعتبر ذلك جريمة كبرى في عرف النظام قد تؤدي للإعدام تحت عنوان تسريب معلومات عسكرية في زمن الحرب. ولتجاوز مشكلة المخبرين استخدم العمري دروسه الإنجليزية القصيرة، كغطاء لعمله، مما يسمح له بالتنقل بين المجموعات وجمع الأسماء، أربعة أو خمسة في كل مرة.

التحدي الثاني والأصعب كان إيجاد وسيلة لكتابة الأسماء، حيث كانت شرائط الأقمشة الممزقة من القمصان البالية هي المادة الوحيدة المتوفرة كبديل للورق.، وبالنسبة للحبر، قاموا بتجربة حساء الطماطم الضعيف، لكنه نشف وتلاشى، وحاولوا استخدام الباذنجان الغامق للكتابة ولكن بقيت نفس المشكلة “وصلنا إلى نقطة حين قلنا جميعا: لقد فشلنا”.

بالدم والصدأ

خطرت ببال (الخياط) فكرة حيث طلب كيسا من البلاستيك والحصول على مثل هذا الكيس يعتبر أمراً غاية في الصعوبة يوضح العمري “كان الخبز يأتي إلينا في أكياس بلاستيكية، ولكن السجان يريد دائما هذه الأكياس، ويقوم بعدهم (للتأكد من عدم الاحتفاظ بهم من قبل المتعلقين)، لم يسمح لنا بأي شيء في الزنزانة، حتى الأكياس البلاستيكية.

ولكن في بعض الأحيان نتمكن من سرقة كيس أو قطعة منه، لأنه من المهم أن يكون هناك شيء نحافظ به على الأشياء التي لدينا مثل الملح” ويستخدم المعتقلون الملح لعلاج جروح بعضهم البعض من آثار التعذيب بعد الضرب “كان المعتقلون يمسكون بيد المعتقل ويضعوا قطعة من القماش في فمه من أجل الصرخات التي تصدر من المعتقل من شدة الألم بينما يقوم معتقل آخر برش الملح على الجروح، هذه هي الطريقة التي شفيت بها جروح بعضنا”، ولكن هذه الطريقة “أحيانا كانت فعالة وأحيانا لا”.

وبعد تأمين كيس بلاستيكي أخذه الخياط إلى المرحاض الصغير حيث قام بالضغط على لثته وعاد بالكيس وفيه القليل من الدماء، ويشرح العمري أنه وبسبب سوء التغذية والظروف الصحية الفظيعة، فإن العديد من المحتجزين كان ينزف “في أي وقت يبتسم أي شخص، ترى لون وردي على أسنانه” مضيفاً “كان دائما طعم الدم في أفواهنا”.

حاول المعتقلون كتابة أسمائهم بالدم، لكنه تلاشى أيضا، لذلك خدش الرجال الصدأ من قضبان الزنزانات وخلطوه بدم الخياط للكتابة به. وتقول الصحفية (روبن رايت) التي أجرت الحوار بأن العمري بدأ بالبكاء عندما روى هذا الجزء، وسألته إذا كان يريد التوقف لكنه أصر على إكمال سرد ما جرى.

وصنع الخياط ريشة من عظم الدجاج، ثم بدأ الصحفي الآخر شربجي، الذي كان يمتلك خط متقن، بكتابة الأسماء.

بحلول الوقت الذي انتهى فيه الفريق الصغير من العمل، كان قد تم كتابة هويات اثنين وثمانين رجلا على خمس شرائط صغيرة من القماش.

خرجت من الجحيم

أقترح الخياط، خياطة قطع القماش في ياقة وأكمام من واحدة من قمصان أحد السجناء، وتم اختيار قميص شربجي، وكان مخططاً بالأزرق والأبيض، خلعه شربجي بعد اعتقاله وأحتفظ به لارتدائه عند إطلاق سراحه، حيث كان قد خطب حينها وأراد أن يبدو بحالة جيدة عندما تقابله خطيبته بعد إطلاق سراحه.

وبسبب عدم وجود إبرة استخدم الخياط عظام الدجاج لسحب خيوط من الكم والياقة لاستبدالها بالأقمشة التي تحتوي على الأسماء التي تم توثيقها بالزنزانة، اتفق الخمسة: كل من خرج أولا سيرتدي القميص.

كان إطلاق سراح السجناء أو نقلهم نادرا ما يحدث، ولم يمنح المعتقلون سوى دقائق لمغادرة السجن عندما يتم استدعائهم من قبل السجان، بعد عشرة أشهر من اعتقاله، كان العمري أول من أطلق سراحه، وأخذ معه قميص شربجي.

ويصف العمري لحظة إطلاق سراحه بقوله “كنت أترك الجحيم”، وكان حينها فقد أكثر من خمسة وثلاثين كيلو من وزنه بسبب الاعتقال.

30 عائلة

أُطلق سراح العمري في فبراير / شباط 2013، وبعد عودته إلى المنزل، أخرج العمري شرائط القماش المخفية ولكنه لم يجرؤ على نشر قائمة الأسماء “إن النظام يعرفه ويعرف مكانه” وأضاف “أن ذلك من شأنه أن يضر بالناس الذين ساعدوني – والذين كنت أحاول مساعدتهم”.

بعد بعض الوقت، وبسبب الرطوبة والعرق تضرر القميص واختفت نصف الأسماء، بدأ العمري بهدوء الاتصال بالأمهات والأخوة والبنات والزوجات – من خلال الفاسبوك، ومن خلال لجان المعارضة المحلية المعارضة، كان عليه أن يكون حذرا، وإلا واجه السجن مرة أخرى باعتبار أن قضيته كانت ماتزال مفتوحة.

وبعد ستة أيام من إطلاق سراحه، فر العمري من سوريا بعد رشوة مسؤول عبر الحدود إلى لبنان. أمضى سنة في تركيا، ثم لجأ إلى السويد.

من المنفى، حاول عمري مسح الملابس واستخدام فوتوشوب لتغيير التباين وسحب الكلمات، وتمكن عبر تعديل تباين الألوان بالفوتوشوب من معرفة المزيد من الأسماء، وفي النهاية، وصل إلى حوالي ثلاثين عائلة.

وصمة عار

وصلت خمسة أقمشة إلى الولايات المتحدة هذا الشهر، وهي محور معرض جديد، مزدحم، “سوريا: من فضلكم لا تنسونا”، الذي افتتح في متحف المحرقة التذكارية (الهولوكوست) في واشنطن في 5 كانون الأول ديسمبر، والأقمشة موزعة بشكل منفصل ومغطاة في غرفة مظلمة لمنع الضوء من التأثير عليهم أكثر من ذلك، جاء العمري للافتتاح، حيث أجرت المجلة اللقاء معه.

وقالت جين كلينغر، كبيرة الإداريين في المتحف للمجلة إن المميز في الأمر هو حفظ الملابس دون تغيير في القصة “الأقمشة مهترئة، مجعدة. ملطخة هنا وهناك تملؤها الأوساخ والعرق” وأضافت “لن نقوم بتنظيفها، كل هذه التجاعيد، والبقع هي أدلة ووصمة عار، مسؤوليتنا هي المحافظة عليها، وليس التدخل لتنظيفها ومعالجتها”.

وعند سؤال كيلنغر عما إذا كانت عملت في الماضي على مشاريع مماثلة في متحف المحرقة قالت “لا لم أتعامل مع أي مادة خام كهذه، حتى أنه لا تزال جزء من القصة لم يكشف عنه حتى في الأخبار”.

راجعين يا هوا

يظهر العمري في مقابلة تعرض عند مدخل المعرض وهو يقول “عندما كنا نكتب، كان الأمر مجرد مسألة تسجيل الأسماء واستخدام اللغة والحروف والكلمات والأرقام، ولكن عندما تم الإفراج عني، وعندما أخذت الأقمشة معي، تغيرت علاقتي بها” فهي “لم تعد مجرد كلمات أو حروف فقط، تراودني أفكار في ذهني أن تلك الأقمشة هي قطع من أوراح المعتقلين”.

يقوم العمري في السويد الآن بنفس العمل الذي أدى إلى اعتقاله في سوريا تعقب “المختفين”، لـ “مراسلون بلا حدود”.

ويقول السكندرا الخازن رئيس قسم الشرق الأوسط لمراسلون بلا حدود عن العمري إنه”يعمل بلا هوادة محاولا التأكد أن الأشخاص الذين تعرضوا للاعتداءات، ولا سيما أولئك الذين ألقي القبض عليهم أو اختطفوا، لن يتعرضوا للنسيان”، ويقدر التقرير الأخير الذي أصدرته هيومان رايتس ووتش أن أكثر من 117 ألف سوري اعتقلوا أو اختفوا بين عامي 2011 و2016.

ووضعت مراسلون بلا حدود مقياس يسمى “القتل والاعتقال” وصل إلى 228 صحفيا، وصحافيا مواطنا، ومساعدا إعلاميا، قتلوا منذ عام 2011، حيث لا يزال العشرات محتجزين.

يتتبع العمري أيضا الرجال الذين تشارك معهم زنزانة “كلما أكلت، كلما رأيت الألوان، كلما رأيت الغابات والطبيعة، وأنا في كل وقت أتذكر معاناتهم، وأنا في كل وقت أتذكر أنهم ليس لديهم ما لدي الآن. وأتذكر كلماتهم. يقولون: “لا تنسونا”.

قال العمري إن ثلاثة من أصل خمسة في مجموعته (بما في ذلك الخياط مات في السجن)، وعلمت خطيبة شربجي (الشابة التي أحتفظ بالقميص لأجلها) أنه توفي في عام 2015، بعد ثلاث سنوات من السجن والتعرض للضرب الوحشي بشكل خاص.

الموسيقى التي تعرض في خلفية معرض متحف المحرقة هي “راجعين يا هوا”، الأغنية التي غناها شربجي في السجن والتي كانت تذكره بخطيبته.

ترجمة: أورينت نت