أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » حمزة رستناوي: الطائفيّة ,الديالكتيك والبرغماتية .. من منظور المنطق الحيوي ( حوار مع حمزة

حمزة رستناوي: الطائفيّة ,الديالكتيك والبرغماتية .. من منظور المنطق الحيوي ( حوار مع حمزة

حاوره : حكمت أبو حسون.

س1- يقول الياس مرقص ثمة مذهبان المذهب الجدلي والمذهب الوضعي ، ما رأيك بالمقولة و أين يقع المنطق الحيوي؟
ج1- لا تُصنّف نظرية المنطق الحيوي ضمن المذاهب الجدلية أو المذاهب الوضعية. الحيويّة هي فهم الوجود الكوني والاجتماعي كطريقة تشكّل ديناميكية , وليس كوجود جوهراني ثابت ، بغض النظر عن تسمية هذا الجوهر الثابت Substance: روح – مادة- مطلق- جنس- أخلاق – آلهة.. الحيوية نقيض الموت والقصور والجمود [ المنطق الحيوي : عقل العقل – ص 57]. المذهب الجدلي / الديالكتيكي سواء في الهيجلية Hegel’s Dialectical Idealism أو في الماركسية Marx’s dialectical materialism يقوم على فكرة الجوهر ولكن بشكل موارب، الجوهر في الهيجلية وثيق الصلة بالكلّي المُتعالي غير المتعيّن المُحرّك للتاريخ ، و يأخذ هذا الجوهر في الهيجلية أسماء مختلفة من قبيل الفكرة الكلية أو العقل الكلي أو روح الطبيعة أو روح الشعب ( وفقا لانحياز أوربي – جرماني ) . بينما الجوهر في الماركسية هو المادة والماديّة الديالكتيكية حيث يكون الوعي مجرد عرض ثانوي. تؤكّد المذاهب الجدلية / الديالكتيكية على صفة الحركية و دور تناقض الفكرة كمحرّك للتاريخ بينما من وفقا لنظرية المنطق الحيوي ” المسار الديالكتيكي في الفكرة التي تنتج نقيضها ومن ثم تركيب يشملهما معا هو مسار احتمالي قد يحدث في بعض أو كثير من الحالات , وهو ليس بمسار حتميّ يعبّر عن غائيّة يمكن أن نطلق عليها مسمّيات من قبيل منطق التاريخ و عقل الكون! في المادية الديالكتيكية نجد نضال الاضداد و وحدة المتناقضات و نفي النفي. النمطية هنا واضحة جدا, فالتضاد والتناقض بين الاشياء هي حالة لها أسبابها ينبغي دراستها [ الأيديولوجيا الحيوية – ص15-16] بينما الصراع في المنطق الحيوي هو أحد احتمالات الوجود ، هو حالة يمكن تفسيرها ومقايسة حيويتها ، حالة مشمولة في احتمالات مربع حال المصالح ، حيث يشمل : العزلة – الصراع – التعاون – التوحيد. للتوسع يمكن مراجعة [ الغريب النجس في الخطاب السياسي – الفصل الخامس : ديالكتيك هيجل و التأسيس العنصري للسياسة ] المذاهب الوضعية – خصوصا الوضعية المنطقية Logical positivism – هي خطوة مهمة في تطوّر فلسفة العلوم عموما. تنفي هذه الفلسفات وجود بُعد عقائدي – ميتافيزيقي للكينونة الاجتماعية ، وتعتبر الحديث عنه بدون معنى و قيمة ، ولا تعطي أي اجابة حول سؤال هوية الكائن و الكون ، و تعتبر ذلك مجرد سفسطة ومضيعة للوقت. بينما يقدّم المنطق الحيوي اجابة مُحدّدة تقول بأنّ الكون / الكائن هو شكل حركي احتمالي احتوائي نسبي، لا ينفي المنطق الحيوي وجود بعد عقائدي – ميتافيزيقي للكينونة الاجتماعية ، ولا يهمل تأثير هذا البعد في تشكّل الكينونة الاجتماعية نفسها و تفاعلها مع المحيط الحيوي . و في سياق المقارنة ما بين المذاهب الوضعية و نظرية المنطق الحيوي لابأس من استحضار مفهوم البرهان الحيوي. البرهان الحيوي هو برهان ثلاثي الجذور: برهان الحدوث ( التجريبي) – برهان الفطرة ( أولويات الحياة والعدالة والحرية ) – برهان وحدة المعايير. الفلسفات الوضعية وخصوصا البرغماتية Pragmatism تهتم فقط بنتائج الأفكار وتغفل دور مصدر وسياق هذه الأفكار، بينما المنطق الحيوي يرى أنّ كل نتيجة هي سبب وكل سبب هو نتيجة ، ولا يفصل الكائن عن المصالح والصلاحيات التي يتحوّاها ويعرضها هذا الكائن، الأفكار أيضا في المنطق الحيوي هي مصالح و صلاحيات يمكن مقايسة استنادا الى تقنية وحدة مربع المصالح بالاستناد الى مرجعية البداهة الحيوية الكونية للمصالح المشتركة ، بينما لم تطوّر المدارس الوضعية بما فيها البرغماتية أي تقنية قياسية في هذا الشأن. البرغماتية لا تقول بوجود معايير مُحدّدة عامة للأخلاق تضبط حدود المنفعة، فالأخلاق من وجهة نظر برغماتية متغيرة وهي مجرّد انعكاس لوضع المجتمع وتطوره ومصالح أفراده. فالعبودية كانت قيمة أخلاقية في عصر معين بينما أصبحت لا أخلاقية عقب ظهور المجتمع الصناعي وتطور سياسي معيّن ( توماس جيفرسون) بينما يؤكد المنطق الحيوي على معايير فطرية برهانية عامة هي أولويات الحياة والعدل والحرية ، معايير سارية البداهة وملزمة لكل الناس والمجتمعات عبر العصور، و يفسر المنطق الحيوي خرقها وعدم الالتزام بها بسبب وجود عائق – مادي أو معنوي- يمنع سريان هذه الأولويات دون أن يشكك بوجودها، فالعبودية – بغضّ النظر عن العصر والمجتمع – لا يمكن أن تكون قيمة أخلاقية و مقبولة ، بقرينة أنّ كل انسان – بما فيهم الفلاسفة – يرفض أن يكون عبدا .

س2- في تطبيقك للمذهب الحيوي على موضوع الطائفة والطائفية نلاحظ الدوران حول فكرة الانغلاق التي أراها جوهرا تتميز به المذاهب الإيمانوية و الأيديولوجيات بشكل عام ،حيث ان أي فئة أيديولوجية او صاحبة نحنويّة متخمة حسب ماكس فيبر ،هي مغلقة على نفسها بطبيعة تكوينها الاولي وباتت جوهر تتميز به ، فجميع المذاهب الأيديولوجية عدمية تتنكر للآخر و تعتبر نفسها الفرقة الناجية إن كانت ذات أصل ديني أو صاحبة الحقيقة الكلية ان كانت ذات منشأ سياسي اجتماعي. هل يمكن لك ان توضح اكثر عن الانغلاق المُعتقدي وفق المنطق الحيوي؟
ج2- في تقنية وحدة مربع المصالح ISU ) Interest Square Unity ( يوجد أربع قيم حيوية ، يمكن ترتيبها تصاعديا ، القيمة الحيوية رقم 1 هي العزلة حيث تتوافق مع الانغلاق والتوتر المنخفض، القيمة الحيوية رقم 2 هي الصراع حيث تتوافق مع الانغلاق مع التوتر المرتفع . القيمة الحيوية رقم 3 هي التعاون أي انفتاح مع توتر منخفض، و أخيرا القيمة الحيوية رقم 4 هي التوحيد أي الانفتاح مع توتر مرتفع. المنطق الحيوي لا ينظر الى مصالح الانغلاق والعزلة على أنها خطأ أو شتيمة. العزلة هي الدرجة الحيوية الادنى لأي مصالح و لكنها لا تخلو من حيوية ولا يعني انها مضادة بالضرورة للحيوية طبعا ان لم تكن سلبية لأصحابها ومحيطها ،بل هي تعني اقتصادا منكمشا يوفر الجهد ويخفف ايقاع المصالح في حدود دنيا ، و قد تكون حالة ضرورية بحكم السياق السياسي الاجتماعي الخ . لا يوجد مصالح او كينونة هي فقط و دائما انعزالية ،فكل كينونة و كل مصلحة تتراوح ما بين هذه القيم الاربعة وتتنقل بينها . كل فلسفات الجوهر و الأيديولوجيات الشمولية تدّعي وجود جوهر ثابت لها، أرسطو هو أول من أسس نظريا لمفهوم الجوهر ، و هو – وفق ارسطو – هو الماهية ، الموجود القائم بذاته المستغني عن غيره ، فهو الذات القابلة لتوارد الصفات المتضادّة عليها أي الأعراض.
إنّ الايمان بالفهم الجوهراني للهوية – سواء أكان الكائن ماديا أو معنويا- يحوّل العنصرية الى جزء اصيل من هوية الكائن ، و نصبح أمام عقائد الفرقة الناجية و شعب الله المختار والحزب القائد و ديكتاتوريّة البروليتاريا ..الخ . الفهم الجوهراني الانغلاقي للدين كان شائعا عبر التاريخ البشري و لكن الزمن تغير ، هناك مستجدات ينبغي اخذها بعين الاعتبار ربطا ثقافة ومصالح العصر الذي نعيش فيه. كيف نحكم على مصالح دينية أو سياسية بأنها عنصرية ؟ منطق الجوهر الثابت هو الجذر المنطقي للعنصرية ، في العنصرية يوجد مصالح او قضايا غير برهانية أو ناقصة أو منافية للبرهان تفرض نفسها على الآخرين ، المشكلة هي في محاولة إلزام الآخرين بما لا يلزمهم بداهة وبرهانا. شخص يؤمن بأن القرآن الكريم – أو أي كتاب مقدّس آخر- كتاب مُنزّل من الله تعالي وكتاب خالد نقول له هذا حقّك و يدخل ضمن نطاق حرّية المُعتقد. و لكن هذه قضيّة مُختلف عليها منقوصة البرهان – بمقياس عامة الناس عبر العصور – وايمانك موضوع احترام مالم تُلزم الآخرين به ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُ) . الدليل الأهمّ على عدم وجود جوهر ديني أو طائفي هو ببساطة أنّ كل ايمان ديني أو انتماء طائفي ما هو إلا فعل مُكتسب بفعل التربية من الأسرة والمجتمع والبيئة ، وكل تغير في سياق الكينونة الاجتماعية البشرية من جهة الزمان أو المكان أو الحوادث السياسية سوف ينعكس تغيّرا في خيارات الانسان العقائدية، وهذا ليس باكتشاف جديد ! بل هو معروف للناس والدارسين عبر التاريخ ، و لكنّا بحاجة دوما إلى استعادته و التذكير في المجتمعات التي تنتشر فيها لوثة الايمان الانغلاقي.. بغية تحرير الايمان من القصور الكائن .. باتجاه ايمان انفتاحي حيوي يُسعد الإنسان ويفيد المجتمع

س3- أليست مبادئ المنطق الحيوي هي نفسها مبادئ نظرية العلوم الحديثة ( الحركة وحدها المطلق، النظرية النسبية الحديثة ، مبدأ عدم التعيين لهايزنبرغ أو السلوك الثنائي للجسيمات الاولية ) وبالتالي يقوم المنطق الحيوي بإضفائها على المجتمع والانسان العاقل بتجرد و اغفال ميزة التفكر وانعكاساتها على المجتمع، من خلال قدرة الانسان الذاتية على الفعل و انتاج الافكار وبالتالي تغيير الواقع ضمن رغباته.؟!
ج3- مبادئ القانون الحيوي هي مبادئ مُستمّدة نظرية العلوم ، هذا صحيح إلى حدّ كبير فهي لم تولد من فراغ ، بل باستقراء و دراسة أبستمولوجيا العلوم ، إنّ عملية تطبيقها بشكل آلي او تعسفي على الانسان والمجتمع هو محذور يجب التحوّط له. لكن يوجد لدينا نقطتين يجب الوقوف عندهما. أولا- طبيعة مبادئ القانون الحيوي نفسها، الكائن سواء أكان انسانا أو كاسا أو حُبّا أو قمرا هو شكل وليس جوهر وهو طريقة تشكل لأبعاد وجود هذا الكائن ، نعم لا يوجد جوهر ثابت يميز الانسان ، و لكنّ بالتأكيد يوجد ما يُميِّز الانسان عن غيره ، لا ينبغي مُساواة الانسان بالكأس ، ولا ينبغي النظر الى الانسان من زاوية علم الميكانيك و مثالها النظرية السلوكية في علم النفس ، ولإيضاح الفكرة سأمثّل عليها بالكأس ، فالكأس له بعد زماني ،بعد مكاني ، بعد مادي فيزيائي ..الخ . للإنسان أيضا أبعاد زمنية ومكانية ومادية فيزيائية.. الخ. لكن الانسان يتميّز بأبعاد اضافية تناسب الشكل الانساني ، منها مثلا البعد العقائدي ، حيث لا يمكن تجريد الانسان من بعده العقائدي ليصبح مثل الكاس بلا عقيدة ودين! وجود البعد العقائدي عند الانسان هو ما يجعلنا نناقش موضوع الطائفية والصراع الطائفي والأديان و هذا غائب عن عالم الكاسات ، ومن أبعاد الشكل الانساني أيضا البعد العلمي الرمزي وضمنا اللغة وهذا ما يقتضي خصوصية أخرى للإنسان مقارنة بعالم الجمادات ..الخ. القوننة الحيوية لها شقين ، الأول هو القوننة الحيوية الكونية وهي تنطبق على كل الكائنات جميعا بما يشمل الجمادات و النباتات و الحيوانات وصولا إلى الانسان. أما الشق الثاني فهو القوننة الحيوية الاجتماعية ، وهي تعينٌ خاص بالكينونة الاجتماعية البشرية. الانسان والكأس والقمر والحب كلّها أشكال حركية احتمالية ، مثلا ،الإنسان في اللحظة التي يموت فيها ويتحول الى جثة، سوف يفقد البعد العلمي الرمزي، ويفقد البعد العقائدي الديني، فليس ثمّة دين لجثة هامدة!

*جاء هذا الحوار ضمن فعاليات منتدى الجبل الثقافي ، ندوة ( الطائفية من منظور المنطق الحيوي- حمزة رستناوي ) ، 18- ديسمبر 2017
مراجع مفيدة للتوسع:
– المنطق الحيوي: عقل العقل , رائق النقري, باريس 1987 ( أطروحة دكتوراه من جامعة باريس ) – الغريب النجس في الخطاب السياسي [ الثورة / الحرب السورية ما بين الحيوية و العنصرية ] حمزة رستناوي، دار كتابوك ، باريس ، 2017
– في البحث عن منطق الحياة ( منطق الأم التي تحب أولادها وتكره الفلاسفة) حمزة رستناوي ، دار فضاءات ، عمّان 2018

المصدر: موقع معابر



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع