أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » استهداف “حرية التعبير” في لبنان… هل تزايد القمع أم أن رؤيته باتت أوضح؟

استهداف “حرية التعبير” في لبنان… هل تزايد القمع أم أن رؤيته باتت أوضح؟

“لقد منّ الله علينا بثلاث عطايا نفيسة في هذا البلد: حريّة التعبير، حريّة التفكير، والحكمة في عدم ممارسة أي منهما أبداً”. تصلح عبارة الكاتب والصحافي الأمريكي الساخر مارك توين هذه لوصف حال اللبنانيين في بلدهم.

وقد يُضاف حالياً إلى العطايا الثلاث التي ذكرها توين رابعة هي التباس الخط الفاصل بين الفعل التعبيري والفعل الجرمي، والقفز بخفة بين الاثنين، وهو ما يمكن أن يلاحظه بسهولة المتابع لوقائع الدعاوى المرفوعة خلال العام الماضي، وخاصة في الآونة الأخيرة، بسبب رأي.

نظرياً، الفرق واضح بين أن تكره رأي أحدهم وبين أن يكون هذا الرأي مهيناً ومتضمناً لعناصر الفعل الجرمي. وحتى حين الاشتباه بتضمّن رأي ما جرم القدح والذم، فإن متابعة القضية خارج القضاء المختص تفتح على إشكالية أخرى خطيرة، بينما يشكل تهديد سلامة المتهم بالقدح والذم خروجاً بالكامل عن الحد الأدنى من ضرورات “دولة القانون”.

واقعياً، يبدو وكأن هناك “شبحاً” لبنانياً، بأذرع طويلة ومتعددة، يعمل جاهداً على محو كل الفوارق، وصناعة معايير اللون الواحد، معطياً لنفسه الحق الحصري في تحديد المقبول في حريّة التعبير من عدمه.

وبممارسته هذا الفعل، يفتح “الشبح” المجال أمام أيٍّ كان ليطالب بسجن وقمع “الآخر”، أي آخر، لأن رأيه لا يعجبه.
كوميديا، سياسة، شعر… لا فرق

آخر ما سجّله عدّاد الدعاوى المتسارع مؤخراً كان طلب مدعي عام التمييز في لبنان سمير حمود الادعاء على مقدم برنامج “لهون وبس”، الكوميدي هشام حداد، وذلك على خلفية “تعرّضه لموقع ولي العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان ورئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري”، في حلقة من برنامجه عُرضت مطلع يناير الحالي.

ما أثار استغراب مقدم البرنامج ومعه الشركة المنتجة “شوت بروداكشن” ومحطة “أل بي سي” التي تعرضه لم يكن الدعوى بحدّ ذاتها، فـ”في هذا النوع من البرامج، أي البرامج الساخرة، ثمة إمكانية دائمة للوقوع في ثغرات قانونيّة في المضمون”، ولكنه مضمون هذه الدعوى، بحسب ما قال لرصيف22 صاحب الشركة المنتجة الصحافي فراس حاطوم.

في الحلقة المذكورة مقطعان تحرّك على أساسهما المدعي العام. الأول، يسخر فيه حداد من نصيحة “المنجّم” ميشال حايك لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بـ”عدم تناول الوجبات السريعة”.

 

وفي الثاني، يمازح حداد رئيس الوزراء سعد الحريري في فيديو يظهر فيه الأخير أثناء احتفالات رأس السنة التي رعاها في وسط بيروت.

ويُضاف إلى المقطعين “ركن ثالث” في الدعوى يتعلّق بالأمين العام لتيّار المستقبل أحمد الحريري.

وقد أحالت النائبة العامة الاستئنافية، القاضية غادة عون، هذا الادعاء إلى محكمة المطبوعات استناداً إلى المادة 23 من المرسوم الاشتراعي 104/77 والتي تنص على أنّه “إذا تعرّضت إحدى المطبوعات لشخص رئيس الدولة بما يعتبر مسّاً بكرامته، أو نشرت ما يتضمّن ذماً أو قدحاً أو تحقيراً بحقّه أو بحق رئيس دولة أجنبية، تحرّكت دعوى الحق العام بدون شكوى المتضرّر”.

ومع ذلك، يوضح حاطوم أن قناة “أل بي سي” التي تبث البرنامج كل ثلاثاء قد اتصلت بالسفير السعودي في لبنان وبكل من سعد وأحمد الحريري فأبدوا صراحة عدم انزعاجهم مما بُثّ.

وهكذا، وفق حاطوم، يبدو الأمر وكأن الهدف هو رفع دعوى على حداد والبرنامج، لكن “الشخص الذي عمل على الموضوع يبدو كسولاً بحيث لم يحمّل نفسه عناء البحث أكثر عن سبب منطقي لربط شكواه “باسكتشات قد تحتوي على خرق فعلي للقانون”.

يُذكر أن الشخصيات الثلاث التي اتُّهم حداد بالإساءة إليها، لا واحدة منها تتبوأ منصب رئيس دولة أساساً.

وكان الإعلامي مارسيل غانم، الذي يقدم برنامج “كلام الناس” في القناة نفسها، قد واجه ادعاء وزير العدل سليم جريصاتي عليه وعلى مدير أخبار القناة جان فغالي وصحافييْن سعوديين استضافهما خلال أزمة احتجاز الرئيس الحريري في السعودية في نوفمبر الماضي.

وأثارت القضية جدلاً واسعاً حول مسؤولية غانم عن رأي الضيفين السلبي تجاه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون. وانقسمت الآراء بين مَن وصف مقدم البرنامج بأنه مرتهَن وبين مَن رأى أن القضية تحرّكها كيدية سياسية.

وفي قضية أثارت الجدل كذلك حول إفراط السلطة السياسية في استخدام القضاء المدني والعسكري ضد كل من يمسّ بالتركيبة الحاكمة الحالية، حكمت المحكمة العسكرية على الصحافية والباحثة حنين غدار، المقيمة في واشنطن، غيابياً، بالسجن لمدة ست سنوات.

وكان السبب تسجيل لها في إحدى الندوات تقول فيه إن الجيش اللبناني يميّز بين إرهاب سنّي وإرهاب شيعي، معتبرة أن المؤسسة العسكرية تغض النظر عن النوع الثاني.

الرأي الذي عبّرت عنه غدار يعود إلى عام 2014، لكنه ظهر على الساحة مجدداً ليبدو وكأنه تصفية حساب عن انتقاد قديم لظهورها بجانب باحث إسرائيلي.

ومع قضية غدار، تجدد النقاش حول محاكمة مدنيين أمام المحكمة العسكرية.

وعلى مقلب آخر، سُجن الشاعر مصطفى سبيتي بسبب بوست فيسبوكي شعري اعتُبر مهيناً للسيدة العذراء. اعتذر الشاعر عمّا كتبه لاحقاً بحجة أنه كان في حالة سكر وظروفه صعبة، وطلب المسامحة كما سامح المسيح “من أساؤوا إليه”، ومع ذلك، أمضى حوالي أسبوعين في السجن.

بين الكوميديا والسياسة والشعر فوارق عديدة، وكذلك الحال في القضايا المذكورة أعلاه بحيث لا يمكن مقاربتها من منظار قانوني واحد.

لكن الفرق الزمني البسيط بين كل تلك القضايا المذكورة، إضافة إلى قضايا أخرى طالت صحافيين وناشطين كـأحمد اسماعيل وأحمد الأيوبي وفداء عيتاني وديما صادق، مروراً بقضايا ذات طابع سياسي محدد كقضية الصحافي محمد زبيب، خلق انطباعاً بأن صدر السلطة يضيق، بينما تتسع رقعة القمع والكيدية.

وعزّز هذا الانطباع منع أفلام ومطالبات بمنعها سواء لأسباب ترتبط بالعداء لإسرائيل، أو لأسباب دينية كحذف 15 مشهداً من فيلم “مولانا”، أو لأخرى اجتماعية كما في حالة فيلم “بيت البحر” لروي ديب.

لا تجمع تلك القضايا محددات قانونية مشتركة، لكن تكثفها في فترة زمنية قصيرة، في ظل واقع سياسي يشهد تغيّرات، منذ انتخاب رئيس الجمهورية الحالي، دق ناقوس الخطر.

تزايد القمع أم رؤيته باتت أوضح؟

والسؤال: هل يتزايد القمع فعلاً مؤخراً أم أن رؤيته باتت أوضح فقط؟ يقول الباحث في منظمة “هيومن رايتس ووتش” بسام خواجة إن الجواب ليس حاسماً في هذا الشأن.

بحسب خواجة، ثمة اعتقاد بأن القضايا تتزايد، ولكن الجواب بيد وزارة العدل التي لم تكن شفافة بشأن العدد، في حين أن المشكلة تكمن في القوانين المرعية الإجراء حالياً وفي استنسابية الملاحقات التي قد تطال ناشطاً أو صحافياً بسبب رأي ما، بينما لا تقترب من آخرين لديهم الرأي نفسه.

ويلفت خواجة إلى العديد من التقارير التي أعدتها المنظمة، ومن بينها تقرير رصد محاكمة مدنيين بطريقة غير قانونية أمام المحكمة العسكرية.

من جهته، يحيلنا المحامي نزار صاغية إلى مشكلات عديدة ينبغي الانطلاق منها لمقاربة مسألة حرية التعبير في لبنان، ومنها “عدم استقلالية القضاء”.

يشير صاغية إلى مثال “النيابة العامة التمييزية التي لطالما كانت على تفاعل تام مع المصالح السياسية، وبالأحرى كانت بوقاً للمصالح السياسية”، لافتاً إلى أنه “يحق للنائب العام التمييزي أن يعطي أوامر لكل النيابات العامة”.

في المقابل، لا يرى المحامي نزار صاغية أن الوضع الحالي استثنائي، فـ”حرية التعبير مشاكلها كثيرة، قد تزيد خلال مراحل واستحقاقات معينة وتنقص خلال مراحل واستحقاقات أخرى”.

ويضيف صاغية أن “المشكلة هي في ضيق صدر الأفرقاء السياسيين الذين يشعرون أن مشروعيتهم تضعف، فيحاولون الحفاظ عليها من خلال تضخيم الأمور، والدخول في قضايا القدح والذم وغيرها”، ويتابع: “اليوم في ظل التنافس الانتخابي المحتدم، تزيد تلك الأمور فجاجة”.
الجانب المظلم لحرية التعبير

“أنا لست ضد القانون، ومؤمن بأن ليس كل شيء مباحاً في الإعلام التقليدي وعلى وسائل التواصل الإعلامي”، يقول حاطوم مضيفاً أن “مَن يقول مثلاً إن ‘الستاتوس مش جريمة’ لست معه، فأول المتضررين من موقف مماثل هو الإعلاميين الذين قد يتعرّضون للقدح والذم والتهديد”.

لا إجابة محددة لدى حاطوم بشأن الهدف من هذه الحملات، لا سيما وأنه في “جميع الحالات المعركة خاسرة لمَن بدأها، فهذا النوع من المعارك يقوّي الطرف المستهدَف ويكسبه التعاطف، وهذا ما حصل عليه هشام حداد مثلاً خلال اليومين الماضيين”.

قد يقول البعض إن الهدف من حملات مماثلة هو إنهاك المؤسسات الإعلامية بالدعاوى القضائية إلى حين يحين موعد الانتخابات النيابية فتنشغل بها وتصير أكثر حذراً.

ولكن هذا الرأي نتائجه معروفة سلفاً، إذ لم نرَ مؤسسة إعلامية ضعفت حين رُفعت دعوى عليها أو سُجن أحد صحافييها، بل على العكس يكسبها ذلك دعماً ونسب مشاهدة مرتفعة.

البحث عن الهدف أو الأهداف من وراء تلك الحملات ضروري اليوم، والتصدي لميل السلطة إلى القمع ضروري جداً، كما تبدو ضرورية إعادة البحث في مصطلح “حرية التعبير” نفسه.

فلهذه الحرية التي لا يجب التخلي عنها وجه مظلم تناولته دراسات وأبحاث كثيرة. وفي بلد كلبنان تحكمه المصالح وأهواء الممولين، يحتاج المفهوم إلى مقاربة جديدة تحرره من الاستنسابية، خاصة أن بعض الصادرحين بآراء تتضمّن عناصر جرمية لا يُحاسَبون.

المصدر: رصيف 22