أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الأزمة الأوكرانية الروسية في سنتها الحاسمة: الحرب الشاملة واردة

الأزمة الأوكرانية الروسية في سنتها الحاسمة: الحرب الشاملة واردة

عامٍ 2018 سيكون مفصلياً بالنسبة لأوكرانيا وحرب روسيا من خلال انفصاليي المناطق الشرقية الموالية لموسكو. اعتاد الروس في حروبهم في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، على الضرب قبل التفاوض، لتسير المفاوضات وفق شروطهم. واعتادوا أيضاً على رفع سقف شروط التفاوض إلى الحدّ الأقصى، بما يكفل لهم البقاء متقدمين بخطوة على الغرب. وفي هذا الصدد، جاءت تحرّكاتهم الأخيرة في الملف الأوكراني، في سياق استكمال الاستعدادات لكل الاحتمالات، بما فيها اجتياح أوكرانيا.

بعد اعتبار الملف السوري “شبه منتهٍ عسكرياً” بالنسبة لموسكو، وبدء المرحلة السياسية، انطلاقاً من مؤتمر سوتشي، باشر الكرملين عملية توجيه الأنظار إلى أوكرانيا. ففي يومي 5 و6 يناير/كانون الثاني الحالي، تعرّضت القاعدة الروسية في حميميم السورية، لهجمات بطائرات من دون طيار “الدرونز” مزوّدة ذخائر. على الأثر أفاد رئيس “إدارة صناعة وتطوير منظومة استخدام الطائرات المسيّرة” في هيئة الأركان العامة الروسية، اللواء ألكسندر نوفيكوف، أن “المادة المتفجرة في ذخائر الطائرات كانت تحتوي على مادة (تي اي إن)، التي تُصنع في عدد من البلدان بما في ذلك في أوكرانيا”. فكان شبه اتهامٍ روسي لأوكرانيا.

بعدها ارتفعت حدّة المعارك في حوض دونباس (لوغانسك ودونيتسك) بين الانفصاليين والحكومة الشرعية في كييف. سقط عدد من القتلى، في خرقٍ جديد لاتفاقات مينسك. ومع سقوط نحو 10 آلاف قتيل ضحية الصراع الذي نشب في مارس/آذار 2014، فإن الانفصاليين باتوا أقرب إلى تأمين انتصار محتمل يؤدي إما إلى اقتطاع جزء من أوكرانيا ضمن دولة مستقلة في الشرق الأوكراني، أو إلى استيلاد حلّ فدرالي يسمح لحوض دونباس في حكم نفسه، بصلاحيات واسعة.

وفي خطوة تستبق أي حلّ سياسي أو عسكري، دفعت روسيا بـ40 ألف جندي لها إلى منطقة روستوف، المحاذية لحوض دونباس، للمكوث فيها بشكل ثابت. مع العلم أنه في السابق، كان وجود هذا العدد الضخم من الجنود، يحصل فقط في مناورات عسكرية مرحلية.

وللتأكيد على التجهيزات الروسية، عمدت موسكو لنشر الوحدة الثانية من منظومة “إس ـ 400” قرب مدينة سيفاستوبول، الواقعة غربي شبه جزيرة القرم، التي ضمّتها في ربيع 2014. وسبق لروسيا أن نشرت منظومة أولى في فيودوسيا شرقي شبه الجزيرة عينها، في ربيع 2017. وجود المنظومتين، غرب القرم وشرقها، يهدف للسيطرة على امتداد أجواء السواحل الأوكرانية، وصولاً إلى تأمين انتهاء أعمال جسر كيرتش، الواصل بين منطقتي كراسنودار الروسية وشبه جزيرة القرم، والمقرر في شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل. وسيكون الجسر، بطول 19 كيلومتراً، بمثابة شريط حيوي للقرم مع البرّ الروسي، واستطراداً، يقفل بحر آزوف الأوكراني أمام حكومة كييف، ليُصبح مرور أي سفينة أوكرانية من هذا البحر، إلى البحر الأسود، خاضعاً بالكامل للسيطرة الروسية. بالتالي لن يعود لكييف سيطرة سوى على مرفأ أوديسا، والتي يبدو النفوذ السياسي فيها لليمين المتطرف، القادر على زعزعة الوضع الأمني هناك، بمعزل عن التدخلات الروسية. ثم إن أوديسا تحت “مرمى نيران” إقليم ترانسنستريا المولدافي، والذي تملك روسيا تأثيراً كبيراً عليه.

فضلاً عن ذلك، فإن الخطوات السياسية غير مشجعة للوصول إلى حلّ سلمي حاسم في أوكرانيا. الوضع الاقتصادي في كييف بات أصعب من ذي قبل، خصوصاً مع ارتفاع الضريبة على السجائر، بنسبة 18 في المائة، “بغية دعم الخزينة والتخفيف من التضخّم الذي بلغ 0.7 في المائة في الشهر الأخير”، وفقاً لنائب رئيس المصرف الوطني الأوكراني، دميتري سولوغوب. ويفيد التاريخ بأنه سبق أن أدى ارتفاع أسعار الكحول في بولندا إلى بروز حركة “التضامن” في أواخر سبعينيات القرن الماضي، في مواجهة الحكومة المدعومة من الاتحاد السوفييتي في حينه، وهو أمر أفضى إلى اهتزاز المنظومة الشيوعية في الشرق الأوروبي. كما أن المبعوث الأميركي الخاص إلى أوكرانيا كورت فولكر، بدأ جولة سياسية في شرق أوكرانيا وكييف، ثم التقى فلاديسلاف سوركوف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لقاء قال عنه المتحدث الإعلامي باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إنه كان “لقاءً عادياً فقط”.

عدا ذلك، أعلن وزير الخارجية الأوكرانية بافلو كليمكين، أن “كييف ألغت 35 اتفاقية موقعة مع روسيا في مختلف المجالات في السنوات الأخيرة”. وأوضح أن “الاتفاقيات التي تم إلغاؤها كانت مبرمة بين حكومتي البلدين وكل هيئاتهما وعلى مستوى رئاستيهما”، في إشارة إلى عهد الرئيس المخلوع، فيكتور يانوكوفيتش. وكشف كليمكين أن “السلطات الأوكرانية تنوي إلغاء 8 اتفاقيات أخرى في الفترة القريبة المقبلة”. مع العلم أن ألمانيا، ومنذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول استثمرت في الاقتصاد الأوكراني بـ1.8 مليار دولار، منها 1.1 مليار دولار في قطاع الصناعة، حسب ما أفادت به وزارة التنمية الاقتصادية والتجارة الأوكرانية. وإنتاج قطع غيار ومكونات السيارات، هو أساس الاستثمار، ما أدى إلى توفير حوالى 3 آلاف فرصة عمل. كما ارتفع حجم التجارة الثنائية بين أوكرانيا وألمانيا خلال 9 أشهر من عام 2017 بنسبة 27 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2016، وارتفعت الصادرات الأوكرانية إلى ألمانيا بنسبة 23.1 في المائة بقيمة 1.6 مليار دولار. وهو أمر “جميل” لكييف أن تأتيها النجدة من برلين، التي سبق أن أنقذت أثينا سابقاً. لكن ألمانيا اعتادت على تقاسم النفوذ في الشرق الأوروبي مع روسيا. بولندا شاهدة على ذلك.

الآن، إذا أراد الروس التحرّك، فسيكون ذلك بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 مارس/آذار المقبل، وبعد الانتهاء من فعاليات كأس العالم لكرة القدم، المقررة بين 14 يونيو/حزيران و15 يوليو/تموز المقبلين. كما يريدون الانتهاء من الملف الأوكراني، استدراكاً لأي خطوة ممكنة في البلطيق مع ليتوانيا ولاتفيا واستونيا، أو ضد السويد، التي أطلقت “دليلاً إرشادياً حول ما يجب القيام به في حال وقوع الحرب مع روسيا”، وذلك في وقتٍ سابق من الشهر الحالي، وأيضاً ضد بريطانيا، التي اتهم وزير دفاعها، غافن وليامسون، روسيا بـ”التجسس على البنى الاستراتيجية البريطانية”، وهو ما وصفته موسكو بـ”اللاعقلانية”. أمام أوكرانيا أيام صعبة.

بيار عقيقي