أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » عماد زهير الأسود: في كتاب الغريب النجس.. للدكتور حمزة رستناوي

عماد زهير الأسود: في كتاب الغريب النجس.. للدكتور حمزة رستناوي

صدر مؤخرا كتاب: الغريب النجس في الخطاب السياسي ( خطاب الثورة / الحرب السورية ما بين العنصرية والحيوية ) للدكتور حمزة رستناوي عن منشورات كتابوك في باريس، وهذا هو الكتاب الثاني للرستناوي ضمن مشروعه للمنطق الحيوي بعد كتابه الأول : أضاحي منطق الجوهر ( تطبيق مقايسات المنطق الحيوي على عينات من الخطاب الاسلامي المعاصر ) 2009 ويشكّل هذا الكتاب إضافة جديدة لمشروع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي و للثقافة السورية بشكل عام

ما هي الإشكالية التي يروم الكتاب حلحلتها؟
أقتبس من غلاف الكتاب ” هذا الكتاب / الدراسة هو بحث في العنصرية و تعبيراتها المختلفة في الخطاب السياسي و الثقافي السوري ذو الصلة بالثورة / الحرب السورية” من خلال دراسة فصول الكتاب يمكن للقارئ العادي ملاحظة النقد الموضوعي لمعظم أشكال العنصرية و ازدواجية المعايير في الخطاب السياسي للثورة السورية متناولا جميع الأطراف تقريبا ، خطاب السلطة السورية ممثلا في نصوص لبشار الاسد و شعارات رفعها المؤيدون له ، خطاب الثورة السورية في طورها الشعبي والوطني ، خطابات الاسلام السياسي السنّي و خطاب الاسلام السياسي الشيعي ، وخطابات مفكّرين سوريين من قبيل برهان غليون و ميشيل كيلو ، ولم يستثني آراء الدكتور رائق النقري – مؤسس مدرسة دمشق للمنطق الحيوي- السياسية حيث نسمع صوته في أكثر من فصل في الكتاب و قد خصّ الفصل الرابع عشر في نقد ومُقايسة نصوص له، بالإضافة الى حوارات مبثوثة في صفحات الكتاب.
أنا شخصيا أنظر باحترام للنظرية الحيوية وأنظر بعين الاحترام للدكتور رائق النقري تقديرا لاكتشافه المهم ، لكن في الآونة الأخيرة انتابني شعور بعدم الرضى عن وجود بعض الآراء السياسية التي تبدو لي عنصرية مثل قوله بنظرية التفرد العلوي والشَّخصنة السنية ، فأنا ابن الثقافة السورية السنية ولا أقبل داعش أو السلفيات الجهادية الأخرى وأكثر السوريين السنّة يرفضونها، وما أسعدني و ما يبعث على التفاؤل أن الردّ على هذه النظرية – نظرية التفرد العلوي والشخصنة السنّية – جاء من نفس المدرسة الفكرية على لسان الدكتور رستناوي ، و سوف أقتبس من الصفحة (157) ” الكينونة الاجتماعية شكل حركي احتمالي احتوائي نسبي واستخدام التفرد والشخصنة لتوصيف وتفسير الشخصنة الاجتماعية المعاشة هو استخدام متغير تبعا لمصالح وسياقات الكينونة الاجتماعية فقوى التفرد وفي سياق تاريخي وسياسيي معين قد تتحول الى قوى شخصنة…”
عقب اندلاع الثورة السورية في معظم المناطق السورية آذار عام 2011 كان تعامل الاعلام الرسمي السوري مُخزيا الى درجة انكار وجود أي حراك شعبي ، ومن ثم تخوين أي حراك شعبي بوصفه مؤامرة كونية تستهدف سورية ، ووصف من يتظاهر بالمندس أو الإرهابي والعميل. كنتُ ممن أيَّد هذا الحراك الشعبي وشاركت في كثير من التظاهرات، وكنت أدرك أهمية المؤسسة العسكرية وضرورة إصلاحها وإعادة هيكلتها لتصبح جيش سورية وليس جيش الأسد. لكن طريقة تعامل هذا الجيش مع الثورة السورية من ارتكاب مجازر بحق مدنيين وحالات التعفيش المنظمة والبراميل المتفجرة ومجازر الابادة بالأسلحة الكيماوية كلّ هذا كان يستدعي ادانة النظام السوري وتجريمه وتجريم الرئيس بشار الأسد بوصفه القائد العام للجيش والقوات المسلحة والمسؤول المباشر عن ذلك كله. كنت أتوقع من مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ، مدرسة الحياة والعدل والحرية إدانة واضحة للمجازر الموثقة على أقل تقدير وإدانة انتهاك حقوق الانسان من قبل جميع الأطراف الفاعلة في الازمة السورية. في هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره كوثيقة أدبية وسياسية لآراء الدكتور حمزة رستناوي وحواره مع الدكتور رائق النقري أميل إلى رأي الدكتور حمزة باعتبار النظام السوري نظام أحادي شمولي استبدادي مسؤول مباشرة عما وصلت اليه سورية من شرخ اجتماعي وثقافي. ولكن رغم اختلافي مع د. رائق النقري في الآراء السياسية ، لكن لا أنكر فضله في اكتشاف المنطق الحيوي .هذا الفصل الاجرائي بين نظرية المنطق الحيوي والآراء السياسية لرائق النقري يحسب كنقطة ايجابية لصالح الدكتور حمزة رستناوي باعتباره كمساهم ومطوِّر للنظرية الحيوية وهو أمر يعيد التوازن لمدرسة دمشق.

بالعودة الى الكتاب نجد الباب الثاني بكلّ فصوله قد خُصِّص لشرح نظرية المنطق الحيوي بأسلوب متوسط الصعوبة مع أمثلة سهلة ، لكن اذا ما تابعنا الى الفصل الثامن مثلا ألاحظ صعوبة في التواصل وقد احتجت إلى دراسة متأنية حتى استوعب المُقايسات ، يعني يمكن للقارئ العادي أن يلاحظ الفرق بين البابين الأول والثاني ، فالباب الأول ميسر للقارئ العادي و يتخلله إحساس بالمتعة مثلا عند قراءة المغالطات المنطقية و تطبيقاتها على الخطاب السياسي السوري ، أما الباب الثاني فيبنى على الفصل السابع ، وهو مفتاح الباب ، وكان يجب تبسيطه أكثر من حيث اللغة المستخدمة ، و لزوم وجود هوامش أسفل كل صفحه لشرح مبسط أكثر. شخصيا احتجت لمراجعة الفصل السابع مرارا حتى أفهم المقايسات.
من الممتع جدا في الكتاب وجود الحوار متعدد الأصوات الصفحة (233) بين كل من الدكتور حمزة والدكتور رائق النقري والدكتور مازن أكثم سليمان ووجود التساؤلات التي طرحها الدكتور مازن أكثم سليمان مثل: ” من قتل نصف مليون سوري ” و ” الدكتور رائق النقري مؤسس مدرسة دمشق للمنطق الحيوي يناقض أفكار مدرسة دمشق للمنطق الحيوي – للأسف – بسبب رأيه السياسي” في الحقيقة يمكن لعبارة الدكتور مازن أكثم سليمان أن تفسر لب الخلاف مع الدكتور رائق النقري كما يمكن للمقدمة التي طرحها الدكتور حمزة أن تفسر كل ما سينتج عن الكتاب مستقبلا ” كل كائن يتحوى صلاحيات أكثر أو أقل حيوية أكثر أو اقل قصورا ولا يوجد كائن حيوي مطلقا ودائما فالكائن أي كائن هو شكل نسبي”
انطلاقا من المقدمة السابقة توجد تساؤلات مشروعة مثل: هل يوجد فهم واحد لنظرية المنطق الحيوي أم فهوم متفاوتة الحيوية والصلاحية ، وهل المنطق الحيوي هو مشاع فكري أم هو حكر على شخص رائق وحمزة ومحمد وفلان؟ هل عبارة ” وهذه خبرتي ” وعبارة ” حسب فهم كاتب السطور” التي نقرأها في الكتاب تفسر ذلك؟

انطلاقا من رغبتي بتطوير نفسي أولا وتطوير من حولي ثانيا كوني مدرس للغة الإنكليزية أجد في نظرية المنطق الحيوي أفكارا جميلة وتطبيقات مفيدة ، يمكن استخدامها في المجال التربوي كونها تتبنى رؤية مقنعة للعالم والقيم والانسان بوصفها أشكالا حركية احتوائية احتمالية نسبية، وأرفض فكرة الوصي المعصوم على أي شيء ، وأميل إلى فكرة المشاع المعرفي مع ضرورة التوثيق العلمي للمعلومة وحقوق الاكتشاف والبحث. في النهاية تجدر الإشارة الى أن الاختلاف في الآراء داخل مدرسة دمشق للمنطق الحيوي ليس شيء سلبي، بل هو إيجابي يغني المدرسة ويلغي فكرة الفهم الجوهراني المغلق للمنطق الحيوي.

المصدر: خاص بسوريتي