أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » سوتشي بين الواقع وأحلام “القيصر” يكتبها سمير البكفاني

سوتشي بين الواقع وأحلام “القيصر” يكتبها سمير البكفاني

سوتشي بين الواقع وأحلام “القيصر”
سمير البكفاني
لا يستقيم أن تُعلن النصر، قبل أن يستسلم الطرف الآخر ويقر بهزيمته! ما زال القيصر “بوتين” يسابق الزمن، ويستحث الوقت، رغبةً منه في استثمار “نصر” عسكري، نسبه إلى قواته وأسلحته -كما نسبه الإيرانيون إلى “خبرائهم” ومقاتليهم- وتحويله إلى نصر سياسي بتحقيق تسوية سياسية في سورية، بواسطة مزيد من القوة، والتدمير، والتهجير، كمن يريد أن يضمد الجرح على (دَغل).

قام بوتين، باسمه، نيابةً عن حليفيه (إيران وتركيا)، بإعلان نهاية الحرب وإعلان النصر، من قاعدة “حميميم” الروسية في سورية، وأصوات المدافع والصواريخ ما زالت تُسمع في العاصمة السورية. وبعدها بأيام قليلة، قُصفت القاعدة ذاتها التي أُعلن منها النصر، واشتعلت جبهات إدلب وجنوب حلب، إضافةً إلى جبهة حرستا الملاصقة لدمشق.

لقد دأبت روسيا، منذ بدء الثورة في سورية، على العمل للقبض على الملف السوري واحتكاره، للمقايضة به، على دماء السوريين ومستقبلهم، من أجل العودة إلى المسرح الدولي كقوة عظمى، من خلال تدمير حلب، فوق رؤوس ساكنيها، بواسطة طيرانها واستعراض قوتها، واختبار أسلحتها الحربية والترويج لها، على جثث المدنيين من الأطفال والنساء، ومعها ميليشيات حليفها الحرس الثوري الإيراني، الذي ارتكب الفظائع تحت غطاء من طيرانها الحربي. ومن أجل تثبيت نصرها، لجأت إلى مسلسل “أستانا”، وجلبت إليه الفصائل الإسلامية المهزومة والراغبة (التي وُصفت بالمعتدلة)، في معارك حلب خاصةً، ووقّعت معها اتفاقات، وعقدت معها مصالحات إذعان في أماكن سيطرتها، وكانت تلك المصالحات، كغيرها، بمثابة استسلام للقوّة الروسية المدمرة، وقد ترافقت مع حصار المدن، ومنع الغذاء والدواء عنها، على مبدأ “الجوع أو الركوع”، وهو مبدأ عملِ النظام وسياساته، الذي تبنته الحكومة الروسية.

المرحلة التي تمر بها سورية اليوم أشبه بالمرحلة التي سبقت تقسيم ألمانيا، في نهاية الحرب الكونية الثانية، بين الدول الأربعة: (الاتحاد السوفيتي، أميركا، بريطانيا، وفرنسا). وبعد رسم حدود النفوذ فيما بينها، في المؤتمر الذي عُقد بين جوزيف ستالين، وونستون تشرشل، والرئيس ترومان، في مدينة (بوتسدام) الألمانية. قامت روسيا حينئذ بإشادة الأسوار العالية حول القسم الشرقي من ألمانيا، وفصلته عن الدولة الأم، ونَصَبَت فيه نظامًا مواليًا لها، وضمته إلى منظومتها. أما الدول الثلاث الباقية، فتركت مناطق نفوذها مفتوحة على بعضها، بل اتفقت فيما بينها، على مساعدة الشعب الألماني في إعادة تشكيل دولته (ألمانيا الغربية) وأطلقت أميركا مشروع (مارشال)، لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

خاض الحلفاء الحرب ضد ألمانيا النازية التي كانت تشكل خطرًا على شعبها، وعلى العالم بأسره. أما حلفاء اليوم (روسيا وإيران وتركيا) فقد دخلوا الحرب على سورية، ضد الشعب السوري، لاقتلاعه من أرضه، وتهجير من أمكن تهجيرهم، في أكبر عملية تطهير عرقي، وتغيير ديموغرافي، من أجل مناصرة نظام بَطَشَ بشعبه، كما لم يحدث من قبل.

ولكن شتان بين تقسيم سورية المُزمع من قبل حلفاء اليوم بقيادة روسيا “البوتينية”، وحلفاء الأمس، بين روسيا السوفيتية وحلفائها الغربيين، في الحرب العالمية الثانية. ففي حين قام حلفاء الأمس: (أميركا وبريطانيا وفرنسا)، بمساعدة الشعب الألماني، على إعادة تشكيل دولته، وإعمار ما دمرته الحرب، وتسريع دوران عجلة الاقتصاد بسرعة قياسية؛ يخطط حلفاء اليوم: (روسيا وإيران وتركيا) لتقسيم سورية، إلى مناطق نفوذ فيما بينهم، (أسموها مناطق خفض التصعيد) تكون امتدادًا لإحياء إمبراطورياتهم البائدة، ومشاريعهم التوسعية التي لا تخفى على أحد. وأخذ سورية رهينة، كورقة يتفاوضون عليها، ومن خلالها، مع الغرب، لحل مشكلاتهم معه، ومن أجل الاعتراف بهم كقوى عظمى، دولية أو إقليمية.

جُل ما تريده روسيا اليوم، بالاشتراك مع حلفائها، هو الانفراد بالملف السوري، وأخذه بعيدًا، خارج المظلة الأممية، وتكريس احتلالها وحلفائها لسورية، والتنكر لقرارات مجلس الأمن، عن طريق عقد اتفاقات مع نظام عاجز، يخولها إقامة غير محدودة على الأراضي السورية، وبناء القواعد العسكرية. لذلك حتى القرار 2254 الذي كان من صُنعها، أصبح عائقًا أمام ما تطمح إليه.

من هنا، أراد الحلفاء، بقيادة روسيا، الالتفاف على الشرعية الدولية، من خلال مؤتمر “سوتشي” الذي دعوا إليه، كما تسرب 1700 فرد من السوريين، كي يوقعوا على وثائق، جاهزة تم إعدادها من قبلهم، خلال مؤتمر ليوم واحد.

أخيرًا، هل يمكن للشعب السوري أن يرضخ ويستكين، لحلٍ يكرّس حُكم من قتَلهم، وهجرَهم، وارتكب بحقهم أفظع المجازر، تحت وصاية الاحتلال؟ وهل سيقبل المجتمع الدولي بحلٍ، يبقي النار تحت الرماد قابلة للاشتعال في أي وقت، في منطقةٍ لم تعد تحتمل المزيد؟ وهل يكون إعلان بوتين النصر نهايةً للحرب كما أراد، أم هو إعلانٌ لحرب جديدة؟ هذه الأسئلة رهن الشعب السوري والمجتمع الدولي، ورهن الأيام القريبة القادمة، وأعتقد أن أمد الإجابة عليها لن يطول.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع