أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » “بي بي سي” والربيع العربي: حيادية أم انحياز؟

“بي بي سي” والربيع العربي: حيادية أم انحياز؟

أثارت تصريحات أنطوان خوري، مقدم برنامج “عالم الظهيرة” على قناة “بي بي سي” العربية، والتي وصف فيها “الجيش السوري الحر” بالإرهابي، الجدل المتكرر حول مدى مصداقية تغطية القناة، بشقّيها الإنكليزي والعربي، للربيع العربي عموماً، والثورة السورية خصوصاً.

فقد أطلق مذيع قناة “بي بي سي” العربية أحكاماً خارجة عن المهنية خلال برنامج حواري عن العملية التركية “غصن الزيتون” الجارية حالياً في شمال سورية، إذ بدا وكأن حالة الاستفزاز هيمنت عليه ودفعته للبوح بما يجول في خاطره من أن النظام السوري هو “الحكومة السورية” وأن روسيا دخلت بطلب منها، بينما وصف “الجيش السوري الحر” بأنه “منظمة إرهابية”، وليقطع بعدها مداخلة ضيفه.

 

الأسد هو الرئيس الشرعي لسوريا و الجيش الحر إرهابي…نقاش BBC…

Posted by Mohamad Zein El Hajji on Sonntag, 21. Januar 2018

كانت الانتقادات لموضوعية قناة “بي بي سي” العربية قد وصلت ذروتها عام 2016 عندما تقدمت المذيعة السورية ديما عزالدين باستقالتها من القناة، احتجاجاً على طريقة تغطيتها للملف السوري، واتهمتها حينها بالانحياز لصالح نظام الأسد، لكنّها عادت وقالت في منشور على “فيسبوك” إنّ الاستقالة جاءت لأسباب شخصيّة، مؤكّدةً في الوقت نفسه أنّ “لديها اعتراضاتٍ على تغطية الخبر السوري في القناة”.

ونشرت “بي بي سي” حينها صوراً لضحايا قصف قوات النظام حلب المحاصرة على أنها من مناطق النظام، مشيرةً إلى أن الضحايا سقطوا نتيجة قصف قوات المعارضة، معيدةً استهلاك رواية محطة “آر تي” (روسيا اليوم سابقاً) المدعومة من الكرملين والمعروفة بتأييدها لنظام الأسد. وأثارت هذه الخطوة حفيظة العديدين، خصوصاً من أبناء الجالية السورية في بريطانيا، والذين نظموا احتجاجاً أمام مبنى القناة في العاصمة البريطانية لندن. وكانت “بي بي سي عربي” قد اعتذرت على حسابها على “تويتر” عن هذا الخطأ.

ويقول محمد عتيق من حملة “التضامن من أجل سورية”، والتي تتخذ من لندن مقراً، إنّ الحملة “نظّمت تظاهرةً أمام مقر القناة بعد أن كانوا قد تواصلوا معها مسبقاً، وكل ما تلقيناه كان إقراراً بالخطأ على حساب القناة في تويتر. لم يعتذروا عن خطئهم أو للسوريين الذين ظلموهم بمثل هذا الخطأ”.

ولكن الاعتذار في هذا الموقف لم يبدّد الاتّهامات المتكررة للقناة بالانحياز في تغطيتها لصالح نظام الأسد، فقد كان مراسل “بي بي سي”، جيريمي بوين، قد أعد تقريراً من دمشق عن “صمود الجيش السوري” في وجه خطر “المعارضة الجهادية الإرهابية” على جبهات جوبر الدمشقية، بينما كان مراسل القناة عساف عبود مشاركاً عناصر النظام السوري احتفالاتهم بحصار حلب وقرب سقوطها، إضافةً إلى ظهور ليز دويست إلى جانب المليشيات الطائفية وجيش النظام في معركة القصير، واكتفائه حينها بلقاء “شبيحة نظام الأسد”.

ويرى عتيق أنّ “بي بي سي لم تكن حيادية على الإطلاق ولم تلتزم بمعايير الإعلام المهني الشفاف والمبني على الحقائق والوقائع خصوصاً في تغطية الثورة السورية”، موجهاً نقده بشكل رئيسي للقناة الناطقة باللغة العربية. ويضيف “معروف للجميع أن “بي بي سي” والقائمين عليها من رؤساء التحرير، وخاصة “بي بي سي عربي”، تعرف بأنها قناة الأنظمة العربية”، ويتابع بأنهم “دائماً ما يساوون بين الجلاد والضحية”.

القناة الإنكليزية أيضاً

لا تقتصر الاتهامات بالانحياز لصالح النظام على الوجه العربي للقناة، بل تمتدّ إلى وجها الناطق باللغة الإنكليزية. فقد كانت “منظّمة فكر وبناء” التي تعنى بشؤون الجالية السورية في مدينة مانشستر البريطانية، قد أعدت تقريراً بناء على دراسة لتغطية القناة لسورية خلال حملة نظام الأسد على مدينة حلب أواخر عام 2016.

وخلصت الدراسة التي شملت أكثر من 300 مادة إعلامية إلى أن تغطية “بي بي سي” لا تعكس حجم الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه ضد المدنيين، بالمقارنة بالجرائم التي ترتكبها الأطراف الأخرى.

فقد كشفت الدراسة حينها أن “بي بي سي” ذكرت أن النظام وحلفاءه كمرتكبين للمجازر في أربعة فقط من أصل 38 تقريراً عن مجازر ارتكبها النظام، أي بنسبة 11 في المائة. بينما بلغت نسبة تحديد المسؤولية في الهجمات التي اتهمت بها المعارضة إلى 80 في المائة، وإلى مائة في المائة عندما يتعلق الأمر بتنظيم “داعش” أو الهجمات التي قام بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وكانت آخر حلقات انحياز “بي بي سي” الإنكليزية ضد الثورة السورية ومؤسساتها عندما نشرت نهاية العام الماضي تحقيقاً في برنامج “بانوراما” تحت عنوان “الجهاديون الذين تمولونهم” تتهم فيه شركة “آدم سميث” بتمويل تنظيم “القاعدة” في سورية. وتتلقى “آدم سميث” تمويلها من وزارة التنمية الدولية البريطانية لدعم الشرطة السورية الحرة العاملة في المناطق المحررة من سيطرة نظام الأسد. ونفت “آدم سميث” اتهامات “بي بي سي” كلياً.

ودفع هذا البرنامج منظمة “فكر وبناء” إلى التعبير عن قلقها من استمرار القناة في نزعتها في تصوير ما يجري في سورية على أنه صراع تهيمن عليه القوى المتطرفة، مهملةً القوى الثورية والديمقراطية في صفوف الثورة السورية ضد نظام الأسد.

ويقول بلال الشامي، من منظمة “فكر وبناء”، إنّ “تغطية بي بي سي للصراع السوري تصب في صالح رواية النظام السوري حول “الحرب على الإرهاب”. ويقوم ذلك على تضخيم دور المجموعات الإسلامية المتطرفة مثل “داعش” وتقليل دور الفظائع التي يرتكبها النظام السوري ضد السكان المحليين”. ويضيف “يخدم هذا المنظور في تضليل الرأي العام البريطاني وربط الاضطرابات في سورية “بالإرهاب” و”الأسلمة”، ودفعه بعيداً عن قمع نظام الأسد للطموحات الشرعية للشعب السوري بالحرية والديمقراطية والتي أطلقت الصراع في المقام الأول”.

الثورات العربية

كما كانت “بي بي سي” تعرضت لانتقادات مسبقة في عام 2012 بسبب تغطيتها غير المتوازنة للثورات في دول الربيع العربي، إلا أن المفارقة تكمن في أن القناة حينها ركزت على رواية الثوار بدلاً من الأنظمة.

فقد خلص تقرير أعدته إدارة القناة حينها إلى أن تغطيتها للربيع العربي كانت “حيادية عموماً” ولكنها تطلبت “رؤية أوسع” ووضع الأمور “في سياقها”، إضافةً إلى التوثق من المحتوى الذي يصلها من الناشطين على الأرض، خصوصاً في دول مثل سورية والبحرين.

وأضاف التقرير إلى أن القناة فشلت حينها في التأكد من حقيقة أو تمثيل المقاطع المصورة التي تصلها، والتي كانت نحو ثلاثة أرباعها قادمة من هواتف جوالة. كما أنها لم توفر تحليلاً للأحداث يشمل السياق الذي تقدم الأخبار ضمنه.

ويضاف إلى ما سبق، تأخر القناة في التقرير عن خروقات حقوق الإنسان من قبل الثوار في ليبيا، وتراجع التغطية في مصر بعد تنحي (الرئيس المخلوع حسني) مبارك، وعدم تغطية الجانب السعودي، إضافةً إلى استخدام لفظ “النظام” في تغطية التطورات. وأوصى التقرير حينها بإدخال تحديثات على تغطية “بي بي سي” لتوفير صورة أشمل.

ولكن يبدو أن هذا التقرير أدى إلى قلب تغطية “بي بي سي” للتطورات في المنطقة العربية رأساً على عقب، والتي عانى منها الملف السوري أشد ما يمكن، حيث إن توفير سياق الأحداث أدّى لتصوير التطورات في سورية على أنها صراع بين نظام علماني ومتمردين متطرفين في المحطة الإنكليزية. بينما توجّه الاتهامات إلى الطاقم التحريري العامل في القسم العربي بموالاة نظام الأسد ومعاداة الثورة السورية.