أخبار عاجلة
الرئيسية » وثائق وبيانات » الردة العلوية.. المسكوت عنه في تاريخ الطائفة قبل “القيادة الحكيمة”

الردة العلوية.. المسكوت عنه في تاريخ الطائفة قبل “القيادة الحكيمة”

تنويه من معد التقرير: باستثناء الانقلابيين التدميريين، ليس من مهمة هذا التقرير ولا أهدافه تجريم شخصية أو جماعة أو طائفة أو حكومة، ولا حتى تبرئتها، بل هدفه الإضاءة على وقائع تم إخفاؤها أو التعمية عليها، واستقراء هذه الوقائع بأكبر قدر من المنطقية المستندة إلى مصادر ومراجع معتمدة لدى العلويين على وجه التحديد.

ايثار عبدالحق

في الجزء الأول من هذا التقرير، تم التنويه بأن سيرة “آل هواش” ولاسيما العقيد المسرح “محمد عزيز هواش” تعطي دليلا على أن انقلاب الثلاثي (عمران، جديد، الأسد) ثم انقلاب حافظ على هذا الانقلاب، إنما كان ضد العلويين وليس لصالحهم، ولكن هذه النتيجة لاتمثل سوى جانبا من الحقيقة التي تقول وقائعها إن خطوة حافظ الأسد كانت أيضا انقلابا على مسائل جوهرية تجذرت في العقلية السورية منذ عقود، ولاسيما مسألتي “الوحدة العربية” و “قضية فلسطين”، اللتين رفعتا إلى درجات المسلمات بل و”المقدسات” التي يحرم المساس بها، ويصنف من يشكك بها ضمن زمرة “الخونة”.

 

كانت حجة قادة الانقلابيين في طرد ابن طائفتهم “محمد هواش” يسارية القناع، باعتباره خارج “الطبقة الكادحة” التي ادعى انقلاب آذار أنه جاء لنصرتها، مستلا سيف “محاربة الطبقية”، وهكذا كان العلوي “الوجيه” من أولى ضحايا العلوي “المنبوذ”، ولكن هذه ليست كل القصة المحيطة بتسريح هذا الضابط.

ففي سيرة العقيد “محمد عزيز هواش” ما يكشف أن تسريحه جاء رسالة لكل من كانت له مساهمات في مسألتي “الوحدة” و”فلسطين”، مفادها أن زمانك ولى، وأن الطلاق بين النظرية والتطبيق قد بات مؤبدا لا تعقبه رجعة، وأن غاية “العمل” على مشروعي “الوحدة” و”تحرير فلسطين” سيكون عبر “الكلام”.

*بين الدفع والقبض
تفيد المعلومات الخاصة بسيرة “محمد هواش” العسكرية عن توليه منصب حساسا تمثل بقيادة “سرية المشاة” التي كانت ترابط على بحيرة طبريا، وذلك عقب تخرجه من الكلية العسكرية (انتسب لها عام 1949)، ومن موقعه هذا خاض “هواش” وأشرف على خوض مواجهات مع “العدو الصهيوني”.

وإبان الوحدة مع مصر، انتدب “هواش” للعمل في القاهرة ككثير من الضباط السوريين، وعندما وقع الانفصال حاربه وخالف قادته في سوريا؛ ما جر عليه غضبهم فجمدوه في منصب “ملحق عسكري” في سفارة سوريا بقبرص، وكان حينها برتبة مقدم (وهي رتبة رفيعة للغاية وقتها، حيث كان بإمكان ضابط بمرتبة ملازم أول أو نقيب أن يأمر وينهي بل ويُنجح انقلابا أو يفشله).

وعلى اعتبار أن انقلاب 8 آذار رفع شعار كنس الانفصاليين وأولئك الذين تاجروا بقضية فلسطين، فقد كان من تحصيل الحاصل أن ينصف الانقلابيون كل من وقف ضد الانفصال وقاتل “العدو الصهيوني”، لكن العكس تماما حصل، لا بل إن الانقلابيين التدميريين شدوا الخناق على من يفترض أنهم كانوا مع الوحدة وتحرير فلسطين، وهذا ما شهد به حال “هواش” حيث كان مجمدا في وظيفة ملحق عسكري على عهد الانفصاليين، ثم غدا مطرودا من الجيش كله على عهد “أعداء الانفصاليين”!.. وهذا أيضا يكشف وجها آخر من وجوه انقلاب آذار، ويعطي صورة حقيقية عن مآرب اللاعبين الرئيسين فيه (وبالذات جديد والأسد)، أما بقية المشاركين فلم يكونوا سوى ديكور أو أدوات آنية سرعان ما تم التخلص منها.

ورغم أن “هواش” يلتقي مع حافظ في سنة ميلاده (1930) ويتقاربان في سنوات تخرجهما من الأكاديميات العسكرية، ويتساويان في تدرجهما بالرتب، وفي انتدابهما للعمل بمصر أيام الوحدة، غير أنهما يختلفان في أمور أخرى جعلتهما على طرفي نقيض في الغالب.. أمور دفع “هواش” فاتورتها تسريحا تعسفيا، بينما قبض حافظ الأسد أولى أثمانها ترفيعا خرافيا –وتعسفيا أيضا- طار به من رتبة مقدم إلى رتبة لواء مباشرة، ليتسلم مقاليد القوى الجوية ومنها إلى وزارة الدفاع ثم رئاسة البلاد خلال سنوات قليلة.

وهكذا، ومع إزاحة “هواش” تم استبعاد ممثل مهم عن إحدى أبرز الزعامات العلوية في الجيش.. هذا الجيش الذين كان أداة الانقلابيين الأولى وفريستهم في نفس الوقت، واستقر رأي صلاح جديد وحافظ الأسد على تحويره واحتكاره، موقنين أن يملكه يملك كل شيء في سوريا، ومن لا يملكه لايملك أي شيء، حتى ولو كانت كل مناصب الرئاسة والوزارة في قبضته.

*استقلالية
هكذا أيضا، تحول العقيد “هواش” الذي كان يمكن أن يبقى حافظ الأسد ظلا له لو استمر في الجيش.. تحول هذا العقيد إلى مؤلف ركز جل اهتمامه على قضايا تاريخية تخص ماضي العلويين، وماضي سوريا، بعد أن حُرم بيد أبناء طائفته من المشاركة في كتابة مستقبل الطائفة والبلاد.

وقد سهل لـ”هواش” مهمة كتابته عن تاريخ العلويين بالذات أنه سليل عائلة زعماء لديها من الاطلاع على أحوال العلويين الكثير، كما إن وجوده في فرنسا وإتقانه للفرنسية شكلا حافزا آخر، أضيف إلى اطلاعه على قدر لابأس به من الأرشيف الفرنسي الخاص بسوريا.. هذا الأرشيف الضخم الذي كشف منه في السنوات الأخيرة وثيقتان على قدر كبير من الحساسية، ربما تلخصان كثيرا من تاريخ العلويين أيام الانتداب، وتعطيان فكرة عن مدى إخضاع العلوي رأيه وموقفه لمقياس السياسة ومعيار المصالح، دون أن يكون ملزما بما تراه “القيادة الحكيمة” أو يمليه “القائد الخالد”، هذا بغض النظر كلية عن مدى صواب أو خطأ آراء هذا الطرف أو ذاك، إذ نحن هنا فقط بصدد المقارنة بين استقلالية القرار العلوي ولو نسبيا قبل وصول الانقلابيين التدميريين، وحجره ومصادرته وختمه بختم طائفي عائلي (ضيق وصرف) بعد وصولهم.

فقد تبلورت استقلالية القرار العلوي قبل وصول “جديد- الأسد” بعدة عوامل، منها: التلون الكبير في الآراء داخل الطائفة، إلى حد توقيع الأب على وثيقة تعارض تماما وثيقة وقع عليها ابنه، وتغيير المواقف المبني على تغير الظروف والمعطيات، وهذا هو في المحصلة جوهر التعاطي السياسي بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات.

*بعد عقد
في عام 1926 وقع عدة زعماء في الكيان العلوي وثيقة صريحة عرفت اصطلاحا باسم “وثيقة الاستقلاليين” أو “الانفصاليين” أعربوا فيها عن رغبتهم الجامحة بالبقاء خارج حدود “سوريا المسلمة” بل ذهبوا أيعد من ذلك راجين رئيس الحكومة الفرنسية -حينها- “ليون بلوم” أن لايقر باستقلال السوريين لأنه سـ”يكون معناه عند تطبيقه استعباد الشعب العلوي وتعريض الأقليات لخطر الموت والفناء”.
وقد وقّع هذا الخطاب المغرق في المفردات التحريضية 6 أشخاص، من بينهم عميد أسرة الأسد (سليمان)، وعزيز آغا الهواش (والد العقيد محمد الهواش)، الذي جاء اسمه حرفيا هكذا في مقدمة الموقعين.

وبعد نحو 10 سنوات، كان العلويون على موعد مع موقف مغاير بل ومناقض لما ورد في وثيقة 1926، يمكن وصفه حرفيا بـ”الردة”، حيث تحولوا من متوسلين لبقاء الانتداب الفرنسي وللحفاظ على أنفسهم خارج الكيان السوري.. إلى مطالبين بل وملحين على الارتباط بسوريا، وقد وقع على هذه العريضة التي اصطلح على تسميتها بوثيقة “الوحدويين” عشرات الأشخاص، من بينهم نحو 50 علويا يمثلون وجهاء وأعيان الطائفة، ومن ضمن هؤلاء “اسماعيل هواش” بوصفه زعيم عشيرة المتاورة، وهو والد “عزيز آغا هواش” الذي وقع من قبل على وثيقة “الانفصاليين”.

إن هذا التبدل الاستثنائي والقوي يشكل في جوهره عين التعاطي السياسي، الذي عرف العلويون كأي جماعة أخرى من أين وكيف تؤكل كتفه، تماشيا مع تغير المعطيات والوقائع، بصرف النظر عن النوايا والخفايا التي تدخل في عالم الغيبيات، والتي يفترض أن يتوقف عندها سلطان البشر وتتضاءل كل معارفهم وعلومهم.

وعلى الطرف المقابل، أدرك سياسيو الداخل السوري، ومنهم من يوصفون بـ”آباء الاستقلال” لدورهم في استقلال سوريا.. أدركوا التغير العميق في تعاطي زعماء “الكيان العلوي” وتعاطوا معه على أنه موقف سياسي ينبغي استثماره لصالح جميع السوريين، وهذا ما وثقته وسائل إعلام كانت تنشط في تلك الفترة وتغطي التحولات التي تمر بها البلاد، والتي لم تقتصر على العلويين، بل اجتاحت معظم الطوائف والجماعات وصولا إلى الشخصيات.

*المدفع مكان السياسة
في تلك الفترة بالذات، وتحديدا ربيع 1936 زار دمشق “وفد زعماء البلاد العلوية” في دمشق، حيث لقي ترحيبا من “زعماء البلاد” الذين احتفلوا بـ”الوفد العلوي احتفالا عظيما”، حسب وصف “جريدة الشعب”، ولعل هذا الحدث كان المحرض والمشجع للعلويين على اتخاذ موقفهم الذي أعلنوه في وثيقة “الوحدويين” صيف نفس العام.

ووصفت الجريدة كيف احتفت دمشق بمقدم “وفد كبار زعماء البلاد العلوية.. احتفالا عظيما منقطع النظير”، وكيف حل الوفد ضيفا على كبار سياسي البلاد، من: هاشم الأتاسي، فارس الخوري، جميل مردم بك، شكري القوتلي، عفيف الصلح… وكيف خرجت المظاهرات لتحية الوفد، الذي كان من بين أعضائه “إسماعيل بك الهواش”، ونحن هنا نركز على كل حدث يشارك فيه أحد من عائلة “هواش” باعتبارنا اتخذنا سيرتهم مقياسا للتدليل على حال العلويين قبل انقلاب التدميريين وبعده.

لقد حسم العلويون في تلك الفترة موقفهم من الوحدة مع سوريا وأعلنوا رفضهم القطعي للانفصال عنها، وهي مسألة سياسية بحتة، تلقاها زعماء البلاد السورية -بمصطلح في تلك الفترة- بقبول سياسي، وعلى هذا الأساس بالذات استطاع العلويون أن يحجزوا موطئ قدم راسخ ومؤثر في الجيش والشرطة والبرلمان وكل سلك قيادي، بعد أن رحلت فرنسا التي يفترض أنها كانت عراب تشكيل كيانهم (الدولة العلوية) وحمايتهم.. وبمعنى آخر فقد كانت سياسة العلويين قادرة على تحصينهم وتبويئهم أرفع المناصب دون أن يصطدموا بأي سوري من أي مكون، ودون أن يستعدوه أو يريقوا دمه أو يريق دمهم، ولكن الانقلاب الذي قاده “جديد الأسد” نسف كل تلك المكاسب وقلب طاولة السياسة حتى على الطائفة، مستعيضا عنها بالمدفع والدبابة، وبحقن بغيض يستدعي “مظلوميات” كانت وما زالت كأسا شرب منه معظم السوريين على اختلاف ألوانهم ومشاربهم.

وهكذا، وبناء على هذا الانقلاب، استحق “حافظ الأسد” لقب مدمر العلويين وليس منقذهم، إذ إن إخلاص “المخلّص” يقاس بقدرته على استرداد حق مسلوب، وتوفير ما يستطيع من مزايا لمن تصدى لإنقاذهم دون أن يؤلب عليهم محيطهم ويحول أصدقاءهم إلى خصوم وأعداء، وهذا خلاف ما قام به حافظ تماما، حيث أهدر المكاسب التي حققها العلويون بمساعيهم من طرف، وبطيب نفس غيرهم من السوريين وتعاملهم معهم سياسيا، من طرف آخر.. أهدرها لصالح رفع صورة العلوي الهمجي الذي يستحوذ على كل شيء بقوة القهر والجبر، ولا يكتفي بذلك بل يطارد كل من لايخضع له ويسايره، ويكتم أنفاسه إن اقتضى الأمر، وهذا ما كان وبالا حتى على الطائفة نفسها.

ولئن كان انقلاب “جديد- الأسد” قد اكتفى بطرد “العقيد محمد هواش” ثم نفيه، وسلك نفس المسلك مع غيره، فإنه لم يكن ليقبل من علويين آخرين سوى الرحيل النهائي عن الدنيا، لاسيما بعد تفرد الأسد، تماما كما فعل مع: محمد عمران ومنير الأحمد (ابن الشاعر بدوي الجبل) وغازي كنعان وسواهم، بل كما فعل في حافظ مع ولي نعمته “صلاح جديد”، حيث سجنه نحو ربع قرن ولم يفرج عنه إلا جثة هامدة.. وكل هذه وسواها جرائم لايمكن لأحد أن يقول إن الأقليات أو الأكثريات هي التي ارتكبتها، بل إنها بمثابة “ماركة مسجلة” لحافظ الأسد الذي قتل العلويين وهو يدعي “تخليصهم”، كما يكافح بشار اليوم للإجهاز عليهم كليا –وجوديا وسياسيا- وهو يردد على أسماعهم: إنما تشبثت بالكرسي لأحميكم وأمنع إبادتكم.

إيثار عبدالحق-زمان الوصل- خاص

*************************************************************

وفاة من أرخ لـ “العلويين ودولتهم المستقلة” تفتح الملف.. هل انقلب حافظ الأسد لصالح طائفته أم عليهم؟

**سيرة هواش ووالده تثبت أن أشد من اضطهد العلويين هم العلويون أنفسهم، ممثلين بالتحديد بآل الأسد
**كان العلويون يتعاملون مع العثمانيين، ومع السوريين –خلال وبعد الاستقلال- بمنطق السياسة والمصالح، حتى تسلم دفتهم “التدميريون”.
**عندما كان حافظ يحبو كان “عزيز هواش” يحكم مساحات واسعة من سوريا.

لغاية في نفس حافظ الأسد، سادت ساحة السوريين لعقود دعاية عن اضطهاد العلويين وقهرهم وتهميشهم المفرط، قبل أن يأتي حافظ وينتشلهم من العدم إلى مناصب السيادة والقيادة، ويني لهم “مجدا وملكا عظيما”.

ويبدو أن نشر هذه الدعاية كان “ضرورة” كبيرة لإيصال حافظ إلى مرتبة “القائد الضرورة”، لاسيما عند العلويين، باعتباره الزعيم الحتمي الذي لاغنى عنه، ولا يمكن لأحد أن يسد مكانه، ومن الغريب أن هذه الدعاية جازت -أو لقيت قبولا- على معظم السوريين بمن فيهم العلويون، الذين يفترض أن يكونوا أدرى الناس بتاريخهم وسير وجهائهم.

ورغم أن العودة لوقائع التاريخ القريب، والمدون بعضه بأقلام علويين، تنسف كل دعاية حافظ وعصبته التي استولى بها على البلاد، فإنها –أي الدعاية- ظلت باقية وتتمدد وتعشش في عقول الأجيال، حتى باتت بديهية تحرم مناقشتها، ولعل وفاة واحدة من رموز العلويين وزعمائهم مؤخرا في باريس، تمثل فرصة مواتية للإضاءة على شيء من تاريخ العلويين قبل حقبة الأسد، ومناقشة هذا “المحرم” في إطار عرض سيرة هذا “الزعيم” وعائلته.

*غدرا
تقول معلومات “زمان الوصل” إن العقيد المسرح “محمد عزيز (بيك) الهواش” توفي يوم الأربعاء 24 كانون الثاني/ يناير 2018 في مدينة باريس عن عمر يناهز 88 عاما، ليختم بذلك حياة ابن واحد من أبرز عائلات العلويين زعامة على المستويين العشائري والسياسي، حيث كانت تتوارث هذه الزعامة و”البكوية” جيلا عن جيل وتحجز مكانها في سدة وجهاء البلاد، قبل أن يولد حافظ بل حتى قبل أن يولد أبوه “علي الأسد”، ما سيضعنا أمام حقيقة صادمة مفادها أن انقلاب حافظ لم يكن لأجل العلويين بقدر ما كان عليهم، ولم يكن لاسترجاع حقوق تقول الدعاية إنها كانت مسلوبة، بقدر ما كان تضخيما لـ”مظلومية” تتيح رفع أسهم حافظ في بازار الطائفة وتمنح هذا المقتحم من خارج دائرة العائلات الحاكمة أفضلية على أسر وشخصيات سلم العلويون بها ولها منذ مئات السنين، وارتضوها لقيادتهم والمنافحة عن مطالبهم في كل ساح، ولدى كل “حكومة”، بدءا من العثمانيين وانتهاء بحكومة بلادهم (قبل الأسد) مرورا بالفرنسيين.

ولد “محمد هواش” في صافيتا عام 1930، لأب يدعى “عزيز بك” ويكنى “أبو جهاد” كان له تاريخ طويل من الزعامة والتنقل بين المناصب الرفيعة، وكان “عزيز” نفسه ولدا لزعيم أكبر هو “إسماعيل” الذي هو بدوره الابن البكر لـ”هواش”، وكل هؤلاء تعاقبوا على شؤون عشيرة “المتاورة” العلوية، وكانوا أعيانها في نظر العلويين وكل السوريين، من أيام العثمانيين وصولا إلى انقلاب حافظ، الذي تكفل بإطفاء جذوة زعامة “آل هواش” وغيرهم من العائلات العلوية الكبرى، لصالح الإبقاء على زعامته.

وقبل الخوض في تاريخ العقيد “محمد عزيز هواش” وعائلته كاملة، لابد من الإشارة إلى أن “آل الهواش” هم نفسهم “آل خير بيك” (منهم هواش خير بيك، وناصيف خير بيك)، نسبة إلى جدهم “إسماعيل خير بيك” الذي غدر به خاله العلوي”علي الشلة” وقتله، بل قيل إنه احتز رأسه وسلمه للحكومة العثمانية، التي ما يزال العلويون يضعونها في رأس قائمة الأعداء ويتهمونها بارتكاب أشنع المجازر بهم، وهو ما فند بعضه كتاب علويون لاحقا، وسيفنده هذا التقرير كما يفند غيره من الروايات.

*طرده أنباء طائفته
سجل التاريخ العقيد “محمد عزيز هواش” كأول ضحية عسكرية علوية لانقلاب 8 آذار 1963، الذي كان في حقيقته انقلابا طائفيا ألبس لبوس “الثورة”، إذا سرعان ما سرحته اللجنة العسكرية القائمة على الانقلاب، ووضعت اسمه في رأس جدول المطرودين من الجيش باعتباره “غير مرغوب به” نظرا لمنبته الطبقي (ابن زعيم)، وكان هذا المؤشر الأول الذي يكشف عن ماهية الانقلاب وهويته، وهدفه المتمثل في انتزاع الدفة من وجهاء وزعماء العلويين الذين كانوا حينها يمارسون سلطاتهم بأريحية ويتسنمون المناصب بلا أي حساسية، وتسليم هذه الدفة لـ”فقراء” أو “منبوذي” العلويين ليتحكموا بمصير الطائفة والبلاد، تأسيسا على دعايات موهومة وروايات مسمومة.

فقد كان حافظ الأسد (الذي يُصور بمنقذ العلويين) يحبو عندما كان “عزيز هواش” (والد محمد) عام 1933 واليا على “لواء حوران” الذي يشمل مساحات شاسعة من سوريا تضم الجولان ودرعا والسويداء، ، وعندما كان حافظ في السادسة فقط 1936 كان “عزيز هواش” محافظا على “لواء دمشق”، التي كانت “أم البلاد السورية”، حسب منطوق زعماء “دولة العلويين”.

وقبل ذلك، أي حتى قبل ميلاد حافظ، كان “عزيز هواش” قائدا لشرطة دمشق (عام 1926)، وكان قبلها على أيام العثمانيين (المتهمين باضطهاد العلويين على أساس طائفي) قد درس الطب في الأستانة (اسطنبول)، وتجند في الجيش العثماني برتبة ملازم ثم رقي إلى رتبة نقيب.

وكان لـ”عزيز” عدة أبناء، تولى معظمهم مناصب رفيعة في سوريا، قبل مجيء الثلاثي الذي دمر العلويين وعزلهم (محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد) إلى السلطة بسنوات، لا بل قبل أن يكون قد ذاع في سوريا صيت هذا الثلاثي أو حتى أحد من أفراده.

فقد كان “جهاد” الابن البكر لـ”عزيز” نائبا في البرلمان السوري في فترة ما بعد الاستقلال بين 1947 و1954، وشغل منصب سفير في عدد من البلدان (مثل العراق وتركيا والبرازيل)، وكان لدى عزيز ابن آخر اسمه قحطان شغل مقعدا في البرلمان بين عامي 1954و1961، فضلا عن “محمد” الذي عمد أبناء طائفته من الانقلابيين إلى إصدار قرار تسريحه تعسفيا عام 1963، لولا “شفاعة” العقيد “فهد الشاعر” الذي طلب له “الرأفة”، فعدل القرار إلى إحالته للتقاعد!

ولم يكن استبعاد العقيد “محمد هواش” من الجيش -الذي كان يُعد ليغدو جيش الأسد -كافيا، فتم التضييق عليه أكثر بعد استلام حافظ للسلطة، إلى درجة دفعه إلى المغادرة (التعبير المخفف لكلمه نفيه) باتجاه فرنسا حيث قضى بقية عمره قبل أن يرحل عن 88 عاما، دون أن تتاح له فرصة زيارة بلده الذي كتب عنه (تكون جمهورية سوريا والانتداب)، ولا حتى منطقته التي أفرد لها مؤلفا مستقلا بعنوان “عن العلويين ودولتهم المستقلة”، وهذا المؤلف الأخير يعده كثير من الباحثين مرجعا يرقى إلى درجة المصدرية فيما يخص تاريخ العلويين وتقسيماتهم العشائرية والأدوار التي لعبوها، لاسيما في مرحلة الانتداب الفرنسي، معتمدا على كم من وثائق الأرشيف الرسمي لفرنسا.

*ضيا باشا
رغم التفرد النسبي لـ” محمد هواش” بما كتب في هذا الخصوص، فقد سجلت على مؤلفه “عن العلويين ودولتهم المستقلة” جملة تحفظات وملحوظات، لاسيما لجهة سوقه رواية اضطهاد العلويين على يد المتصرف العثماني في اللاذقية “ضيا باشا” الذي كان حسب مزاعم “هواش”: “عندما يشعر بالملل يتفتق ذهنه عن أفضل التسليات فيكلّف بعض الانكشارية بالإغارة على إحدى القرى النصيرية المجاورة والقبض على عدد من السكان واقتيادهم لحضرة الوالي الذي يأمر بوضعهم على الخوازيق، فينشرح قلب الباشا لمنظرهم وهم يتلونون ألماً ويعانون سكرات الموت البطيء، بينما أمعاؤهم تتمزق بوحشية، وضيا باشا يسحب أنفاساً من نرجيلته”.

رواية كذبها وأثبت تهافتها مؤلفون علويون، منهم “سلمان يوسف” الذي يروي بكل وضوح كيف التقى والد “الشيخ صالح العلي” بالمتصرف العثماني “ضيا باشا” عام 1886م في اللاذقية، والنتائج الكبيرة التي أثمر عنها هذا الاجتماع عبر تعليمات واضحة من “السلطان عبد الحميد” تقضي ببناء 50 جامعا و50 مدرسة في جبال العلويين، لا بل إن واحدا من أكابر مشايخ العلويين ورموزهم “عبدالرحمن الخير” يذهب إلى القول بأن على العلويين أن “يخلدوا ذكره (ضيا باشا) في تاريخهم الاجتماعي بصحائف ملؤها الثناء الصادق والاعتراف بالجميل فقد قصر همه على تمدينهم”، حيث قرب إليه “أهل العلم والتقى” واحترمهم واستشارهم، وعدل في حكمه، وأشرف على إنشاء “ثمانين مدرسة أميرية في كل منها مسجد موزعة بين القرى الآهلة بالسكان كل ذلك على نفقة الحكومة”.

وهكذا وفي خلاصة هذه الفقرة الموجزة عن جزء من تاريخ “محمد عزيز هواش” الضابط المسرح والكاتب المؤرخ، يتضح أن العثمانيين تعاملوا مع العلويين –كالآخرين- من منطق السياسة وميزان المصالح، ولم يكن للتعاطي وفق المنطق الطائفي ذلك التأثير الكبير، والدليل أن العثمانيين كانوا يبادرون لخلع ألقاب “البكوية” على وجهاء العلويين، ولم يترددوا –أي العثمانيون- لحظة في إسناد إدارة شؤون العلويين ومناطقهم إلى أولئك الوجهاء، ما دام هؤلاء غير راغبين في محاربة الحكومة أو الاتصال بالدول الأجنبية، كما هو ثابت من سيرة “آل الهواش”، بدءا من جدهم الأكبر “إسماعيل خير بيك” الذي كان حاكم “صافيتا” ولم ينازعه العثمانيون الملك حتى نازعهم، وفي النهاية قتله ابن طائفته وخاله “علي الشلة”.
أما الخلاصة الأهم التي تفرزها الإضاءة على “آل هواش” وتاريخهم، فهي أن العلويين وزعماءهم المشهورين كان يتعاملون مع بقية السوريين من وجهة نظر سياسية، ولم يكن لهؤلاء “الزعماء” أن يتصرفوا وفق العقلية الأقلوية (رغم انتمائهم للأقلية)، وهم الأعيان الذي يحصلون على ما يريدون من امتيازات وحقوق لهم ولطائفتهم، وعلى هذا المنوال عاملهم بقية السوريين بمنطق السياسة، حتى صعد نجم “التدميريين” العلويين، وكان أول عمل لهم نسف جسور السياسة ونصب ما استطاعوا من جسور الطائفية، وتلغيمها لتفجيرها في أي وقت يرتد فيه وعي العلويين إليهم، وهذا ما سنحاول الإضاءة عليه في تقرير لاحق يكشف المزيد… يتبع.

تنويه من معد التقرير: باستثناء الانقلابيين التدميريين، ليس من مهمة هذا التقرير ولا أهدافه تجريم شخصية أو جماعة أو طائفة أو حكومة، ولا حتى تبرئتها، بل هدفه الإضاءة على وقائع تم إخفاؤها أو التعمية عليها، واستقراء هذه الوقائع بأكبر قدر من المنطقية المستندة إلى مصادر ومراجع معتمدة لدى العلويين على وجه التحديد.

ايثار عبدالحق – زمان الوصل – خاص



تنويه : ماينشر على صفحة وثائق وبيانات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع