أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » حمزة رستناوي: حوار مع حمزة رستناوي، ما معنى أن تكون شاعرا!

حمزة رستناوي: حوار مع حمزة رستناوي، ما معنى أن تكون شاعرا!

أسئلة إدريس علوش
س1- ما معنى أن تكون شاعرا ؟
ج1- أن تكون إنسانا تتدفق منه الحياة, يتحّسس الكلمات , يستمتع بغواية اللغة, ويستكشف بها وعبرها مغزى الوجود, بعيدا ً عن السطحية والابتذال وثقافة الاستهلاك.
أن تكون شاعرا يعني أن تكون إنسانا يتقن التذكّر ويحتفي بطفولة الأشياء ويسعى لأنسنة الوجود عبر لحظة التأمل، لحظة الشعر.

س2- هذا جميل.. لكن ماذا لو كنتَ غير ذلك..؟
ج2- لو لم أكن شاعرا ً يكتب الشعر بالمعنى الخاص للكلمة – وهذا احتمال قائم- فلن أفرط أن أكون إنسانا ً حيويا يعيش قصائد و حيوات الآخرين , يفرح معهم , ويحزن دونهم, يحبهم رغم كل شيء, إنسانا ً يعيش الحياة بطريقة شعرية.
فالشخصية الشعرية – ولا نعدم وجودها في أي إنسان- هي التي تغويني أكثر من كتابة الشعر ” القصيدة” , فكتابة الشعر ليست إلا تعبيرا أو تدريبا عليه , تعبيرا يتيح لنا استكشاف شخصية الإنسان المُكتنزة بالجمال.
فعندما تتأمل الجدار مثلا , تستحضر السيرة الذاتية للجدار
أين كان هذا الجدار ” الإنسان” قبل ألف عام مثلا ً؟ و متى وُلد ؟
من أبوه و أمه ؟ لماذا بنوه ؟ ما فائدته وما الأيادي التي عبثت به؟
و لو أتيح له الكلام ماذا سيقول عنا نحن البشر ؟
هل سيفضح حبيبين يقبّلان بعضهما تحت ظله خوفا من عيون الفضوليين ؟
ثم أليس لهذا الجدار حبيبة يشتاق إليها ؟ وهل يخاف الجدار مثلنا نحن البشر ؟ هل سيسامح الذين يهدمون حجارته , ويعبثون في جسده , أو الذين يشوِّهون صورته بالكتابة والشعارات الكاذبة, بل و حتى الذين – عفوا- يبولون عليه؟
وهكذا فإن استحضار السيرة الذاتية للجدار, ولو كان مجرد خواطر, هو تفاعل وجداني ينمّ عن شخصية شعرية- يجب أن ننمِّيها – وبغض النظر عن توثيق هذه السيرة أو اللحظة من خلال قصيدة , فأجمل الشعر هو الذي يظل هاربا ً خارج سجون اللغة .
لو لم أكن شاعرا ً بالمعنى الاصطلاحي الخاص للكلمة، فلن أفرط بالشاعر البذرة التي تسكن داخلي.
بالمناسبة فأنا شاعرٌ بالصدفة، فحتى سنة تخرجي من كلية الطب في حلب 1997– و قد جاوز عمري الخامسة والعشرين آنذاك – لم يخطر في بالي أن أكون شاعرا بل لم أقرأ قبل ذلك أي مجموعة شعرية أو ربما قصيدة باستثناء المقرر الدراسي , كانت مشاغلي تنحصر في التحصيل العلمي وسماع الموسيقى و تأمل الطبيعة والناس؟ أثناء العطلة الصيفية كانت هوايتي المطالعة , مطالعة كتب العلوم والتاريخ والفكر والسياسة والجغرافيا وعلم النفس وكثير غيرها عدا الشعر والآداب, ولكنني – وهذا ما اكتشفته الآن أنني كنت أقرأها وأعيشها بطريقة شعرية.
فعندما دخلت إلى المشرحة في الصفوف التمهيدية للدراسة , كنت أتأمل وجه الجثة موضوع درس التشريح و أشرد و أتأمل ذاتي وأتذكر تاريخ الجثة – عفوا ً الإنسان- أتخيل ذاتي جثة, و جموع الطلاب يقطعون أوصالي، وكنت أقول لا بأس هذا خير من أن يأكلها الدود!
وعندما نظرت لأول مرة إلى صورة الصدر المُجراة بالأشعة السينية تخيلتها لوحة تشكيلية على الطريقة السريالية؟
و عندما تجسّ الشريان الكعبري في مستوى المعصم, و يتم ذلك بالضغط على الشريان حتى ينقطع تدفق الدم فيه, ثم ترخي أصابعك قليلا ً حتى تشعر بتدفق النبض الشرياني فيه, فتجسّ حجم النبضة ومدتها وشكلها وتوقيتها, ينتابك شعور مختلف، شعور شعري بأن هذا النبض هو نبض الحياة , وأنك ربما مجرد عداد يعد حيوات المريض الإنسان, ولكنه عداد بمشاعر و أحاسيس, وبتكرار التجربة يتطور لديك شعرية لمسية خاصة بجس الشريان, كما يتطور لديك شعرية سمعية خاصة بإصغاء أصوات القلب.. بهذا المعنى يمكنك أن تكون طبيبا ً شاعرا أو مهندسا ً شاعرا أو نجارا شاعرا أو مزارعا شاعرا الخ. لقد أسهبتُ كثيرا في الإجابة ، ولكن لو لم يتح لي الانعزال الجغرافي والإنساني في البادية السورية أثناء تأديتي خدمة العلم ربما لم أكن لأكتب الشعر بالمعنى الخاص, فكسر روتين الحياة و الفراغ والاحساس بالإهمال و اللا- معنى هو الذي جعل منّي شاعرا أكتب القصيدة
و كانت قصيدتي الأولى ( كائنات ) في صيف 1999

س3- بهذا المعنى.. ما الذي يعنيه لك الشعر؟
ج3- الشعر يعني أن أعيش الحياة بطريقة شعرية

س4- والقصيدة؟
ج4- القصيدة هي بنية لغوية قولا واحدا , بنية لغوية تعكس الطاقات المختزنة في الكلمات و السياقات اللغوية والعلاقات الداخلية للنص الشعري. القصيدة تقدم لنا عالم شعري يتفاوت في رؤيته بين الأبيض والأسود, و يأخذ كل تجليات ألوان الطيف ,عالم يتناوب فيه العقل بالجنون , عالم يحتفي بالأمكنة والأصدقاء والأعداء والأشياء والسير والرؤى والانكسارات… الخ
ولكن ما يميز عالم القصيدة عن عوالم الأجناس الأدبية الأخرى كون العالم الشعري هو العالم الأكثر قربا إلى المطلق المتعالي أو قل إلى الله!
كذلك كونه العالم الأكثر احتفاء بالمشهد البدئي للوجود , والذي يقوم على امتلاك مفاتيح و أسرار اللغة وتوظيفها في سياقات مدهشة مفارقة ومنزاحة.

س5- وقصيدة النثر؟
ج5- هي الشقيق الأصغر في عائلة الشعر
أوهي الكوكب الذي اكتشفناه أخيرا من كواكب المجموعة الشعرية , وأما ما نجده من آراء معادية لقصيدة النثر فما هي إلا تعبيرات عن الأصولية الدينية و القومجية الرائجة حاليا ، فالأصوليات- والمقصود بها هنا الإيديولوجية – تميل إلى النمذجة وتقديس النموذج و فق لوائح جوهرانية ثابتة.
قصيدة النثر هي اختراق للنموذج, فقياسا إلى ” عامود الشعر” ليست قصيدة النثر من وجهة نظرهم بنت أصل ؟؟
إن القصيدة العربية التقليدية ذات الشاطرين وبحور الخليل ونظام التفعيلات لم تهبط من السماء, و لم نعثر عليها في وادي الألدورادو, بل هو حصيلة تطور تاريخي أنتجه مجتمع يتكلم اللسان العربي, وهذا اللسان لم يدشَّن بالشكل الذي وصل إلينا مع الشعراء الجاهليين إلا قبل قرون قليلة من الهجرة النبوية, واللغة العربية ما هي إلا لغة من لغات ولغات…
فمن أين جاءت هذه القداسة لعمود الشعر! المقدّس هو الجمال وما يتفرع عنه من طرائق و تعبيرات ورؤيا نجدها في النص الشعري الجيد لا فرق بين عمود وتفعيلة ونثر.

س6- والشعراء كيف تنظر إليهم ؟
ج6- أنظر إليهم ككواكب و نجوم و مذنبات في عالم أو ربما كون شعري
وأنظر إلى القصائد كإشعاعات متفاوتة الجمال والجلال .
لكن كل من يوظف اللغة خصوصا ً والفنون عموما في خدمة الأشرار والمستبدين والقبيحين سوف لن أتردد في طرده من هذا العالم, فليس من المعقول أن نعيش بعقلية المتنبي المدّاح الهجّاء طالب السلطة بعد ألف عام على وفاة المتنبي!
قد يكتب أحدهم قصيدة جيدة , ولكن لكي تكون شاعرا في هذا العصر وفي هذه الظروف , ينبغي أن تكون مثقفا بالمعنى العضوي لكلمة مثقف , فكتابة القصيدة هو الشرط الضروري و لكن غير الكافي لكي يكون الانسان شاعرا محل تقدير ومحبة لنفسه وللناس

س7 – بهذا المعنى أنت وجه أخر للقصيدة؟ ما رأيك..؟
ج7- نعم و لكن ليس بالمعنى السطحي , وما قد نجده من ازدواجية في حياة الشعراء, فهذا يتكلم في قصائده عن حب الوطن والوطن في ظنّه ليس سوى طائفته! أو زعيم طاغية! و ذلك يتكلم في قصائده عن الفقراء والمشردين ولا يدخر جهداً في زيادة شقائهم , وذاك في قصائده يتكلم عن الحب والوفاء ثمّ يخون حبيبته وزوجته؟!
هؤلاء ليست القصيدة سوى طفرة في حياتهم
هناك شعراء يعيشون الشعر ولا يكتبون القصيدة
وهناك شعراء يعيشون الشعر ويكتبون القصيدة
و هناك من تتحول حياتهم و سيرتهم إلى عبء على الشعر, فكم قرأت قصيدة و تمنيت في داخلي لو أنها كانت لشاعر مجهول لا أعرفه ؟
و لكن في كل الحالات وعلى المستوى التقني والنقدي ، لا بديل عن نظرية موت المؤلف كمنهج لدراسة النص الشعري وغير الشعري.

حمزة رستناوي
شاعر و مؤلف سوري, من مواليد بلدة مورك 1974, طبيب اختصاصي في طب الأعصاب. صدر له خمسة مجموعات شعرية , كانت أوّلها ( طريق بلا أقدام ) 2001 ومن ثم ( ملكوت النرجس) ( سيدة الرمال )( الشذرات) و آخرها كان ( الديكتاتور ذو الرقبة الطويلة )2016. صدر له في مجال الفكر والاسلاميات التطبيقية خمسة كتب هي على التوالي:1- أضاحي منطق الجوهر.2- تهافت الاعجاز العددي في القرآن الكريم.3- الاعجاز العلمي تحت المجهر.4- الغريب النجس في الخطاب السياسي السوري 5- في البحثِ عن منطقِ الحياة.

المصدر: جريدة الحرمل