أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » سورية: تحولات موقف أنقرة وثوابته بحسابات الأمن القومي التركي

سورية: تحولات موقف أنقرة وثوابته بحسابات الأمن القومي التركي

أدخلت عملية “غصن الزيتون” التي تشنّها أنقرة ضدّ مقاتلي “الاتحاد الديمقراطي” (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني) في عفرين، الحرب السورية في منعطف جديد، بل ويمكن القول إنها خلطت الأوراق على الطاولة إلى حدّ بعيد، لتبدو، وربما للمرة الأولى في تاريخ الحرب الأهلية في سورية، كل من روسيا وتركيا متوافقة في مواجهة معارضة شرسة من كل من نظام بشار الأسد وإيران. في موقف بدا، أيضاً، مطابقاً لموقف الولايات المتحدة، التي لطالما عبّرت عن عدم دعمها العملية من دون أن تقف في وجهها، وذلك كله بينما يدفع السوريون ثمن حروب القوى الإقليمية والعالمية عليهم وبهم.

وإضافة إلى عملية “غصن الزيتون”، شكّل مسار أستانة بحد ذاته، الذي لم تعد له ترجمة فعلية على الأرض اليوم، المرتكز الأساسي في تغيير الموقف التركي، لصالح كون أنقرة آخر المتخلّين بين الدول الداعمة للمعارضة السورية، عن مطلب رحيل بشار الأسد فوراً، وذلك لناحية سحب التركيز نحو ما تعتبره أنقرة الخطر الأول على الأمن القومي التركي، ممثلاً بحزب “العمال الكردستاني” وجناحه السوري، الذي تمكّن من السيطرة على مساحات واسعة في سورية ذات غالبية عربية، في كل من محافظتي الرقة ودير الزور بدعم أميركي، ما شجّعه على طرح طموحاته في الفيدرالية.

ويبدو أن أنقرة اختارت الطريق الأصعب لتحقيق أمنها القومي. وعلى الرغم من أنه كان من الأسهل الانصياع لطلبات المعارضة التركية ممثلةً بحزب “الشعب الجمهوري”، والتوجه لإعادة العلاقات مع النظام السوري والتنسيق والتعاون معه، إلّا أن الإدارة التركية رفضت ذلك ولم تقبل بمنح أي شرعية لنظام الأسد، وإن كانت قد رضخت للتحوّل في الموقف الدولي لناحية القبول باستمراره في الحكم خلال المرحلة الانتقالية، إلّا أنها ما زالت ترفض إقامة أي علاقات دبلوماسية واتصالات مباشرة مع النظام، وكذلك ترفض استمرار النظام على حاله واستمرار الأسد في الحكم على المدى الطويل.

وتمثّل الخيار التركي بتعزيز العلاقات مع روسيا، وفتح جبهة عفرين، والإصرار على انسحاب المليشيات الكردية من منبج، بكل ما يعنيه ذلك من مواجهة مع الداعم الرئيسي لهذه المليشيات والحليف الاستراتيجي، أي واشنطن، وكذلك رفض التخلي عن منطقة خفض التصعيد في إدلب، بما يعنيه ذلك من مواجهة تزداد احتمالاتها مع نظام الأسد وإيران.

وعلى الرغم من موقفها الأولي الأقرب إلى الحياد في ما يخص “غصن الزيتون”، عادت إيران واتخذت بشكل تدريجي موقفاً مطابقاً لموقف نظام الأسد المعارض للعملية، سواء على المستوى الإعلامي الداعم للاتحاد الديمقراطي أو على المستوى الدبلوماسي والعسكري، وصولاً إلى قيام المليشيات ذات الولاء الإيراني بالتعاون مع مليشيات النظام السوري بتوجيه ضربات عسكرية لنقاط مراقبة خفض التصعيد التركية التي تم إنشاؤها في إدلب، ما أدى إلى مقتل جندي تركي وجرح خمسة آخرين في بلدة العيش، ردّت عليه القوات التركية بقصف صاروخي من داخل الأراضي التركية، ليعلن نظام الأسد في وقت لاحق نشر وحدات دفاع جوي وصواريخ مضادة للطائرات في الخطوط الأمامية في ريفي حلب وإدلب.

وفي هذا السياق، دعت الخارجية الإيرانية، يوم الإثنين الماضي، على لسان المتحدث باسمها، بهرام قاسمي، تركيا “لوقف عملية غصن الزيتون، ومراجعة موقفها في هذا المجال”، معتبراً استمرار هذه الوتيرة “من شأنه أن يؤدي إلى عودة عدم الاستقرار والإرهابيين إلى سورية”. وأضاف “على الحكومة التركية مراجعة هذا الأمر وأن تقوم بمتابعة كل ما يتعلّق بسورية عبر عملية أستانة”، في ما بدا إشارة إلى الانزعاج الإيراني من تجاوز كل من روسيا وتركيا لطهران وعدم التشاور معها في عملية غصن الزيتون.

وأظهرت تصريحات الخارجية مدى المخاطر التي باتت تحيط باتفاقية خفض التصعيد في أستانة. فعملياً على الأرض، لا يوجد أي تخفيض للتصعيد في المناطق التي شملتها هذه الاتفاقية، سواء في إدلب أو في ريف دمشق، في ظلّ عمليات القتل المكثّفة من قبل النظام والروس. بل ويبدو أن إيران انقلبت فعلياً على هذه الاتفاقية التي عادت إلى بدايتها لكونها بين ضامنين اثنين هما كل من تركيا وروسيا، كما أن الاشتباكات التي حصلت في إدلب مع القوات التركية تشير إلى أن طهران تضع خيار تفجير هذه الاتفاقية على الطاولة، وذلك في حال لم تتم إعادة الاعتبار إليها وتهدئة مخاوفها من توسع النفوذ التركي في شمال سورية، وكذلك منحها نصيباً من الكعكة التي انفردت بها موسكو وأنقرة في عفرين.

في غضون ذلك، وفي مواجهة عدم الاستجابة الأميركية للطلبات التركية بالالتزام بوعود سحب مليشيات “الاتحاد الديمقراطي” من منبج، تستمر أنقرة في التصعيد ضد واشنطن، وبالذات بعد غضّ طرف الأخيرة عن تحركات “الاتحاد الديمقراطي” وسحبه لأعداد من مقاتليه الذين تم تدريبهم على يد القوات الأميركية، وكذلك الأسلحة من شرق الفرات ومنبج باتجاه عفرين بالتعاون مع نظام الأسد، ليشير المتحدث باسم الحكومة التركية، ونائب رئيس الوزراء، بكير بوزداغ، يوم الإثنين، إلى أن أيّ تحركات للاتحاد الديمقراطي باتجاه عفرين “ستكون هدفاً مشروعاً للقوات التركية”.

وفي هذا الإطار، شنّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يوم أمس الثلاثاء، هجوماً على الإدارة الأميركية، موجهاً لها انتقادات شديدة، بينما ألمح إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء، لوقف دعم الإرهاب، على حد تعبيره.

وفيما بدا رسالة مزدوجة إلى كل من طهران وواشنطن، قال أردوغان “إن العمليات (في عفرين) مستمرة وستستمر مع إدلب، ماذا يعنيه أن يتم سؤالنا متى ستنتهي هذه العمليات، وأنا أقول لمن يسأل هذا السؤال، هل سألناكم متى ستنتهي العمليات في أفغانستان أو متى ستنتهي العمليات في العراق. لقد مضى على ذلك 18 عاماً وما زلتم هناك، ليس لديكم مشاكل مثل تركيا، ولستم جيراناً ولا تمتلكون حدوداً مشتركة، ماذا تفعلون هناك، ولكن لدينا نحن 911 كيلومتراً من الحدود المشتركة، وحتى اليوم تعرضنا لـ700 إطلاق نار من قبل التنظيمات الإرهابية وخسرنا ما يقارب المائة شهيد”، مضيفاً: “هل ترى أميركا ذلك، لم يصدّق (باراك) أوباما، ولكن الأمور تمشي في الطريق ذاته مع (دونالد) ترامب. قالوا لنا إنهم سيخرجون من منبج، إذاً ماذا تنتظرون، فلتخرجوا، من أحضرتم إلى هناك؟ لقد أحضرتم الاتحاد الديمقراطي ومليشياته والعمال الكردستاني، وسنأتي لنسلم منبج لأصحابها الأصليين، وهذا هو الفارق بيننا”.

وتابع أردوغان: “أنا أشعر بالارتياح لأنني قلت لهم ذلك، هناك شيء واضح للغاية، لديكم حسابات ضد تركيا وإيران وربما روسيا، ولكن نحن سنصمد في مكاننا”. وأثناء خروجه من اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، أشار أردوغان إلى أنّ أنقرة تبحث إمكانيات التحرّك بشكل قانوني على المستوى القومي والدولي ضد استمرار دعم الولايات “للإرهاب”. وعلم “العربي الجديد”، من مصدر تركي مطلع، أنّ التحركات التي تتمّ دراستها الآن بشكل رئيسي، هي التحرك في محاكم الولايات المتحدة ضد الإدارة الأميركية، لمخالفتها الدستور والقوانين الأميركية، ودعم الجناح السوري للعمال الكردستاني. وقال المصدر: “ما زالت المشاورات والمباحثات مستمرة مع واشنطن، ولكن لا توجد أي استجابة حقيقية ومرضية، وعلى الرغم من عدم وجود اعتراف أميركي رسمي بأن الاتحاد الديمقراطي يمثل الجناح السوري للعمال الكردستاني الموضوع على قائمة الإرهاب الأميركية، إلّا أن تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، ومن بينهم وزير الدفاع الأميركي السابق، أشتون كارتر، خلال أحد الاستجوابات في الكونغرس، وكذلك بعض القادة العسكريين، تعدّ أكثر من كافية لتصعيد الضغط على الإدارة”.

إسطنبول ــ باسم دباغ