أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » صحوة أممية متأخرة لا توقف مجازر سورية: شهادات من جحيم الغوطة وإدلب

صحوة أممية متأخرة لا توقف مجازر سورية: شهادات من جحيم الغوطة وإدلب

بعد أيام متواصلة من المجازر التي يرتكبها النظام السوري وروسيا في كل من إدلب والغوطة الشرقية، أعلن محققو الأمم المتحدة في جرائم الحرب، أمس الثلاثاء، أنهم “فتحوا تحقيقاً في تقارير عن استخدام أسلحة كيميائية في مناطق سورية”، بالتزامن مع دعوة أممية أخرى إلى وقف فوري للأعمال العدائية في جميع أنحاء سورية لمدة شهر على الأقل، للسماح بإيصال المساعدات وإجلاء المرضى والمصابين، في ما بدا أقرب إلى الاستفاقة الأممية المتأخرة التي يستبعد أن تؤدّي إلى وقف المجازر، في ظل إصرار نظام الأسد وموسكو على حرق المنطقتين كثمن لرفضهما الخضوع، بحسب ما تشير إليه روايات شهود عيان قدموا لـ”العربي الجديد” تفاصيل مروعة من مجازر إدلب والغوطة، واصفين الجحيم الذي يعانيه المدنيون من جرائم المجازر.

استفاقة أممية

أعربت اللجنة المستقلة للتحقيق بشأن سورية، التي تعمل بتفويض من الأمم المتحدة، عن القلق إزاء “العديد من التقارير الواردة التي تفيد بأن قنابل تحتوي على غاز الكلور المستخدم كسلاح، استخدمت في بلدة سراقب في إدلب وفي دوما بالغوطة الشرقية”، معلنة فتح تحقيق في الأمر.

مع العلم أن لجنة التحقيق، برئاسة باولو بينيرو، قد حمّلت في سبتمبر/ أيلول الماضي النظام السوري مسؤولية هجمات بغاز السارين في 4 إبريل/ نيسان 2017 أوقعت أكثر من 80 قتيلاً في خان شيخون بمحافظة إدلب. وقالت الأمم المتحدة أيضاً إن النظام السوري شنّ هجمات بغاز الكلور في 2014 و2015 وهو ما تنفيه دمشق بشدة.

كذلك قال رئيس لجنة التحقيق، في بيان صدر في جنيف، إن الحصار المفروض على منطقة الغوطة الشرقية “ينطوي على جرائم دولية تتمثل في القصف دون تمييز، والتجويع المتعمد للسكان المدنيين”، متوقفاً عند التقارير التي أشارت إلى ضربات جوية أصابت ما لا يقل عن ثلاثة مستشفيات في الـ48 ساعة الماضية، قائلاً إنها “تجعل ما تعرف بمناطق عدم التصعيد مثار سخرية”.

في موازاة ذلك، دعا ممثلو الأمم المتحدة في سورية، أمس، إلى وقف فوري للأعمال العدائية في جميع أنحاء سورية لمدة شهر على الأقل، للسماح بإيصال المساعدات وإجلاء المرضى والمصابين. ووصف بيان من المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية وممثلي منظمات الأمم المتحدة العاملة في سورية الوضع في البلاد بأنه “عصيب”. وجاء في البيان “يحذر فريق الأمم المتحدة في سورية من العواقب الوخيمة المترتبة على تفاقم الأزمة الإنسانية في أنحاء عدة من البلاد”.

أما أميركا، فقد انتقلت بدورها إلى موقع المُناشد والمُطالِب في الملف السوري، على وقع المجازر. فقد أعربت واشنطن عن “قلقها العميق” من “التقارير التي تتحدّث عن هجمات كيميائية ينفذها النظام السوري”، مطالبة بـ”ممارسة ضغوط” على رئيس النظام بشار الأسد و”داعميه” لوقفها، وذلك بعد مواجهة حول هذه المسألة مع روسيا، أبرز داعمي دمشق، في مجلس الأمن، ليل الإثنين. وقالت سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة نيكي هايلي، في اجتماع لمجلس الأمن الدولي خصص لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سورية: “هناك أدلة واضحة”، تؤكد استخدام الكلور في الهجمات التي وقعت في الغوطة الشرقية قرب دمشق. وتابعت هايلي: “لدينا معلومات عن استخدام نظام (بشار) الأسد الكلور ضد شعبه مرات عدة في الأسابيع الأخيرة ويوم الأحد”. وبعد ساعات، أكدت وزارة الخارجية الاميركية مجدداً أن “الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء الاتهامات المستمرة بشأن استخدام النظام السوري غاز الكلور لترويع أبرياء آمنين، وهذه المرة قرب سراقب في محافظة إدلب”، في شمال غرب سورية، بحسب تعبير المتحدثة باسم الوزارة، هيذر نيورت.

شهادات مروعة

“رعبٌ وتخبّط في نفوس وسلوكيات الناس في الشوارع هنا. دماءٌ وأشلاءُ قتلى مكان القصف، ونزفٌ وأنينُ جرحى في النقاط الطبية حيث تم إسعاف المصابين، ونحيبُ أهالي الضحايا لا يعلو فوقهُ إلا صرخة امرأة تبحث عن زوجها الذي فُقدَ بعد آخر غارة استهدفت المكان الذي يوجد فيه”. بهذه الكلمات وصف الناشط أبو وسام الغوطاني مشهد البلدة التي يقيم فيها في الغوطة الشرقية خلال اليومين الماضيين، مضيفاً، عند سؤاله ظهر أمس الثلاثاء عن آخر حصيلة لضحايا الغارات في الساعات الأخيرة، “كل ساعة هناك قتلى جدد وجرحى كثر ومآسٍ إضافية”.

يقيم هذا الشاب الغوطاني الذي يعمل ناشطاً إعلامياً مع عائلته في بلدة حمورية وسط الغوطة الشرقية، إلى الجنوب من دوما وجنوب شرق حرستا وعربين، وهي بلدة قريبة من مناطق بيت سوى وزملكا وعربين، حيث تتعرض كل هذه المناطق وغيرها في الغوطة الشرقية قرب دمشق لواحدة من أشرس حملات الغارات الجوية التي تشنّها طائرات النظام الحربية هناك، والتي أدت، بحسب إحصاءات “الدفاع المدني السوري” وتوثيق منظمات حقوقية، إلى مقتل أكثر من خمسين شخصاً خلال أربع وعشرين ساعة، ممتدة بين ظهر أول من أمس الإثنين حتى عصر الثلاثاء.

وقال ناشطون يقيمون في المناطق المنكوبة بالغوطة ، بينهم الناشط الميداني عمر الخط يب، إن حصيلة الضحايا المدنيين بلغت الإثنين ثلاثة وثلاثين قتيلاً، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عشرات المُصابين، فيما وصل عدد قتلى الغارات أمس الثلاثاء إلى أكثر من عشرين. وقتلت الهجمات الجوية خمسة أشخاص في بلدة كفربطنا، وستة في عربين، وأربعة في حمورية، وثلاثة في حزة، واثنين في سقبا، وواحداً في زملكا.

وتحدث شهود عيانٍ يقيمون في الغوطة الشرقية لـ”العربي الجديد” كيف أن “الغارات الوحشية حولت حياتنا لجحيم. ننام على هدير الطائرات الحربية وما خلفته من مجازر ومآسٍ، ونستيقظ على صوت الغارات والانفجارات”، وفق ما يقول عادل العمر المقيم في بلدة بيت سوى.

وأضاف العمر، وهو ثلاثينيٌ يعمل مع فرق “الدفاع المدني”، إنه انتشل مع أصدقائه، أول من أمس الإثنين، تسعة قتلى قضوا من جراء الغارات التي استهدفت المنازل في حيٍ سكني بمنطقة بيت سوى، مضيفاً أن “أعداد الجرحى كبيرة جداً، ولا نقاط طبية كافية لإسعافهم هنا، لذلك نقلنا كثيراً من الجرحى إلى المشافي في حمورية ومسرابا”. وأكد أن “الوضع يزداد سوءاً.. فاليوم (أمس الثلاثاء) القصف كثيف وأكثر عنفاً”.

بدوره، قال سعد الدين، وهو مدني يقيم في مدينة سقبا، إن الطيران الحربي قصف منزلاً مجاوراً لمكان إقامته في سقبا أمس الثلاثاء، ما أدى إلى مقتل رجل وزوجته، لافتاً إلى أن “حدة القصف منعت معظم المدنيين من الحركة”.

أما أبو وسام، وهو ناشط إعلامي يقيم في الغوطة الشرقية، فأكد أن “بعض تفاصيل المجازر التي نشهدها هنا تبقى أصعب بكثير من أن نستطيع التعبير عنها”. وأضاف “أمس عندما قصفت الطائرات منزلاً في حمورية، توجهت للمكان.. الجثث والجرحى في الشوارع، المبنى مدمر بالكامل، والخزانات التي كانت على سطح المبنى تتسرب منها المياه فوق الدمار الذي تحته أشلاء القتلى”. وبينما كان يروي تفاصيل حول قصة امرأة تصرخ باحثةً عن زوجها الذي كان موجوداً بمكان الغارة وفُقد بعد ذلك، طلب الناشط إنهاء الحديث، مع سماع دوي انفجارٍ جديد، أعقب هدير الطيران الحربي قائلاً “يبدو أنها مجزرة جديدة”.

وعلى الرغم من أن كل هذه الوقائع تحدث على بعد مئات الأمتار فقط من العاصمة السورية دمشق، إلا أن وسائل إعلام النظام هناك لا تأتي على ذكر خبرٍ واحد عنها، لكنها عادة ما تشير إلى وجود “إرهابيين يتم التصدي لهم بالطائرات الحربية”، كما أنها تبرر ضمنياً القصف على الغوطة، معتبرة أنه ردٌ على قذائف الهاون التي تسقط في أحياء دمشق الأقرب للغوطة، مثل باب توما وباب شرقي والتجارة وغيرها؛ وقد قتلت وجرحت هذه القذائف عشرات المدنيين في أحياء دمشق خلال الأسابيع القليلة الماضية، وآخرهم ثلاثة مدنيين قتلوا في حي باب توما، بحسب ما أكدت “قيادة شرطة دمشق” لوكالة “سانا” أمس الثلاثاء.

وشهدت بلدات ومدن الغوطة الشرقية التي يحاصر النظام فيها نحو تسعين ألف عائلة منذ سنة 2013، عشرات المجازر التي سقط ضحيتها آلاف القتلى والجرحى، وتتعرض بشكل شبه يومي للقصف المدفعي والجوي، لكنها شهدت هدوءاً نسبياً في أعقاب ضمها إلى مناطق “خفض التصعيد” منذ ما بعد شهري يوليو/ تموز وأغسطس/آب الماضيين، لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، مع استمرار الخروق العسكرية للنظام ضد المناطق المُدرجة بالاتفاقيات، ثم فتح فصائل عسكرية معارضة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي معركة “إدارة المركبات” في حرستا.

ولم تعلق روسيا رسمياً على التصعيد الأخير، وحملة الغارات الكثيفة التي يشنها النظام، وتصاعدت وتيرتها أول من أمس الإثنين وأمس الثلاثاء، لكن قاعدة “حميميم” في اللاذقية، وعبر معرفاتها الرسمية في الإنترنت، أعلنت عدم مشاركة طائراتها في هذه الحملة، لكنها بررت غارات النظام قائلة إن “وسائل إعلام محلية أظهرت وجود متطرفين ينتمون إلى جبهة النصرة” في الغوطة الشرقية.

وإذا كانت الطائرات الروسية لم تشارك في حملة القصف العنيفة بريف دمشق، إلا أن قاعدة موسكو العسكرية في اللاذقية لم تخف مسؤوليتها عن الغارات التي تقول إنها تهدف للقضاء على “الإرهاب”، في محافظة إدلب.

وتتعرّض إدلب، شمال غرب سورية، على غرار الغوطة الشرقية قرب دمشق، منذ أيام، لسلسلة غاراتٍ روسية يومية عنيفة، قتلت وجرحت عشرات المدنيين، واستهدفت في اليومين الماضيين مستشفياتٍ ونقاطاً طبية وبنى تحتية في المحافظة. استأنف الطيران الروسي منذ صباح أمس تنفيذ ضرباته بالصواريخ على مناطق واسعة بمحافظة إدلب، إذ قتل ثلاثة مدنيين وجرح خمسة آخرين على الأقل، جراء قصف جوي روسي على قرية ترملا في ريف إدلب شمال غرب سورية، فيما ارتفع عدد الضحايا من جراء القصف على مدينة إدلب أول أمس إلى أحد عشر قتيلاً.

وبينما طاولت الغارات أمس الثلاثاء مناطق البارة ومعرحرمة، فإن أعنفها كان في بلدة ترملا، إذ أفاد عنصر الدفاع المدني في إدلب أحمد شيخو لـ”العربي الجديد” بأن ثلاثة مدنيين قتلوا وأصيب خمسة آخرون في حصيلة أولية من جراء أربع غارات شنها الطيران الروسي على قرية ترملا، مضيفاً أن الغارات أسفرت عن حرائق ودمار في منازل المدنيين.

وقتل أمس عنصر من “الدفاع المدني السوري” وأصيب آخر من جراء غارة جوية استهدف فريقاً للدفاع خلال تفقد مناطق تعرضت للقصف في بلدة الغدقة بناحية معرة النعمان في ريف إدلب.

وقال أبو جابر، وهو من فريق الدفاع المدني في معرة النعمان، إن طائرة روسية استهدفت فريق الدفاع المدني خلال تفقده موقعاً تعرض للقصف في بلدة الغدقة، ما أدى إلى مقتل عنصر وإصابة آخر بجروح. إلى ذلك، قال “مركز إدلب الإعلامي” إن عدد القتلى الذين سقطوا من جراء القصف الروسي على مدينة إدلب ارتفع إلى أحد عشر من بينهم ثمانية من عائلة واحدة.

وجاء هذا بعد أن تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال هؤلاء القتلى من تحت أنقاض المبنى الذي كانوا يقيمون فيه في حي وادي النسيم بمدينة إدلب، الذي دمرته الغارات وقتلت معظم سكانه ليل الأحد الماضي. وروى ناشطون وشهود عيانٍ من إدلب كيف أحالت الطائرات الروسية هذه المبنى المؤلف من سبعة طوابق إلى ركام، من جراء قصفه بصواريخ شديدة الانفجار. وقال الناشط عامر السيد علي، الذي شهد عمليات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض بعد القصف مباشرة، إن “طوابق المبنى انهارت جراء القصف العنيف… حاول عمال الإنقاذ على مدار أكثر من 24 ساعة انتشال الضحايا، لكن تراكم أنقاض سبعة طوابق فوق بعضها حال دون إنقاذ العالقين، خاصة أن فرق الدفاع المدني تعمل وفق إمكانات معداتها البدائية”.

وقال السيد علي، الذي يقيم في مدينة إدلب، إن “كادر مستشفى العيادات قرب المركز الثقافي في حي الضبيط، ارتدوا يوم الأحد الماضي ملابس خاصة بالوقاية من تأثيرات الغازات السامة، إثر الأنباء التي وردت حينها من سراقب أن مروحيات النظام تقصف براميل متفجرة محملة بمادة الكلور”، مضيفاً أنه “في هذا الوقت العصيب، كان الطيران الروسي يقصف مدينة إدلب، وتوجهت إلى حي وادي النسيم، حيث كانت مجزرة قد وقعت هناك قبل دقائق، ولم تتضح كامل مأساتها حتى ظهر الثلاثاء، مع تمكن فرق الإنقاذ من انتشال ثماني جثث إضافية من عائلة واحدة بقيت تحت الأنقاض منذ مساء الأحد عندما تم انتشال ثلاثة قتلى، لتبلغ حصيلة هذه المجزرة فقط أحد عشر مدنياً”. وأضاف “بعض الجثث التي رأيتها تشوّهت معالمها، حتى لم يكن هناك بعد الساعات الأولى للقصف جثث كاملة بل أشلاء”.

أحمد حمزة