أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » وول ستريت جورنال : هواة يحترفون تمشيط المنازل من العبوات الناسفة / بحاجة لعشرين عاما لتنظيف الرقة من الألغام

وول ستريت جورنال : هواة يحترفون تمشيط المنازل من العبوات الناسفة / بحاجة لعشرين عاما لتنظيف الرقة من الألغام

لقد بات الدمار الذي خلَّفه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة الرقة السورية، بعد إجلائه عنها، مصدرَ رزقٍ للبعض؛ فهم ينظرون إليه على أنه “عملٌ بسيط، لكنه يحتاج إلى شخصٍ شجاع القلب”.

في ساحة برج الساعة التي تحيط بها الأنقاض من كل جانب، يجلس رجلٌ أشعث اللحية يبيع السجائر والبيض الطازج يلجأ إليه أهل المدينة اليائسون لكي يساعدهم في العودة إلى منازلهم المفخخة، وفق ما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

يصطحبهم الرجل إلى مجموعة صغيرة من الهمج العاملين بإزالة العبوات الناسفة بلا أي تدريب وبالاستعانة بعددٍ قليل من الأدوات، إن وُجِدَت من الأساس. إنهم رجالٌ من أمثال محمد الشعيب: فتى هادئ في الـ18 من عمره لا يكاد طوله يتجاوز 152 سنتيمتر يغامر بحياته لدخول المنازل التي من المحتمل أن تكون بها عبوات ناسفة قابعة تحت أي مفتاح إضاءة أو منشفة أو داخل ثلاجة في هذه المدينة التي كانت معقلاً لتنظيم داعش حتى وقت قريب.

وقال محمد الشعيب مُفسِّراً، بينما يشرح كيفية فك صمام عبوة ناسفة معطَّلة بالفعل: “إنه عمل بسيط، لكن يحتاج إلى شخص شجاع القلب”.

محمد الشعيب، ومجموعة أخرى من الهواة العاملين بإزالة العبوات الناسفة في مدينة الرقة السورية، يكسبون قوت يومهم من إزالة العبوات الناسفة التي زرعها مقاتلو تنظيم داعش في منازل المدنيين، قبل إجلائهم عن المدينة.

مصدر لكسب الرزق

جدير بالذكر أن الجهود الشاقة التي تضطلع بها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والقوات السورية المحلية لإزالة مفعول العبوات الناسفة من مدينة الرقة تتركز أساساً في الطرق والمباني العامة ومحطات المرافق العامة، لكن أعداد تلك القوات لا تكفي لتغطية الكم الهائل من العبوات الناسفة التي خلَّفها تنظيم داعش في المدينة؛ الأمر الذي أدى إلى أن تتحول مهمة تفتيش المنازل وإبطال مفعول العبوات الناسفة التي زرعها مقاتلو داعش فيها قبل إجلائهم منذ بضعة أشهر مضت إلى مصدر لكسب الرزق مع خطورتها.

على أن مقدار العمل الشاق المطلوب لإزالة العبوات الناسفة من مدينة واحدة يشير إلى صعوبة التحدي القادم المتمثل في إعادة بناء سوريا وتحديد من سيتحمل تكاليف تحويل المساحات الشاسعة التي دمرها الصراع الذي استمر لسبع سنوات إلى مناطق صالحة للسكن مرة أخرى.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، فإن المقاول الحكومي الأميركي المكلف بترأس عملية إزالة العبوات الناسفة في مدينة الرقة قد جزم بأنه، حتى ولو استمرت أعمال التطهير عقدين من الزمن، لن يكون هذا كافياً لتطهير المدينة بأسرها من العبوات الناسفة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العبوات الناسفة قد خلّفت من الضحايا ما يزيد على 300 مدني ما بين قتيل وجريح منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود الطبية الإنسانية.

الهواة يحترفون إزالة العبوات الناسفة

يُذكر أن السلطات المحلية تطلب من المدنيين العائدين إلى مدينة الرقة تسجيل أسمائهم في مجلس المدينة لكي تتولى قوات الأمن المحلية المدربة على يد التحالف إزالة العبوات الناسفة من منازلهم قبل عودتهم إليها. لكن العديدين منهم لا يحتملون الانتظار طويلاً إلى أن يحين دورهم، لذا ينتهي بهم الحال في ساحة برج الساعة، على أتم الاستعداد للدفع مقابل هذا العمل من حر مالهم، على حد قول محمد الشعيب، الذي بدأ عمله هذا منذ أكثر من شهرين، بعد أن نجح في إبطال مفعول عدة عبوات ناسفة كانت مزروعة في منزل عائلته.

ويحاول المسؤولون المحليون من جانبهم منع تلك الجهود غير المصرّح بها، وإن كانوا يغضّون الطرف عنها في أغلب الأحيان، لا سيما أن قوائم الانتظار تزداد طولاً يوماً بعد يوم.

وحين بدأ الشعيب احتراف هذا العمل، كان عدد العاملين بإزالة العبوات الناسفة أكثر بكثير منه حالياً، لكن عدداً منهم قد لاقى حتفه من جراء انفجار العبوات الناسفة، من بينهم صديق له.

ما إن ينتهي الشعيب من إبطال مفعول العبوات الناسفة، يتركها على الرصيف، ليأتِ الناس ويأخذوا منها البطاريات لاستخدامها في إضاءة المصابيح العادية واليدوية.

وتعقيباً على خطورة هذا العمل، قال محمد الشعيب: “فكرت في ترك هذا العمل من قبل، لكنني ارتأيت أن الأعمار بيد الله”.

صحيح أن محمد الشعيب، ذا الوجه الطفولي والخدَّين المكسوَّين بطبقة خفيفة من حب الشباب، ليس مطلوباً بقدر عامل إزالة العبوات الناسفة المتمرِّس الذي يستعين بجهاز للكشف عن المعادن، إلا أنه مع ذلك يتلقى ما يصل إلى ثمانية طلبات في اليوم.

يُذكر أن الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية، كان قد زار مدينة الرقة الأسبوع الماضي وتحدّث عن ضرورة إعادة المدنيين إلى منازلهم. وفي نفس ذلك اليوم، دخل الشعيب منزلاً كان مصادراً من الشرطة النسائية التابعة لتنظيم داعش، وكان أعزلاً سوى من مصباح يدوي خافت وهدوء أضفته عليه عدة أنفاس سحبها من سيجارة كان يدخنها.

وكلما كانت الرياح تصفع باب المنزل الأمامي المكسور، كانت النساء اللائي استأجرنَّه وجارهن الذي كان واقفاً بانتظارهن عند الدرج يجفلون.

وبدلاً من أن يؤدي محمد الشعيب عمله بدقة وحذر، كان يفتح الأدراج عنوةً ويغلقها بعنف، وكان يجول بعينيه بين أثاث المنزل بسرعة، حتى إنه أنهى العمل الموكل إليه في 15 دقيقة تقريباً.

بعض المدنيين العائدين إلى مدينة الرقة يستأجرون أمثال محمد الشعيب لإزالة العبوات الناسفة التي زرعها مقاتلو داعش في منازلهم قبل فرارهم من المدينة.

وكانت إحدى النساء اللائي استأجرن محمد الشعيب من قبل قد حاولت أن تعطيه مقابل عمله من محفظتها المرقَّطة، لكنه رفض تلقي المال منها.

تعليقاً على ذلك، قال محمد إنه فكك ما يقرب من 100 جهاز تفجير، وإنه لا يقبل الأموال إلا إذا نجح في تفكيك العبوات الناسفة.

“اقتصاد ما بعد داعش المتردي”

ثم توجَّه إلى رصيف يطل على حديقة مهدومة وصيدلية مدمرة تماماً، وافترش الأرض بالغنائم التي حصل عليها من أعماله الأخيرة، وهي كالآتي: عدد من العبوات الناسفة في حجم محفظة النقود، وبعض قذائف الدبابات المعاد استخدامها، وجرة مملوءة بالرمل. وقال إن الناس يأتون إليه لكي يأخذوا بطاريات العبوات الناسفة من أجل استخدامها في إضاءة المصابيح العادية واليدوية.

وبينما كنَّا نتبادل حديثنا، كان يمر بنا بين الفينة والأخرى رجال يحملون جواريف، ماضون في طريقهم للبحث عن عمل في ظل اقتصاد ما بعد داعش المتردي. كانت أعدادهم تفوق أعداد العاملين بإزالة العبوات الناسفة بكثير، وكان بالإمكان رؤيتهم عند كل ميدان من ميادين المدينة تقريباً، كلهم مستعدين لإزالة الأنقاض بأدواتهم اليدوية- متناسين خطر احتمالية تسببهم في تفجير عبوة ناسفة بطريق الخطأ.

يرجع هذا إلى كون بعض العبوات الناسفة التي زرعها تنظيم داعش مخفية عن الأعين جيداً، لذا لا يعثر عليها أحد إلا بعدها بوقت طويل، وهو ما تكون عواقبه وخيمة في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال، حكى شخص يُدعى بركة أبو كرامة عن ابنة شقيقته التي توفيت على الفور من جراء عبوة ناسفة انفجرت في وجهها حين حاولت فتح ستارة نافذة منزلها بعد أن عادت إليه هي وعائلتها.

وحكى أيضاً عن مقتل ابنه، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 16 عاماً، وصهره اللذين لقيا حتفهما بعد الحادثة الأولى بفترة وجيزة من جراء انفجار عبوة ناسفة في منزل أحد جيرانهم.

مع ذلك، وبعد أن انتشل بركة أبو كرامة جثة ابنه وصهره من الأنقاض ودفنهما بنفسه، استأجر رجلاً من الحي ليزيل العبوات الناسفة من منزله. كان الرجل الذي استأجره يعمل فني إصلاح سيارات في الأصل، وكان قد أزال العبوات الناسفة من 20 منزلاً قبل ذلك، وكانت أجرته 5000 ليرة سورية (10 دولارات أميركية تقريباً) عن كل عبوة ناسفة ينجح في تفكيكها.

كان بركة أبو كرامة يعرف مخاطر ما يفعله بالطبع، لكنه كان يعيش برفقة تسعة من أفراد أسرته في خيمة واحدة من غرفتين في مخيم للنازحين شماليّ الرقة منذ سبعة أشهر. وطوال المدة التي قضاها في ذلك المخيم، لم تكن خيمتهم تقيهم شر الرياح الباردة التي كانت تتسلل إليهم داخلها طوال فصل الشتاء وتهتز معها جدران الخيمة.

من جانبها، وضعت السلطات لوحة إعلانية في مدينة الرقة تُحذِّر أهلها من مخاطر العبوات الناسفة المخبأة في أرجاء المدينة وتنصح السكان بإخطار المجلس المحلي فوراً في حال العثور على أي عبوات ناسفة.

“سأضرم فيه النيران”

أما الرجل الذي استأجره بركة لإزالة العبوات الناسفة من منزله، فقد تمكَّن في غضون دقيقة واحدة من دخوله للمنزل من أن يلمح عبوة ناسفة مدفونة تحت كومة من أوراق الزيتون، فككها بسرعة وواصل تجواله في أرجاء الغرفة ببطء.

لكن بركة أبو كرامة، الذي يعمل سائق أجرة، بدأ يتوتر، نظراً إلى كبر حجم منزله المكون من أربع غرف، وقال له: “يا أخي، لا تتعب نفسك، لم أعد أرغب بالعودة إلى هذا المنزل”.

إلا أن الرجل أصرَّ على الانتهاء من المهمة المكلف بها.

وفي الغرفة الثالثة التي دخلها الرجل، حرك مرتبة فراش لم يجد تحتها شيئاً، ثم التقط منشفة من على الأرض، فانفجرت معها عبوة ناسفة.

ولفظ الرجل أنفاسه الأخيرة في طريقه إلى إحدى المستشفيات في المنطقة.

ما زال بركة أبو كرامة يعيش في خيمته بمخيم النازحين، ويرتدي نفس الرداء رصاصي اللون الذي كان يرتديه في ذلك اليوم، لكنه ممزق من ناحية الصدر بعد أن أصابته شظية من شظايا العبوة الناسفة عند انفجارها في صدره.

أما ابنه، فقد سجل اسمه في مجلس الحي المحلي حين أعلن عن فتح باب التسجيل أمام الراغبين بإزالة العبوات الناسفة من منزلهم قبل العودة إليه منذ ما يزيد على الشهر، وإن لم يتلقَ أي رد حتى الآن.

واختتم بركة أبو كرامة حديثه قائلاً: “إن عدت إلى ذلك المنزل يوماً، سأضرم فيه النيران بأكمله؛ لأنني لا أعرف أين قد تقبع فيه الألغام”، ثم جلس على قطعة رقيقة من القماش المشمّع لا تكاد تقيه برودة الأرض المفروشة بالحصى تحته.

واستطرد قائلاً: “يكفيني من فقدتهم بالفعل!”.

وفي مدخل أحد المنازل بمدينة الرقة، لمحنا لافتة تقول: “احذر خطر الموت بالألغام!”.



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع