أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » د. خطار أبودياب : متى “ وثيقة أو معاهدة وستفاليا Westfalia ” السورية والحل الواقعي والعادل ؟

د. خطار أبودياب : متى “ وثيقة أو معاهدة وستفاليا Westfalia ” السورية والحل الواقعي والعادل ؟

د. خطار أبودياب –

كما حالها منذ 2011، تبقى سوريا ساحة تقرير نفوذ إقليمية ودولية، وهي بالتالي محور تجاذبات منتظرة تطرح مصير النظام والكيان وخريطة الإقليم. وبينما يستمر اللهيب المستعر من الغوطة إلى ادلب وعفرين ويتواصل تيه اللجوء مع من يموت بفعل الصقيع أو من يحيا بأبشع الشروط من دون أي استدراك لوقف مسلسل قتل ونفي الإنسانية على أراضي الشام المنتهكة، نشهد أواخر يناير 2018 على نهم في رقصة وتضارب المسارات من جنيف 9 هذه المرة في فيينا إلى سوتشي

راهن الرئيس فلاديمير بوتين أن يكون العام 2018 عام تركيب الحل في سوريا، وأراد من زيارته إلى قاعدة حميميم أن يؤكد انتصاره ، وبدا القيصر الجديد مستعجلاً عشية الانتخابات الرئاسية في مارس القادم التي ستتيح له البقاء في الكرملين حتى 2024 ، وتباهى أن ” قاعدتي حميميم وطرطوس هما بمثابة قلاع تحمي روسيا ” لكن سرعان ما قام النظام وإيران بخرق التهدئة في مناطق خفض التوتر من الغوطة إلى ادلب، وكان الأدهى قيام هجمات في آخر 2017 وبداية 2018 بالهاون وصواريخ غراد وطائرات درون مسيرة ضد قاعدة حميميم، مما شكل تحدياً كبيراً لسيد الكرملين على ضوء استمرار الالتزام الروسي بدعم نظام بشار الأسد وشخص الرئيس بالذات. وبرز في هذا السياق تبدل في الموقف الأمريكي حيث كشفت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عن سياسة سورية جديدة ونوعاً ما متماسكة لواشنطن تعتمد على إبقاء القوات الأميركية شرق الفرات من أجل ” منع عودة «داعش» وإنهاء نفوذ إيران الذي يتمدد على الأرض السورية وفي قلب مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية.استراتيجية أميركية لسورية” وكذلك من أجل . “حل سياسي يخرج بشار الأسد بنتيجته من الرئاسة” ، والواضح أنه من خلال هذه الدعائم لسياسة جديدة تأمل واشنطن منع استفراد روسيا بالنفوذ وفرض ” الحل الروسي” في سوريا، خاصة بعد عدم نجاح إدارة ترامب في اقناع روسيا بالفصل الاستراتيجي بينها وبين إيران على الساحة السورية

إزاء الاستعصاء واحتمال أن تكون ” تصفية الحروب” نزاعات بحد ذاتها مع ما لها من ديناميكيات ومصالح خاصة أن مخاض التحولات والصراع على صعيد إقليمي المتسم بالتمدد الإيراني، يفرض التمهل قبل اصدار استنتاجات أو احكام عن حسم الوضع السوري ولا يعول على المسارات المتضاربة في الاقتراب من الحل. ويدفعنا ذلك لمراقبة تجارب سابقة في القارة القديمة التي أدمتها الحروب في القرنين السابقين.

علم الأوروبيون من تاريخهم بأن حرب القيصر الألماني فرديناند الثاني مع رعاياه البوهيميين لم تعد مجرد نزاع داخلي في براغ ، فبعد القضاء عليهم فتح الباب على مصراعيه لحرب امتدت ثلاثين عاما شاركت فيها الدول الأوربية وصارت مثلا لصراع ديني بين البروتستانت والكاثوليك ولم يتم التوصل إلى حل يحقق الإستقرار إلا بعدما جلس ممثلون لجميع أصحاب المصلحة على طاولة واحدة وتباحثوا في مصالحهم لمدة سنتين كاملتين استطاعوا إنهاء حرب الثلاثين عاما. وتمخضت المفاوضات عن وثيقة أو معاهدة وستفاليا التي تم التوقيع عليها في 1648

في الحالة السورية نلاحظ تبلور سيناريوهات التفكك ومناطق النفوذ أي ( مناطق الأمر الواقع هي الأكثر تداولا وواقعية في المدى المنظور). في سبعينات القرن الماضي اعتبر هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي الشهير أن “لا حرب من دون مصر، ولا سلام من دون سوريا”. وفي يوليو 2013 توقع كسينجر نفسه في مداخلة له أمام “فورد سكول” أن “هناك ثلاث نتائج ممكنة للصراع في سوريا: فوز الرئيس الأسد، انتصارا سنيا، أو نتيجة تتوافق فيها القوميات والفئات المختلفة على التعايش معا، ولكن في مناطق تتمتع بالحكم الذاتي ولا يكون فيها قهر واضطهاد”، وحسم أنه “يتمنى الخيار الثالث ولو أن هذا الرأي ليست له شعبية كبيرة”.

هكذا إذا عدنا إلى أدبيات العزيز هنري فإنه يعتبر اتفاقية سايكس – بيكو أنها أفرزت دولا لا علاقة لها بالحقائق التاريخية، وكان هدف فرنسا تركيب سوريا على مقاسها، وهاجس بريطانيا مماثلا له في العراق. والأهم هو خلاصة كيسنجر وجو بايدن (نائب الرئيس الأميركي السابق) وأمثالهما في الدوائر الغربية والإقليمية، أن هذه الكيانات في سوريا وغيرها غير قابلة للحياة ولا بد من منهجية أخرى تتأقلم مع واقع نفوذ القوى الإقليمية .تنطلق هذه المقولة من أن الشعوب العربية ليست بصدد التفكك الآن، لأنها لم تعرف في الأصل، أو من قبل، عملية توحد فعلية بين مكوناتها المختلفة. يمكن لذلك أن يكون صحيحا من ناحية علم الاجتماع وسيطرة الدين، لكن تركيب الدول والكيانات يخلق وقائع لا يمكن تجاوزها، ولذلك يمكن أن يكون التفكك عنوان مرحلة انتقالية تحكم فيها قوى الأمر الواقع، لكن الأرجح أن العناصر المنطلقة من عمق المجتمعات وجذورها الحضارية ستجد في لحظة مستقبلية معادلة المواطنة والشكل الفدرالي والاتحادي لترميم الكيانات القائمة أو تكوين اتحادات مناطقية.

أن الخلاصة المبدئية المتوقعة هي انتهاء سوريا وكيانها التاريخي المنبثق من اتفاقية سايكس – بيكو، والتوجه نحو جغرافيا سياسية جديدة في سوريا وجوارها لن تتضح ملامحها من دون حسم الصراع الإقليمي والدولي، أو الجلوس إلى طاولة مفاوضات تنتج معاهدة “وستفاليا” مشرقية. وهذا لا يبدو ممكنا في المدى القصير تبعا لميزان القوى المحلي والإقليمي، وتبعا لاستمرار التجاذب بين واشنطن وموسكو.

المصدر : مجلة رؤية سورية /



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع