أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » عارف دليلة : الفساد والاستبداد . التوٱمان العزيزان

عارف دليلة : الفساد والاستبداد . التوٱمان العزيزان

الفساد والاستبداد
التوٱمان العزيزان

 

Aref Dalila

اعتاد احد ” اعرق ” الوزراء النفطيين في ثمانينات القرن الماضي ، عندما كان الدولار يتمرغ في الحضيض بعد ان ارتفعت اونسة الذهب الى ٨٠٠ دولار ، صاعدة من سعر رسمي سابق هو ٣٥ دولار ، اعتاد ان يغدق ، بعد كل رشفة ويسكي ، على الدولار الاميريكي صفة “العزيز ” ، وان يقول :
” اننا سنسخر كل طاقاتنا لدعم الدولار العزيز ” ، هذه الطاقات المالية الهائلة التي توفرت له فجأة من تاديته لوظيفة “جامع الضرائب ” من جميع فقراء الشعوب ببيعهم باعلى الاسعار سائل حبيس في باطن الارض منذ ملايين السنين لايمتلك اي قيمة عمل او كلفة بذاته ، ثم توريد الحصيلة التي تفيض عما ينفق على اهل الارض التي احتوته ، ليتغذى بها ” الدولار العزيز ” المريض !
وكان أنور السادات قد استبق في السبعينات الوزير النفطي باطلاق صفة “العزيز ” على وزير الخارجية الامريكي ٱنذاك هنري كيسنجر ، بمخاطبته ب” هنري العزيز ” ،
اما الدولار فقد اصبح في امس الحاجة ل نعته ب ” العزيز ” للمحافظة على مكانته كاعظم عملة في العالم رغم ان رصيده الاحتياطي ، سواء من الذهب او من رصيد الميزانية الحكومية او رصيد ميزان المدفوعات الاميريكي ، قد انقلب الى عجز متصاعد ، وبالاخص بسبب تكاليف حرب فيتنام (الاميريكية _ الفييتنامية) في اواخر ستينات القرن الماضي ، اذ اصبح ، بالنسبة المئوية ، من ادنى النسب لدى دول العالم ، لذلك اصبح رصيده الاساس هو فرضه بالقوة الهائلة العسكرية والمالية التي اصبحت تمتلكها الدولة الوحيدة التي خرجت رابحة جدا من الحرب العالمية الثانية بتحويل خسائر العالم كله ، وبالاخص اوربا ، ( بل حتى المستعمرات مثل مصر وسورية كانت عند استقلالها دائنة لمستعمريها ولم تكن مدينة لهم ! ) الى ارباح صافية لاقتصادها المزدهر ، ليجتمع ٩٠٪ من ذهب العالم في المصرف الفدرالي الاميركي في نهاية الحرب وليحتل بموجب اتفاقية بريتون وودز عام ١٩٤٥ مكانة النقد العالمي ، بعد ان فرضت الولايات المتحدة على المؤتمرين اقتراح مندوبها (وات )واسقطت اقتراح مندوب انكلترا (الاقتصادي الشهير جون ماينرد كينز) الذي كان يقضي بانشاء نقد عالمي مستقل يصدره مصرف مركزي عالمي ، كما قرر المؤتمر اقامة الركائز الثلاث للنظام الاقتصادي الامبريالي العالمي لتدعم بذلك دور الدولار كنقد عالمي : صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية .
ومن اجل تمرير قرار اعتماد الدولار كنقد عالمي ، بديلا للذهب فقد التزمت الولايات المتحدة بتثبيت سعر صرفه عند ٣٥ دولار للاونسة الواحدة من الذهب ( ١’٣١غ) وبحرية تبديله بالذهب ، وهو ماتملصت منه الحكومة الاميريكية بمجرد انقلاب اوضاعها الى اكثر دول العالم عجزا اواخر الستينات ، مما دفع الرئيس الاميريكي نيكسون لاصدار قرارين في صيف ١٩٧١ يقطع بموجبهما الصلة بين الدولار والذهب .
ومنذ ذلك الوقت والعالم ، جنوب وشرق الكرة الارضية ،تتبخر ثرواته من داخل بلدانه ومن ايدي مواطنيه ، بعد تسييلها في شكل دولاري ، في رحلة طيرانها عبر المحيطات الى مخدعها الامين ، الولايات المتحدة ، سواء برحلة واحدة ، او عبر محطات اخرى ، وخاصة اوربية !
ومنذ ذلك الوقت تمارس شعوب العالم هذه ، مغلوبة على امرها ، دور الزوجة المخدوعة : فهي تتضور جوعا ومرضا وانكماشا وتهميشا وحرمانا وهجرا وتسليطا للاراذل الطغاة على رقاب اهلها ، بينما عشيق سادتها النهابين ، ينتظر منهم ان ينقلوا دماءها المشفوطة ، قهرا ، لضخها في عروقه ، لتنتفخ اوداجه ، ويعود ويبادلها هذه ” الانسانية الغامرة ” بافظع العقوبات وليستبيح كل مالديها من طاقات ، واذا احتاچ من اجل ذلك ، فبعد تدميرها . واحيانا كثيرة يكون التدمير ساديا مجردا كتصريف لفائض شبق وحشي لزعماء مرضى نفسيا ، كما في حالة القاء القنبلتين النوويتين الاميركيتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان ، وذلك بعد هزمها في الحرب !
اذن كيف يمكن للعقل السليم ان يستنتج امكانية نشوء بقعة نظيفة في وسط هذا البحر المهتاج من الشناعة والاجرام ؟
انها ليس نعوة من اجل التيئيس بل دعوة لاعمال العقل واستثارة الهمم والضمائر واجتماع الاخيار من اعداء الطغيان والفساد لاشادة البنيان الجديد .

اما بشان ” هنري العزيز ” الذي كان “يذرف الدموع !” كسبا لرضى اصدقائه العرب ، وهو ينتقل في جولاته المكوكية بين العواصم العربية الى ان اشترى منهم بوليصة تامين للحياة ل “اسرائيل ” ، مع تمكينها ، بفضلهم ، من تقديم نفسها ك “واحة للازدهار والديمقراطية والحرية وسط غابة تعج بالهمجية والتخلف ” !
ولم يمر يوم او ساعة على مدى سبعين عاما لم يتبرع اصدقاء “هنري العزيز ” بكل ماتملكة الارض والشعوب العربية من ثروات و دماء من اجل دعم الازدهار والرخاء وترسانات السلاح عند اعداء الشعوب والانسان !
ولا بد من التاكيد اخيرا انني ارفض اعتبار الخارج ومؤامراته المسؤول الاول عن كوارثنا ، وانما ، على العكس ، اعتبرهم يقومون بكل جدارة بما يتطابق مع طبيعتهم ويخدم مصالحهم ، انما المتٱمر الاكبر هو من يوظف نفسه وطاقات بلده وشعبه ، في غمرة سعيه لاشباع شهواته المريضة للسلطة والمال ووو غير القابلة للاشباع ، لتطويع طاقات وامكانيات دولته وشعبه لخدمة المتامرين ومصالحهم ، الموجودين دائما وابدا ، كقانون طبيعي !
والقانون الطبيعي المضاد هو ، اين يكون فساد فلابد ان يكون الاستبداد ، والعكس صحيح . واين يكون هناك اصلاح لابد من الحرية !
وهذا كان محتوى عنوان مقالي الكبير على عددين في جريدة ” الثورة ” السورية عام ٢٠٠١ ، التي نشرته يوم كانوا يزعمون انهم مقبلون على تطبيق اصلاحات جذرية شاملة :”” الاصلاح الاداري والاقتصادي من اجل الصلاح الاجتماعي “” ، ولم تمض ساعات حتى ترجمت السفارات الاجنبية بدمشق المقال، واتصل بي العديدون يستفسرون ظنا منهم انه يمثل نظرية العهد الجديد ، وقال لي مدير مكتب الجريدة انهم لايلحقون اجابة مئات الطلبات من جميع انحاء العالم بارسال نسخ بالفاكس لهم عن المقال ،
كان هناك الامل الكبير ، مثل شوق البادية السورية الى المطر ، والذي لم يلبث ان اغتيل باعتقال ربيع دمشق الزاهر وتحطيم براعمه الناضرة ، لتتبخر الوعود مثل تبخر المطر في الهاجرة !

 



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع