أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » عدنان عبد الرزاق : متحف جلال الدين الرومي الرومي بمدينة قونيا التركية : استمرار وفاء الدراويش لـ”مولانا”

عدنان عبد الرزاق : متحف جلال الدين الرومي الرومي بمدينة قونيا التركية : استمرار وفاء الدراويش لـ”مولانا”

يحتفظ متحف جلال الدين الرومي بمدينة قونيا التركية، بأعلى نسبة زوار بين المتاحف التركية التي تزيد عن 415 متحفاً. إذ زاره العام الفائت زهاء 2.5 مليون إنسان، من مختلف دول العالم والديانات، متفوقاً، حتى على متحف “آيا صوفيا” الشهير باسطنبول، والذي لم يزد زواره عن 1.9 مليون زائر.

فما هي أسرار تهافُت السياح، وحتّى الأتراك على متحف “مولانا”؟ ومن هو جلال الدين الرومي؟ ومن بنى المتحف الذي يضم ضريح مؤسس فرقة الدراويش”، وصاحب الفلسفة الدينية التي تنطلق وتستقر، من المحبة والتسامح.

ولد جلال الدين الرومي، المُلقَّب بـ”مولانا”، في منطقة بلخ في خراسان، وما يعرف حاليَّاً بأفغانستان في 30 سبتمبر/ أيلول عام 1207 للميلاد. وكانت عائلتُه تحظَى بمصاهرة البيت الحاكم في “خوارزم”، وأمُّه مؤمنة خاتون ابنة خوارزم شاه علاء الدين محمد. وكان والده بهاء الدين يُلقَّب بسلطان العارفين، لما له من سعة في المعرفة والعلم بالدين والقانون والتصوف.

وعند قدوم المغول، هاجرت عائلته هرباً إلى نيسابور، لتبدأ عند الرومي أول عوامل التأثير والتغيير، إثر التقائه الشاعر الفارسي، فريد الدين العطار، الذي أهداه ديوانه “أسرار نامه”، والذي يرى النقاد، أن له الدافع الأهم، لغوص الرومي في عالم الشعر والروحانيات والصوفيّة. ومن نيسابور، سافر مع عائلته إلى سورية ومنها إلى مكة رغبةً في الحج، ليستقر بهم المقام في الأناضول لسبع سنوات، حيث توفيت والدته. وتزوج الرومي بجوهر خاتون، وأنجب منها ولديه، سلطان ولد وعلاء الدين شلبي. وعند وفاة زوجته، تزوج ثانية، وأنجب ابنه أمير العلم شلبي، وابنته ملكة خاتون.

وأما الحكاية مع قونيا، فقد بدأت عام 1228 للميلاد، وقت دعا حاكم الأناضول، علاء الدين كيقباذ، والد جلال الدين إلى عاصمة السلجوقيين وقتذاك، ليدير مدرستها. فكانت البداية في تأسيس وعي الشاب، عبر تعلمه علوم الدين على يد الشيخ برهان الدين حتى وفاته، وليبدأ جلال الدين الرومي مزاولة العمل العام في الموعظة والتدريس في المدرسة. وخلال هذه الفترة، توجه الرومي إلى دمشق وقضى فيها أربع سنوات، نهل خلالها من مراجع العلوم الدينية، ليكون التحول الآخر في حياته.

ولعل التحوّل الأهم في رسم ملامح جلال الدين الرومي، وتأصيل ذهنيته، كان عام 1244 للميلاد، وقت وصل الشاعر الفارسي، شمس الدين تبريزي، إلى قونيا، ليكمل معارفه الشاميّة عبر تطعيمها بالصوفية، إلى أن تم اغتيال التبريزي عام 1248. وقتها بلغ جلال الدين الرومي من الحزن ما صار مثلاً يحتذى به، ليخرج حزنه عبر “الديوان الكبير”، أو ديوان “شمس الدين التبريزي”، قبل أن يغني المكتبة قبل وفاته عام 1273 بـ”الرباعيات” و”ديوان الغزل” و”مجلدات المثنوي الستة” و”المجالس السبعة” و”رسائل المنبر”، هذه الأعمال التي ما زالت حيّة حتّى الآن، ويتم اقتباسها دومًا.

وأما قونيا، فهي من أكبر المدن التركية ويعود تاريخها لنحو 7000 عام قبل الميلاد، تقع وسط جنوب الأناضول، وتُعد بداية التاريخ التركي، ومهد حضارات كثيرة. واحتفظت بدورها كعاصمة ثقافية واقتصادية، سواء قبل ذروة مجدها عندما كانت عاصمة السلاجقة، أو بعدها أيام الغزو المغولي، حتى وصولها لأحد معاقل الإسلاميين، أو مدينة طائفة الدراويش بتركيا اليوم، وازدادت شهرتها، تركيا وعالمياً، كونها مرقد “مولانا”.

ومتحف جلال الدين الرومي الذي يرى كثيرون، أن الاقبال عليه، ومن كل أصقاع الدنيا، إنما يعبر عن حب البشر، بصرف النظر عن القومية والديانة، للمحبة والتسامح التي نادى بهما الرومي طيلة حياته.

بني المتحف عام 1274 للميلاد، بإشراف المهندس المعماري، بحر الدين تبريزلي، ليدفن فيه “مولانا “جلال الدين الرومي. وأخذ البناء التصميم السلجوقي، إذ جُعِلَت الطبلة الأسطوانية لقبة المبنى الرئيسي مكسوة بالقرميد الأخضر ومزخرفة بخزف فيروزي، ترتكِزُ على أربعة أعمدة، حيث استمرَّ على وضعه الراهن حتى عام 1854، وقت تحول لمسجد وأُضيفت العديد من الأقسام إليه. وقام سليم أوغلو عبد الواحد بتزيينه أيضاً، وبالحفر على خشب النعش.

وفي الزاوية تحت القبة، هناك قبر جلال الدين الرومي، مُزخرَف بالذهب ومغطى بقماش ذهبي. وراء قبر جلال الدين الرومي، ثمَّة غرفة كبيرة توجد فيها معروضات من التحف التاريخية المولوية منها: آثار الرومي الشخصية بما في ذلك القبعات المخروطية، وسجادة صلاته وملابسه، وآلات موسيقية قديمة كالناي المصنوعة من الخيزران.
ويزور هذا المتحف سياح من مختلف أنحاء العالم، ولا يقتصر تعلق الأتراك بجلال الدين الرومي على حبهم لشخصيته وشعره ومؤلفاته، بل يتعدى ذلك إلى إحيائهم لكثير مما يعتقدون أنه طريقته في التصوف كرقصة السماع التي تقوم على الدوران حول النفس والتأمل في الخلق والخالق بهدف الوصول إلى مرحلة الكمال.

من أقوال “مولانا”: “وضع الله أمامنا سلّمًا علينا أن نتسلقه درجةً إثر درجة، لديك قدمان فلِمَ التظاهر بالعرج/ النور الذي في العين فليس إلا أثراً من نور القلب/ وأما النور الذي في القلب فهو من نور الله/ ليس العاشق مسلما أو مسيحيا، أو جزءا من أي عقيدة/ دين العشق لا مذهب له لتؤمن به أو لا تؤمن”.

إسطنبول – عدنان عبد الرزاق