أخبار عاجلة
الرئيسية » شعر » حمزة رستناوي: عن كتاب توق النص وأفق الصورة ( قراءة درامية في الشعر العربي الحديث) لمحمد العثمان

حمزة رستناوي: عن كتاب توق النص وأفق الصورة ( قراءة درامية في الشعر العربي الحديث) لمحمد العثمان

صدر للشاعر والناقد د. محمد العثمان دراسة بعنوان توق النص وأفق الصورة ( قراءة درامية في الشعر العربي الحديث) عن دار فضاءات 2018، يبحث الكتاب في البعد الحركي للشعر العربي الحديث، حيث أنّ الشعر بطبيعته بناء حركي جمالي و سردي متدفّق، تقتله الرتابة و يأنف السكون شأنه الحياة نفسها. الدراما لا تساوي الحركيّة فقط ، بل هي حركة يشارك فيها خليط من عناصر متعدّدة تتصارع / تتصالح / تتحاور فيما بينها ، خليط من الفرح والحزن ، من الجدّ والهزل، من الذات والموضوع ، من الأنا والآخر والنحن. أخذ الشعر اليوناني طابعا دراميا أصيلا لنمو المسرح وفنونه عندهم ، و لكن لم يعرف الأدب العربي القديم شعرا دراميّا بالمعنى الاصطلاحي للكلمة لكونه بقي نفسيّا خارج بنية المدينة ، وكذلك بسبب عامل التحريم الديني للتمثيل وغياب المسرح و ضعف التثاقف الأدبي مع الآخر و خصوصا الآخر اليوناني –الروماني. بقي الشعر العربي في اطار الذاتية الغنائية الوجدانية ضمن أغراضه المعروفة من مديح وهجاء وعزل وفخر ووصف .. غاب الشعر المسرحي والشعر الملحمي عن الحياة الثقافية العربية ، وحضر الشعر القصصي القائم على بنية درامية حوارية في حيّز صغير ، تكاد تكون قصيدة الحطيئة الشهيرة والتي مطلعها:
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل / ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما.
نموذجا مكتملا للشعر القصصي.

” لغويا: دَرَمَ ، يَدْرَمُ ، مصدر دَرْمٌ ، دَرَمٌ و دَرَمَانًا. 1- درم القنفذ أو الأرنب أو غيرهما : قارب الخطو في سرعة . 2 – درمت الدابة : دبت دبيبا.” وقياسا على ذلك يمكن القول : دَرَمَ الشعر .. تسارع في ايقاعه ، تفاعلت مكوّناته ، فأصبح شكلا حركيّا تنبض فيه الحياة ، وتزدهر فيه التعابير.

أعتمد المؤلف المنهج الجمالي التحليلي في الكتاب حيث قام بدراسة النصوص دون اللجوء الى التفسيرات الخارجية له ، و كان اشتغاله منضبطا ضمن المنظور الدرامي للنصوص الشعرية ، و هو منظور مفيد من جهة أن البناء الشعري الحديث هو في صميمة بناء درامي. عرض المؤلف لثلاثة مستويات درامية في الكتابة الشعرية :
أولا- شعرية القصد و الايصال : حيث ينزع الشاعر رداء الذاتية و يتجه نحو الموضوعية في توظيف حدث او حكاية ما .. في هذا المستوى يقرّب الشاعر الصورة والدلالة الى مستوى السطح مراعيا فيه توفر الظلال لهذه الصورة مما يجعلها قريبة بعيدة في الآن نفسه – ص29 لكن اذا لم يكن الشاعر الذي يكتب بهذا الاسلوب شديد الحرفية والتكنيك في التعامل مع اللغة و حساسية الموقف واللحظة الشعرية حيث يستغل الشاعر الحدث و ينميه بطريقة مشوقة و لغة رشيقة ، فتنحو فيه الشعرية منحى التقريرية أكثر من الاشتغال الفني فتكون كلاما عاديا و لكنه صيغ بقالب شعري . ص29 ومن أبرز الشعراء الذين برعوا في هذا المستوى الدرامي نزار قباني و مظفر النواب وأحمد مطر حيث مثّل المؤلف عليه بقصيدة ” قلم ” لأحمد مطر .و قصيدة مرثاة قطة لنزار قباني و قصيدة اليوسفيّة للشاعر الأردني تركي عبد الغني
ثانيا- شعرية الانزياح: حيث تذهب اللغة نحو الكثافة الفنية الشفيفة ويكون التصميم الفنّي للأفكار عبر الغنائية الموضوعية و العدول الفني للبنيات و الوحدات النحوية اللغوية . لكن يبقى من مطبّات هذا المستوى الدرامي أن يقع الشاعر في مطب الحكائية والسرد المفرطة .. أو أن تذهب الفكرة ضحيّة الانزياح .. أو تكون النزعة الذاتية طاغية على حساب النزعة الموضوعية في الرؤيا – ص37 و يمثّل الكتاب على هذا المستوى بقصيدة ” الجوع و الضيف” لمحمد عمران و نص آخر للشاعر اليمنى عبدالله البردوني
ثالثا- شعرية الكشف المركب: حيث يذهب الشاعر نحو التكثيف العالي مع قليل من الايهام في اللغة التي تحيل بالضرورة الى صراع داخلي ينتج تأزما .. يخلق فجوات للتوتر- ص41 وهنا إما أن يستطيع الشاعر تحقق توازنه الفكري مع الفني من خلال التضبيب و جعل القارئ يقلب معاني الكلمات ليملأ الفجوات التي تركها الشاعر في هذا التركيب الغامض ، وإما ان يضيع الشاعر مع هذه الكمية الكبيرة من هذا التكثيف فيكون كلامه اشبه بالتراتيل غير المنضبطة و التي لا تتسم بالمنطقية .. فتكون القصائد ضربا من الهذيانات – ص41 و يرى المؤلف أن معظم شعر أدونيس ينحو يُتضمّن في شعريّة الكشف المركب و يمثّل عليه بقصيدة ” تاريخ يتمزق على جسد امرأة” وقصيدة أخرى للشاعر المصري حسن شهاب الدين
*
صوت القناع صوت الراوي
القناع في الاصطلاح الشعري هو أحد أشكال التوظيف الفنّي المُظهرة للأقوال والحركات، يقوم بها الشاعر ” يلتقي لسان حاله ولسان حال الآخرين، فيكون المعبّر عنهم ايضا، ليتشكّل العنصر الدرامي .. تشكلا تلقائيا ينطلق من الذات الفردية الواعية الى صراع شبه موضوعي- ص 49 يلعب النموذج الفني/ القناع دور وسيط متعدد يصل الشاعر بالقارئ عبر مجال النص ، كما أنّه يصل الماضي بالحاضر عبر استحضار شخصيات تراثية تلائم الغرض. وقد عرض الكتاب لعدة نماذج تمثّل صوت القناع في البنية الدرامية للقصيدة ، هي قصيدة ” الجبّ” لحسن ابراهيم الحسن حيث استخدم قناع النبي يوسف وقناع النبي محمد كرموز تجسّد نقاء ومحبّة الراوي في مقابل خبث الآخرين. ثم عرض الكتاب لقصيدة ” لا تسمّ الأشياء ” للشاعر العراقي محمد البغدادي الذي استخدم أيضا قناع النبي يوسف مبرزا السمات النمطية لشخصيات وأحداث القصّة القرآنية . ثم يعرض الكتاب إلى قصيدة ” لعازار” لخليل حاوي ، حيث يستحضر الشاعر رمزا مسيحيّا بغير دلالته الأصلية ، فلعازار خليل حاوي عدّ رحمة المسيح ملعونة، لأنه اعاده الى حياة هي أوجع من الموت ، أما لعازار الانجيل فهو لم يغضب على المسيح لأنه اقامه من الموت، فالمضامين التي يتفتق عنها رمز لعازار غنية متداخلة متشعبة ، فلعازار هو رمز الواقع والعجز عن تغيير الواقع في آن معا ، وإن انبعاثه المشوه يرمز الى واقع الانسان و الحضارة في الوطن العربي – ص58 وفي ختام هذا الفصل يعرض الكتاب لقصيدة ” الموت في غرناطة ” للشاعر عبد الوهاب البياتي ، حيث يتحوّل الشاعر الى قناع يروي الحدث ” فالمتكلم في القصيدة ليس الشاعر عندما يتكلم عن موته ، عن جسده المسجى في التابوت ،عن نهرين يغير كل منهما مجراه تاركين جرحا على شجيرة الرمان، إنه لوركا الشاعر الإسباني ، وصاح في غرناطة معلم الصبيان لوركا يموتُ مات – ص60

الديالوج ( الحوار الخارجي )
أولا – حوار الصوتين المتصارعين : يكون الصوت الذي يضارع صوت الشاعر منقول وهذه اهم صفة في الحوار ، حيث أن الشاعر يتجرد من نفسه لذات المُحاور .. لذلك هو حوار بعيد عن المجانية وهو محكوم بحاجة النص إليه أي أنه نوع من الاستدعاء، وهو أيضا بعيد عن العفوية بسبب طابعه الأدبي، و يمثّل الكتاب على هذا الحوار بقصيدة الشاعر السوري تمام تلاوي في ( التداعيات الجماعية لأصدقاء العزلة ) : بعثتُ/ بعثتُ الرسائلَ/ قلتُ لهمْ: لِمَ لَمْ تَضَعُوا لَفَّةَ الزّعترِ العائِليِّ بزوّادتي؟ ثُمّ قلتُ لساعي البريدِ: على مِقبَضِ البابِ علِّقْ كلامي/ ولكنَّهُ حينما عادَ لي عادَ لي يحملُ البندقيَّةَ/ صوَّبَها باتجاهِ تجاعيدِ قلبي وقالَ: لماذا تركتَ ثلوجَ المدينةِ تهطلُ فوقَ ضفائرِ أمِّكَ؟ – كيفَ أبي؟ – ينتِفُ العمرَ والشّيْبَ عن سالِفَيْهِ, ويسعلُ إسمَكَ.. يسعلُ إسمكَ.. بعتثُ / بعثتُ الرسائلَ- ص86 لقد فاعل الشاعر هنا الحوار بينه وبين ساعي البريد، ليقوم على استحضار الغائبين الأحبة و الأهل ..فجاء هذا الاستحضار مكثفا بحوار متواز بين الشاعر وبين كلامه المنقول على لسان ساعي البريد، خلقه الشاعر لينقل لنا مشاعر غربته القاسية – ص69 . ثم يعرض الكتاب مثالا آخر على هذا النمط الحواري بقصيدة محمود درويش ( شتاء ريتا ) ومحمود درويش هو من أكثر الشعراء العرب توظيفا للبنية الحوارية في السرد الشعري، حيث يلعب درويش فيها دور الراوي أو السارد المصاحب الذي يسمح للشخصيات ان تدلي بدلوها و تعبر عن آرائها في حرية تامة لتقدم الرؤية الشعرية بعيدا عن النرجسية– ص 72
ثانيا- الحوار متعدد الاصوات: كأن يكون هناك صوتان متصارعان وصوت ثالث خفي يتمثل بصوت الشاعر نفسه ، أو يكون هناك ثلاثة اصوات فأكثر تطرح نفسها في تشكيل الهيكلية الفاعلة للنص ..أو من خلال استحضار واستدعاء تناصي عبر شخصيات أو أفعال او أقوال– ص 74 وقد مثّل الكتاب على هذا النمط بقصيدة (مرثية الامير دياب) للشاعر محمد عمران حيث يستحضر فيها صوت عبدالله بن الزبير الذي لا يخشى الموت في ساحة القتال إنما يخاف التمثيل بجثته ،..وكذلك صوت الأم التي تحثّهُ مستحضرة المثل المشهور ( لا يؤلم الشاة المذبوحة السلخ) كل هذه الاصوات تداخلت لتعكس الصوت الخفي لمحمد عمران وموقفه المناهض للسلطة المستبدة – ص75. ثمّ يعرض المؤلف لكتاب أدونيس كأفضل الأمثلة في الاشتغال على الحوارية وتعدد الاصوات ، فقد جعل أدونيس المتنبي راويا و متحدثا والصوت الرئيسي في هذا الكتاب، فينتقل هذا الراوي للحديث عن كل المشاكل والازمات التي تعصف بالمجتمع من خلال استحضار أصوات اخرى يحدثها أو يتحدث عنها الراوي- ص77 إن الأصوات المتعددة تظهر عندما يكون الشاعر بالفعل قادر على تكوين اكثر من رؤيا لنصه، و أكثر من دلالة يحاول من خلالها تغيير الواقع من خلال هذا التفاعل النصي والارتكاز المشهدي.

المونولوج ( تداعيات الذات)
المونولوج أحادي الارسال، تعبّر فيه شخصية واحدة عن حركة وعيها الداخلي في حضور متلق واحد أو متعدد حقيقي أو وهمي ، ولكنه أيضا يعد ظاهرة متأصله في الشعر ، و نزعم انه اقرب انواع الحوار الى الشعر و اكثرها ملائمة له “يحاول فيها المحاور ان يصنع لنفسه طرفا من داخله و يتحاور معه ولكنه مع ذلك يبقى حوارا روحيا داخليا أو سرا شخصيا – ص85 و يمثّل الكتاب على هذه التقنية الشعرية الدرامية بثلاثة قصائد هي: أداوي لسعة الذكرى للشاعر السوري عبد الكريم بدر خان – موجة من صهيل للشاعر العراقي عمر عناز – روي عن الخنساء للشاعر ممدوح عدوان.
ثم يختم المؤلف الكتاب بمثال تطبيقي عن آليات تشكيل الدراما في القصيدة الحديثة مُستحضرا ” قصيدة الشقراء ” لبدوي الجبل نموذجا.
كلُّ المحبّين ملكي/ وأنتَ وحدكَ ندّيْ
وكبرياءُ جمالي/ تريدُ منكَ التحدّيْ

في ختام هذا العرض المُختصر للكتاب سوف أقف على النقاط التالية
أولا- قدّم الكتاب عرضا منضبطا متسلسلا وكافيا لموضعه ” قراءة درامية في الشعر العربي الحديث ” دونما إلغاز أو تشتت عن الموضع ، وبتوازن ما بين التنظير والتطبيق ، حيث تجلّى جانب الجدَّة في تحليله وإضاءاته للكثير من النصوص الشعرية.
ثانيا- عندما عرض الكتاب لمستويات الكتابة الشعرية الثلاثة (شعرية القصد والايصال- الانزياح- الكشف المركب ) عرض لنقاط الضعف الممكنة والمطبات التي قد يتعرض لها الشاعر في كلّ مستو منها، وهذا جيد من جهة الاحاطة بكل مستو منها. لكن بالانتقال الى تقنيات ( القناع- الديالوج- المونولوج) لم يعرض الكتاب لنقاط الضعف الممكنة والمطبات التي قد يتعرض الشاعر ..و هذا يُنقص من درجة الاحاطة بها.
ثالثا- جميل أن نصنّف ونصف ونمثّل على مستويات وتقنيات الكتابة الشعرية دراميا، ولكن لنتساءل عن تأثيرات الشكل الدرامي من جهة التفاعل والتلقي أفقيا وعاموديا، سهولة وصعوبة ، امتداد وتقلّصا ..الخ رابعا-مثلا ،كيف يستقيم هذا الاقتباس الذي نقله المؤلف على لسان أحمد أمين ” ومنهم من قال إن الدراما نشأت عند اليونان ، ثم انتقلت الى الرومان ، وبعضهم يرى عكس ذلك ” كيف يكون العكس ؟ فكيف ينقل الأقدم ( اليونان ) عن الأحدث ( الرومان)!

المصدر: جريدة الحرمل