أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » تطور الشتائم في مصر من “بونسوار يا هانم” إلى “إبن الـ****” والكلاكس

تطور الشتائم في مصر من “بونسوار يا هانم” إلى “إبن الـ****” والكلاكس

“إن الشاب الصفيق من هؤلاء يتعمد الوقوف على رصيف محطة الترام بالقرب من المكان المخصص لركوب السيدات، وعندما يجد سيدة بمفردها، يقترب منها ويقول لها من دون سابق معرفة، بونسوار يا هانم!”.

كانت تلك طريقة ردع المتحرش بالشتائم اللفظية لدى أهل الثلاثينيات وما قبلها في مصر، كما كتب فكري باشا أباظة عام 1932، في مقال يهاجم فيه تدهور أخلاق الشباب.

إلا أن أباظة “شيخ الصحافيين المصريين” لم يتخيل تطور الشتائم ردع المتحرشين وغيرهم من “الصفيق” و”بجاحة”، إلى حد ذكر الأب والأم وسب الأديان، ناهيك بالشتائم والسباب بين سائقي السيارات باستخدام “الكلاكس” الذي يرنم الشتيمة واستخدام الإيماءات والإشارات والرسوم المختلفة.
ماذا حدث إذن؟

لم يقتصر تطور المجتمعات على الجانب المادي من حيث البيئة والشكل والتكوين فقط، كما حاول عدد من العلماء البرهنة عليه مثل “داروين” والإغريقي “أنكسماندر” ونظرائهما بالصين وروما والحضارة الإسلامية، بل امتد للسلوكيات والألفاظ والعبارات، التي أدخلت الممنوع قديماً حيز المسموح حديثاً، وفتحت الباب أمام محظورات يتم الزج بها بين معاملات الأفراد العاديين على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية.

https://www.youtube.com/watch?v=B7-UAq 1tXI

الدكتور محمد سمير، العميد السابق لمعهد العالي للخدمة الاجتماعية ببنها، أكد أن تطور الشتائم الذي صاحب تطور المجتمعات له علاقة بالتعليم والتنشئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية للعالم، مشدداً على أن هناك مجتمعات تستطيع مواجهة هذه الشتائم بقوانين رادعة مثل أوروبا وأمريكا، بينما تعجز مجتمعات أخرى عن مواجهتها.

وتساءل سمير عن دور الأهل في تربية الأطفال والحوار معهم وتصحيح الخطأ الناتج منهما، “فلا حوار أو كلام وإنما طغت المادة على كل شيء في حياة الأسرة، وغابت ثقافة الثواب والعقاب”.

وقال لرصيف22: “الشباب يأخذون ما يشاهدونه في الفضائيات قدوة في الشكل والسلوك، مثلما يحدث بعد كل عمل للفنان محمد رمضان، سواء في قصة الشعر أو طريقة المشي والكلام بما يحمل من ألفاظ وإيحاءات وإشارات، فمن يحاسب على هذه الأفعال؟”.

وتذهب بسمة سليم، اختصاصية في الصحة النفسية وتهذيب السلوك، إلى أن انتشار السوشال ميديا بشكل كبير أدى لنمو المنافسة بين البنات والأولاد حول “الروشنة” باستخدام “البذاءة” في الحديث.

ولفتت بسمة في حديثها لرصيف22 إلى أن المثل السيئ يتم تقليده، متابعةً: “أصبحنا الآن نشاهد كل فئات المجتمع تستخدم الشتائم على اختلاف مستوياتها، بصرف النظر عن مستواها الاجتماعي أو التعليمي، فهناك شتائم داخل ساحات الجامعات الأجنبية في مصر، والأمر ذاته داخل الحرم الجامعي الحكومي وكذلك في المدارس على اختلاف أنواعها والمصالح والشركات والهيئات”.

المماليك هم السبب

في مصر، تعود بعض ألفاظ الشتائم إلى عهد الفراعنة، ولكنها كانت تخص فعل الجنس نفسه، ولم تكن تمس المرأة بشكل عام، أو الأم بشكل خاص، فاحترام المصري القديم للأنثى منعه من إدراجها في قاموس الشتائم. ولكن بعد دخول المماليك مصر وبعض الدول العربية، تغيرت الثقافة العامة وتغير معها كل شيء، حتى الشتائم.

وحفل التاريخ العربي بالمئات من قصائد الهجاء والذم، التي تبارى فيها الشعراء بقدراتهم اللغوية على التقليل والتحقير من شأن الطرف الآخر، بكلمات جزيلة المعنى، صعبة الفهم على أجيال الوقت الحالي، تستهدف الشخص “المشتوم” وحده، وكان مطلقها يصب جام غضبه على ذلك الشخص بأقوى الألفاظ وأكثرها حدة، إذ يعدد صفاته السيئة وقلة نسبه أو عزوته أو أمواله.

وقد صدر عام 1995 كتاب بعنوان “تراث العبيد في حكم مصر المعاصر/ دراسة في علم الاجتماع التاريخي” عن المكتب العربي للمعارف، أعاد بداية ظهور الشتائم في مصر إلى مطلع تاريخ حكم المماليك، الذين أسماهم الكتاب “الرقيق الأبيض في مصر”.

وذكر الكتاب: “لم يظهر السب والاستهزاء بالعضو التناسلي للأم إلا في العصر المملوكي، وازداد في العصر العثماني وهو مملوكي في صميمه أيضاً، واتسع في عصر الأسرة العلوية”، ويفسر الكاتب ذلك بأن “المملوكي في الأصل لا أسرة له، وهو لا يعرف أباه أو أمه، وليس له سلالة وقد يقرأ في عيون أهل البلاد ما يفيد ذلك، لذلك فهو غير حريص على شرف أهل البلاد أو صحة أنسابهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأقرب عضو لتلويث محدثه هو اتهام (ك. أمه) أو (ك. أخته)”.

والتفسير أن السب باستخدام العضو التناسلي للأم سببه في الأصل عقدة نقص عند المملوكي المجهول النسب، جعلته ينظر للمصري المعلوم النسب نظرة حقد، وبالتالي حين يسبه فلا بد أن يطعن في نسبه، كأنه يقول له أنت ابن هذا الجزء من جسم أمك ولا تعرف من هو أبوك. وعليه، يصبح ذِكر الأم في الشتائم هجرًا لثقافة مصرية قديمة كانت تحترم المرأة، لثقافة دخيلة مملوكية مجهولة النسب مثل من أتوا بها.

ولفت إلى أنه أيام العثمانيين كانت “الجربوع” والخسيس” و”الصعلوك” هي الشتائم الأشهر، إلا أنها تطورت إلى “ولد” و”جبان” و”خائن” و”متمرد”، لتتخذ الألفاظ بعدها منحىً جديدًا بدخول أسماء الحيوانات مثل “الكلب” والحمار” و”زبالة” وغيرها، وحتى كلمة “حيوان” ذاتها.

أحمد سليم، أحد الموظفين الذي تحدثت معه، يرى أن الشتائم لا تخلو من الأب والأم وسب الدين للأب والأم، إضافة للشتائم الجنسية والإيحاءات والإشارات والحركات بالإصبع والأيدي، الكفيلة بإشعال نيران المشاجرات، لأتفه الأسباب.

وأضاف سليم أن أحدث طرق الشتائم يتابعها خلال قيادة سيارته بين السائقين باستخدام الكلاكس، وتشير إلى شتائم –في الغالب- بالأم، وأن كل ضغطة كلاكس لها معنى معيّن، وأن الشتيمة تكون على نفس الوزن التي تُقال به بالفم.

الشتائم الفنية

كذلك لا تخلو الأعمال الفنية في مصر (أفلام ومسلسلات وإعلانات) من الإيحاءات والإشارات وحتى الألفاظ الشاتمة، بهدف جذب الشباب المصري الذي يمثل أكثر من 60% من إجمالي المجتمع، ويتمثل دور الرقابة على المصنفات الفنية في طلب حذف مشاهد أو كلمات أو وضع تحذير بالفئة العمرية لمنع من هم دون عمر معيّن من مشاهدة العمل أو النصح بمرافقة الوالدين.

أحد الأعمال التي طلبت الرقابة تغيير اسمها تماماً، مسلسل “عيان x ميت” للفنان بيومي فؤاد، خلال سباق رمضان الماضي، بعد انتشار دعايته بهذا الاسم، ليتم تحويله إلى “شاش x قطن”، لما يحمله الأول من معنى، ضمن سلسلة طويلة من الأعمال الفنية، التي حذف فيها مقص الرقابة مشاهد عديدة، بحجة الحفاظ على القيم المجتمعية وعدم خدش الحياء العام.

كما تعمدت الأفلام التي تناولت أحداث ثورة 25 يناير، إبراز الصفات التي تحقّر ثوار ميدان التحرير، ووصفهم بالمخربين الذين يمارسون علاقات جنسية كاملة، لهدم الدولة.

ويحتل الفنان محمد رمضان، جزءاً كبيراً من ذاكرة مشاهديه، إذ ينتشر أسلوبه بين المواطنين العاديين خلال عرض العمل وبعده، إضافة لحفظ عدد كبير من الأطفال لمشهد “الخناقة” الشهير مع عصام النمر بمسلسل “الأسطورة”.

سباب يعاقب عليه القانون

تعرف المادة 306 من قانون العقوبات المصري، جريمة السب بأنها “كل سب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة بل يتضمن.. خدشًا للشرف أو الاعتبار يعاقب عليه في الأحوال المبينة بالمادة 171 غرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه”.

وتُصنف وقائع “السب والقذف” كجنحة، كما يؤكد عميد حقوق القاهرة السابق الدكتور محمود كبيش لرصيف22، موضحاً أن جنحة “القذف” في حق شخص عادي تنظرها محاكم “الجُنح”، أما إذا وقع “القذف” في حق موظف عام أو شخص يحمل صفة نيابية، أو من يؤدي الخدمة العامة، فتعد “جنحة” أيضاً، لكنها تُنظر أمام الجنايات، وتكون العقوبة أشد في حالة الإدانة.

أما جرائم السب والقذف عبر الإنترنت عامةً، فينفي كبيش وجود قانون خاص ينظم الجرائم المتعلقة به، وإنما يتم العقاب على هاتين الجريمتين بموجب المواد أرقام 302، 303، 304، 306، 307، 308، 308 مكرراً من قانون العقوبات، إذ يعتبر الإنترنت من الوسائل المنصوص عليها في المادة 171 من قانون العقوبات المصري.

ونصت المادة 302 / 1 على تعريف جريمة القذف بأنه «يعد قاذفاً كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هذا القانون أموراً لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانوناً أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه».

وعاقبت المادة 303/1 على عقوبة جريمة القذف بالنص على «يعاقب على القذف بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه (283$) ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه (850$)».

المصدر: رصيف 22