أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » الجاذبية العثمانية

الجاذبية العثمانية

عاد العثمانيون إلى تركيا من خلال مسلسلات تلفزيونية تستلهم تاريخهم الطويل. بدأت هذه العودة مع مسلسل “القرن العظيم” الذي استعاد سيرة السلطان سليمان القانوني، وهو المسلسل الذي عُرف عربياً بعنوان “حريم السلطان”. وتبعه مسلسل “عاصمة عبد الحميد الثاني” الذي روى سيرة السلطان الذي شهد نهاية دولة الخلافة. بعدها، حضر محمد الثاني في مسلسل “السلطان الفاتح”، وحضر والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية في “قيامة أرطغرل”.

تشهد هذه المسلسلات للجاذبية العثمانية المتنامية، وتعكس تعدّدية وجوه هذه الجاذبية وطابعها الملتبس. للوهلة الأولى، تبدو عودة العثمانيين المظفرة علامة من علامات المد الإسلامي والحنين إلى المجد الضائع، ويجسّد هذا الاتجاه قولا للشاعر التركي ضياء كوك ألب استعاده رجب طيب أردوغان مرة سنة 1997، ومرة ثانية سنة 2015: “مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا”. وفي كتابه الذي صدر سنة 2000 وحمل عنوان “الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط”، يختزل الكاتب الليبي علي الصلابي هذه الرؤية الإسلامية الضيّقة التي تلاقي اليوم رواجا شعبيا كبيرا. يرى أن هذه الدولة قدّمت العديد من الأعمال الجليلة للأمة، “كحماية الأماكن المقدسة الإسلامية من مخططات الصليبية البرتغالية، ومناصرة أهالي الشمال الأفريقي ضد الحملات الصليبية الإسبانية وغيرها، وإيجاد وحدة طبيعية بين الولايات العربية، وإبعاد الزحف الاستعماري عن ديار الشام ومصر وغيرها من الاراضي الاسلامية، ومنع انتشار المذهب الاثني عشري الشيعي الرافضي الى الولايات الاسلامية التابعة للدولة العثمانية، ومنع اليهود من استيطان فلسطين”.

ويتوقّف أمام العوارض السلبية التي أضعفت هذه الخلافة، وعلى رأسها إهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، والانحراف عن الشرع، والتأثر بالنزعات التغريبية. ظهرت هذه النزعات في مصر في عهد محمد علي، كما ظهرت في قلب الدولة في عهد السلطان محمود الثاني الذي تبناها في حركته الإصلاحية. أدّت هذه السياسة المنحرفة إلى ظهور دستور مدحت باشا سنة 1876، ومع هذا الدستور بدأت علمنة القوانين، “وابتعدت الدولة عن التشريع الاسلامي في مجالات التجارة والسياسة والاقتصاد، وبذلك سُحب من الدولة العثمانية شرعيتها من أنظار المسلمين”، بحسب تعبير الكاتب.

في الجانب المعاكس، تتجلّى الجاذبية العثمانية بشكل مغاير تماما في أبحاث تاريخية معاصرة تخلو من أي نزعة إسلامية، ومنها كتاب تعريفي وضعه الباحث اليوناني ديمتري كتسيكيس بالفرنسية سنة 1985، استهلّه بقول من عام 1779 يمتدح بهالأديب اليوناني “القومي” ريغاس الإمبراطورية العثمانية، ويرى فيها “أجمل ممالك الأرض، تلك التي أثنى عليها علماء من كل الأطراف”. يقدّم ديمتري كتسيكيس نبذة عن هذه الإمبراطورية التي يصفها بـ”المتعددة القوميات”، قبل أن يشرع في رسم أبرز مراحل تاريخها في خمسة فصول. في الفصل الأول، يستعرض المؤرخ امتداد الدولة الجغرافي الأول، و”شعوبها” الدينية الرئيسية التي عُرفت بالملل، وهي أربعة: الأتراك المسلمون السنّة والروم المسيحيون الأرثوذكس في المقام الأوّل، ثم الأرمن واليهود. في الفصل الثاني، يربط المؤرخ بين الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي تُعرف بالبيزنطية، والإمبراطورية العثمانية التي خلفتها تدريجيا بين 1280 و 1461. منذ بدء عهدها، تميّزت هذه السلطنة بمزيج غريب من اللغات والأديان والأعراق، وشكّلت دولة كبيرة مؤلفة من مجموعة دول. كانت القسطنطينية في زمن أفول البيزنطيين عاصمة لدولة محتضرة آخذة بالتقلّص، وجعل العثمانيون منها عاصمة لدولة جديدة توسّعت حتى بلغت امتداد الإمبراطورية الرومانية القديمة.

خُصّص الفصل الثالث للعصر العثماني الذهبي، وهو العصر الذي يُعرف بـ”القرن العظيم”، وفيه بلغت السلطنة ذروة تألّقها الحضاري في عهد سليمان القانوني الذي دام أربعاً وأربعين سنة. وتناول الفصل الرابع مرحلة الانحدار التي ظهرت ملامحها الأولى بعد وفاة سليمان القانوني سنة 1566. وقد دامت هذه المرحلة حتى عام 1774، وهو العام الذي وقّع فيه العثمانيون مع الروس معاهدة شكّلت اختراقاً محورياً لسلطة السلطنة. في الفصل الأخير، يستعرض الباحث مرحلة احتضار الدولة التي بدأت مع توقيع هذه المعاهدة. انحدرت الدولة العثمانية سريعًا، وفقدت العديد من أراضيها وممتلكاتها، فسعى سليم الثالث ثم محمود الثاني إلى القيام بإصلاحات تهدف لمواكبة أوروبا في التطوّر، لكن هذه الإصلاحات المتأخرة باءت بالفشل. احتضرت الدولة العثمانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولفظت أنفاسها الأخيرة مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وسارعت قوى الحلفاء إلى تقاسم أراضيها. يشدّد ديمتري كتسيكيس في هذا الكتاب على التعدّدية القومية التي صنعت مجد الدولة العثمانية، ويرى في الختام أن الأتراك واليونانيين كانوا أكبر الخاسرين عند انهيار هذه الدولة الكبيرة.

عام 2009، قدّم المؤرخ التركي أيلبير أورتايلي قراءة مشابهة في كتابه “إعادة استكشاف العثمانيين”. مثل ديمتري كتسيكيس، يذكّر أورتايلي بأن فاتح القسطنطينية اعتبر نفسه وريثاً للإمبراطورية الشرقية المسيحية، وأقام قداساً تأبينياً لعدوه الإمبراطور قسطنطين باليولوجوس الذي قضى أثناء القتال، كما أنه أبدى احتراماً شديداً لبطريرك الروم الأرثوذكسي، وجعل للأرمن كرسياً بطريركياً في أسطنبول، وفتح أبواب العاصمة أمام اليهود، فتمّ بناء أكثر من خمسين كنيس فيها، وباتت اسطنبول وسالونيكي أهم مركزين لليهود في العالم. بلغت الدولة “ذروة السلطنة” في عهد سليمان التركي الذي يمثل “الحقبة الأهم في التاريخ التركي بأكمله”، كما يجزم المؤرخ. في ختام كتابه، يقول المؤلف ان الدولة العثمانية كانت “الإمبراطورية الرومانية الأخيرة في التاريخ”، وأن حاكمها كان “خاقانا تركيا، وخليفة جميع المسلمين، وقيصر الروم في آن واحد”. تميّزت هذه بتعدّديتها العرقية والثقافية اجتماعيا وثقافيا وسياسيا. بلغت هذه التعددية السلطة الحاكمة، وأبرز الأمثلة السلطانات والوزراء من ذوي الأصول اليونانية والبلقانية الذين لعبوا دورا محوريا في الحكم. لهذه الأسباب، يمثل التاريخ العثماني تاريخ الأتراك، كما يمثل”التاريخ المشترك لما يزيد عن عشر أمم تعيش في الجزء المحيط بالأتراك في العالم”. وتشكل هذه الأمم في زمننا نحو عشرين دولة كانت كل واحدة منها في عهد العثمانيين “موطنا لقبائل تتحدث لغات مختلفة، وتتبع أديانا مختلفة”.

يمجّد البعض دولة الخلافة الإسلامية الأخيرة، ويمجّد البعض الآخر دولة الأمم المتعدّدة التي جسّدت في زمنها نموذج “العولمة”. في الماضي القريب، مثّلت الإمبراطورة العثمانية في الذاكرة الأوروبية الخطر التركي الجاثم، فطغت صورة المحارب التركي الفتاك، إلا ان الوجه العثماني الآخر اخترق الأفق من خلال شهادات الرحّالة افتتنوا بعوالم هذه الإمبرااطورية. نقل الكتاب والرسامون الصور والمشاهد التي تثير العين الإستشراقية وتسحرها، وساهموا في كسر صورة التركي التقليدية.

من المفارقات المثيرة، تبدّدت هذه الصورة السلبية بشكل كبير خلال بضعة عقود من الزمن ودخلت في الظل، وها هي اليوم تعود مع “العثمانيين الجدد” الذين يردّدون من خلف أردوغان قول ضياء كوك ألب: “مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلّون جنودنا”.

محمود الزيباوي

المصدر: almodon